لا يعود اللوم على الإنسان إن وجد نفسه يستعيد ذكريات مؤلمة من الحروب والكوارث بعد مرور السنوات. فالدماغ يتعامل مع اللحظات المرتبطة بتهديد للحياة بطريقة تختلف عن معالجته للأحداث العادية.
حين يواجه الدماغ خطرًا شديدًا، يحفظ الذكرى لا كحدث عادي انتقل إلى الماضي، بل كتحذير حي قد يحتاج إليه للبقاء. لهذا تبقى الذكريات المؤلمة أكثر وضوحًا وأشد قدرة على الظهور حتى بعد سنوات طويلة.
الدماغ لا يسترجع الصورة وحدها حين يتذكر موقفًا مؤلمًا. إنه يعيد إحياء الإحساس الكامل: دقات القلب السريعة، الارتباك، الأصوات، الروائح، والشعور بالعجز أو الخوف. ولهذا تبدو بعض الذكريات كأنها تحدث في اللحظة الحاضرة، وليست مجرد أحداث مضت.
في الحروب المستمرة، يواجه الدماغ تحديًا أكبر. الأيام الهادئة عادة ما تساعد العقل على تصنيف الذكريات بوصفها جزءًا من الماضي. لكن حين يتكرر الخطر قبل شفاء آثار التهديد السابق، تتراكم الذكريات فوق بعضها. يصبح من الصعب على العقل أن يعلن انتهاء الأمر.
كثيرون يعتقدون أن استعادة الذكريات المؤلمة تدل على عدم التعافي. لكن الشفاء الحقيقي لا يأتي من النسيان، بل من التخلص من أسر هذه الذكريات. الإنسان قد يستعيد الذاكرة، لكن دون أن تعصف به كما فعلت في السابق. هذا هو الفرق بين الذاكرة الجريحة والذاكرة التي بدأت التئامها.
التعافي يتطلب أكثر من مرور الوقت. الدماغ يحتاج إلى شعور بالأمان، إلى أشخاص يستمعون دون إصدار أحكام، وإلى بيئة لا تُعيد إنتاج الصدمة يوميًا. الشفاء ليس نسيانًا، بل إيجاد مساحة آمنة يحمل فيها الإنسان ذكرياته دون أن تسحقه.
لكن حين يكون الماضي مستمرًا، حين تُهدم البيوت والفقد يتكرر والخوف يعود مع كل تصعيد، تبقى الذكريات جزءًا من الحاضر. في هذه الحالات، طلب الناس “بأن ينسوا” قد يكون غير واقعي وغير عادل. الأقرب إلى الإنسانية أن نساعدهم على حمل ذاكرتهم، لا أن نطالبهم بالتخلص منها.
الذاكرة الجريحة ليست علامة ضعف، بل شاهد على أن الإنسان مرّ بتجربة تجاوزت طاقته العادية على الاحتمال. كما يحمل الجسد ندوب الجراح، تحمل النفس ندوبها أيضًا. والسؤال الأساسي يبقى: كيف نمنح ذاكرتنا فرصة لأن تكون شاهدة على ما حدث، دون أن تصبح سجينة له؟
