لندن/سما أظهرت دراسات بحثية حديثة من أوروبا حدوث تحول خطير في انتشار مرض السكري من النوع الثاني، الذي كان يعتبر تاريخيا مرضا يصيب الفئات العمرية الأكبر سنا. فقد وثقت الأبحاث تزايدا حادا في أعداد الشباب، خاصة الشابات، الذين يتم تشخيص إصابتهم بهذا النوع من المرض.
قام فريق بحثي من إمبريال كوليدج لندن بفحص بيانات المسح الوطني للسكري في إنجلترا على مدى الفترة من عام 2011 إلى 2024، وتوصل إلى نتيجة مثيرة للقلق: بينما تشهد معدلات الإصابة انخفاضا بين البالغين ذوي الأعمار من 60 إلى 79 سنة، فإنها ترتفع بشكل ملحوظ بين من هم دون سن الأربعين. وأشارت النتائج المنشورة في مجلة ذا لانسيت إلى أن أكبر نسبة من هذه الزيادة تركزت على النساء من مختلف الخلفيات العرقية، خاصة اللواتي في العشرينيات من العمر.
أكدت شيفاني ميسرا، المؤلفة الرئيسية للدراسة وأستاذة السكري في إمبريال كوليدج لندن، أن معظم النقاشات الطبية ركزت على “تزايد حالات الإصابة بالنوع الثاني من السكري بين الشباب من مختلف الخلفيات العرقية”، وأضافت أن هذا “يشير إلى أن هذا التحدي الصحي يمتد ليشمل مختلف فئات الجيل”.
اللافت للنظر أن الوضع لا يقتصر على المملكة المتحدة. فقد أفاد بابتيست غالويتز، أخصائي الغدد الصماء والمتحدث باسم الجمعية الألمانية للسكري، بأن بلاده تشهد ارتفاعا مماثلا في معدلات الإصابة، واصفا الأمر بأنه “أشبه بوباء عالمي”. وأشار غالويتز إلى وجود زيادة ملموسة في تشخيص الأطفال والمراهقين بهذا المرض، حيث سجلت الجمعية الألمانية للسكري زيادة سنوية بنسبة 5.8% في حالات الإصابة بين الشباب من سن 11 إلى 17 سنة خلال الفترة من 2014 إلى 2023.
على المستوى الطبي، يختلف النوع الثاني من السكري عن النوع الأول في آلية عمله. فبينما ينتج النوع الأول عن فقدان كامل للخلايا المنتجة للإنسولين، يتسبب النوع الثاني في انخفاض إنتاج الإنسولين أو ضعف استجابة الجسم له، مما يؤدي إلى ارتفاع مستويات السكر في الدم. وقد كان يُعتقد سابقا أن النوع الثاني يقتصر على الأشخاص الأكبر سنا، لكن هذا الفهم تغيّر بشكل جذري.
ركز الخبراء على أسباب هذا التحول المقلق. قال غالويتز إن نمط الحياة الحالي يتسم بقلة الحركة، وأن “الأنظمة الغذائية الحالية تحتوي على كميات مفرطة من السكر والسعرات الحرارية، مما يؤدي إلى زيادة معدلات السمنة بين الشباب وبالتالي يرفع بشكل كبير خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني”. وبينما قد يلعب الاستعداد الوراثي دورا في الإصابة، فإن نمط الحياة يُعتبر العامل الأبرز والأكثر تأثيرا.
تكمن خطورة الأمر في أن تطور المرض لدى المرضى الأصغر سنا قد يتخذ مسارا أكثر حدة وخطورة مقارنة بمن هم في الأعمار الأكبر. قالت هيلين كيران، باحثة متخصصة في أمراض السكري بالمملكة المتحدة، إن “أي تشخيص للإصابة بالنوع الثاني يعتبر أمرا خطيرا، لكن المرض قد يتخذ مسارا أكثر حدة لدى الشباب، مما يزيد خطر حدوث مضاعفات خطيرة ويقصر العمر المتوقع”.
يؤكد الخبراء على أهمية التدخل المبكر، خاصة في المرحلة التي يطلق عليها “ما قبل السكري”، عندما تقترب مؤشرات الدم من الحد الفاصل للإصابة بالمرض. فقد أثبت الاكتشاف المبكر أنه يساهم في تدارك الوضع، حيث يمكن من خلال تعديل نمط الحياة والنظام الغذائي وقف تطور المرض في بعض الحالات.
اقترح الخبراء سياسات صحية شاملة للحد من الانتشار. رحب غالويتز بفرض ضريبة على المشروبات الغازية المحلاة بالسكر في ألمانيا، لكنه أكد أن هذه الخطوة وحدها غير كافية. دعت الجمعية الألمانية للسكري إلى تطبيق نظام ضريبي متدرج يوفر الفواكه والخضروات الطازجة دون ضريبة، بينما ترتفع النسبة الضريبية مع زيادة محتويات المنتج من الدهون المشبعة والسكريات. كما طالبت بتوفير أغذية صحية في رياض الأطفال والمدارس، وإدراج ساعة يومية إلزامية من النشاط البدني ضمن الحصص المدرسية.
أشارت ألكسندرا كاوتسكيويلر، رئيسة قسم الغدد الصماء والتمثيل الغذائي في المستشفى الجامعي بفيينا، إلى أهمية النشاط البدني أثناء اليوم الدراسي، مؤكدة ضرورة “تحسين الظروف البيئية العامة للحد من تزايد الإصابة بالنوع الثاني من السكري بين الطلاب والطالبات”. وأشارت إلى أن “علينا ضمان توافر ظروف تتيح للنساء ممارسة النشاط البدني بأمان”، بما يعني معالجة المشاكل الاجتماعية والثقافية التي قد تمنع بعض النساء عن ممارسة الرياضة خوفا من السخرية أو المضايقات.
أضاف الخبراء ملاحظة مهمة تتعلق بالفجوات في التشخيص. يرجح الخبراء أن عدد النساء المصابات بالنوع الثاني من السكري قد يكون أعلى بكثير مما تشير إليه البيانات الحالية. وذكرت دراسة ألمانية نُشرت العام الماضي أن المرض غالبا ما لا يُشخّص بصورة كافية لدى النساء، مضيفة أن “الرجال عادة ما يُشخصون بالإصابة بالنوع الثاني من السكري في سن أصغر، بينما ترتفع نسبة النساء اللاتي يعانين من السمنة وارتفاع ضغط الدم، كما أنهن يكتسبن وزنا أكبر مقارنة بالرجال”.
اقرأ أيضًا:
