تحضر الضفة الغربية بوصفها أحد الملفات المطروحة على طاولة اللقاء القريب بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، في ظل سعي الولايات المتحدة بعد الحرب على إيران إلى هندسة ترتيبات إقليمية أوسع. إذ تدرك واشنطن أن تجاهل الساحة الفلسطينية سيضعف قدرتها على تسويقها لدى حلفائها وشركائها، لا سيما أن الضفة الغربية تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى ساحة معقدة تجمع بين تصاعد نفوذ المستوطنين داخل الحكومة الإسرائيلية، وتراجع قدرة السلطة الفلسطينية على إدارة المجال الخاضع لها.

لهذا، لا يبدو حضور الضفة الغربية في لقاء ترامب ونتنياهو تفصيلًا عابرًا، إذ يبرز سؤال أكثر أهمية يتعلق بسبب تحرك واشنطن الآن في هذا الملف، مع أن السياسات الإسرائيلية غير المسبوقة في الضفة تكثفت منذ السابع من أكتوبر 2023.

وعزّز هذا الاتجاه ما أوردته القناة 13 الإسرائيلية يوم 6 تموز 2026، عن إعداد الإدارة الأميركية قائمة مطالب رسمية من إسرائيل قبل لقاء نتنياهو، تشمل تقليل الحواجز العسكرية في الضفة الغربية، والسماح بتحويل أموال عائدات الضرائب إلى السلطة الفلسطينية، وكبح عنف المستوطنين، إضافة إلى تقديم ردود وتقارير حول الخطوات التي تنوي الحكومة الإسرائيلية اتخاذها لإنفاذ القانون في الميدان. وجاء التقرير في سياق قلق أميركي واضح من التطورات الأخيرة في الضفة، ومن تكرار اعتداءات المستوطنين، ومن الصور والتوثيقات التي أظهرت عنف جنود إسرائيليين ضد الفلسطينيين.

ويكشف التمعن في هذه المطالب عن أنها تتحرك ضمن مستويين متداخلين. الأول يرتبط بالحياة اليومية للفلسطينيين، إذ تُعطّل الحواجز العسكرية حركة الفلسطينيين بين المدن والقرى، وتُحدّد أموال السلطة قدرة السلطة الفلسطينية على دفع الرواتب وتشغيل المؤسسات، ويحوّل عنف المستوطنين القرى والأراضي والطرق إلى فضاءات عنف استعماري مستمرة.

أما المستوى الثاني فيتصل ببنية الحكم داخل إسرائيل، إذ تبدو مطالبة الحكومة الإسرائيلية بضبط المستوطنين إشكالية في جوهرها؛ لأن هذه الحكومة لا تقف خارج الظاهرة الاستيطانية وإنما تمنحها الغطاء، وتتعامل مع جماعات المستوطنين بوصفها جزءًا من أدوات التحكم والسيطرة في الضفة الغربية، وجزءًا من الخطاب السياسي لليمين الإسرائيلي.

وهنا نعود إلى السؤال الجوهري، ما الذي يدفع واشنطن إلى هذا التحرك الآن؟ تبدو الإجابة غير محسومة في ظل التعقيد الذي يحيط بالمشهد الإقليمي، غير أنه يمكن قراءة هذا التحرك من زاويتين محتملتين. ترتبط الأولى بتقدير أميركي وإسرائيلي بأن إيران قد تسعى إلى إدخال غزة وربما الضفة الغربية ضمن شروطها السياسية بعد الحرب، عبر المطالبة بكف يد إسرائيل في الساحتين الفلسطينية واللبنانية. ومن هذا المنظور، قد يمثّل التحرك الأميركي خطوة استباقية تهدف إلى سحب الورقة الفلسطينية من يد طهران، وتقليل قدرتها على توظيفها في أي مسار تفاوضي لاحق.

أما الزاوية الثانية فتتصل بحسابات واشنطن مع الفاعلين الإقليميين، وخصوصًا مصر وتركيا وقطر وباكستان وربما السعودية، إذ قد تدفع هذه الأطراف باتجاه إجراءات أميركية في الساحة الفلسطينية بوصفها تعويضًا سياسيًّا عن نتائج الحرب الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى الضغط الأميركي بوصفه تحولًا جذريًّا في موقف واشنطن من السياسات الإسرائيلية أو من المشروع الاستيطاني، بقدر ما يعبّر عن محاولة لصياغة جديدة للإقليم ومنع الضفة الغربية من التحول إلى عامل إضافي يؤثر في سير الترتيبات التي تعمل الولايات المتحدة على بنائها.

ولا يعني ذلك أن واشنطن تتجه نحو مسار سياسي شامل، فالمطالب التي أوردها تقرير القناة 13 تبدو محدودة ومباشرة، لكنها تؤدي وظيفة سياسية واضحة، إذ تمنح السلطة الفلسطينية هامشًا من التنفس المالي وتخفف جزءًا من الضغط الميداني على الفلسطينيين وتضع قيودًا هامشية على عنف المستوطنين.

وفي المقابل، يتشكل موقف السلطة الفلسطينية داخل هذه المعادلة الضيقة، إذ تنظر إلى السياسات الإسرائيلية بوصفها مسارًا متدرجًا لقضم ما تبقى من مجالها السياسي والجغرافي، ولا سيما مع تصاعد الطروحات الاستيطانية التي تستهدف المناطق المصنفة “أ” وتسعى إلى تكريس وقائع يصعب التراجع عنها. ومن هنا، ستتعامل السلطة مع أي مقترح أميركي يوقف هذا المسار أو يبطئه بوصفه فرصة ضرورية لتجنب مزيد من التآكل، حتى لو جاء بسقف محدود وبأثمان مرتفعة موافقة على قبولها.

وفي المشهد الإسرائيلي، ينتقل النقاش من مضمون المطالب الأميركية إلى أثرها السياسي داخل معسكر نتنياهو. فهذه المطالب لا تضغط على الحكومة في الملف الفلسطيني فقط، وإنما تمس الرواية التي بنى عليها نتنياهو وشركاؤه في “الصهيونية الدينية” خطابهم، وهي أن وجود ترامب في البيت الأبيض يمنح إسرائيل هامشًا واسعًا في الضفة الغربية، وأن مرحلة ما بعد الحرب على إيران تفتح الباب أمام توسيع الاستيطان وتعميق السيطرة. غير أن التحرك الأميركي يضع هذه الرواية أمام اختبار مباشر؛ لأنه يوضح أن واشنطن لا تمنح تفويضًا مفتوحًا، وأنها تستطيع فرض حدود على سلوك الحكومة الإسرائيلية عندما ترى أن ما يجري في الضفة يضر بترتيباتها الإقليمية.

وتظهر حساسية هذا الاختبار بصورة أوضح لدى “الصهيونية الدينية”؛ لأنها قدمت نفسها لجمهور اليمين بوصفها القوة القادرة على دفع المشروع الاستيطاني إلى مرحلة جديدة، وتقييد السلطة الفلسطينية وتحويل اللحظة الإقليمية إلى فرصة داخل الضفة. لذلك، فإن مطالب واشنطن تضعف صورة القوة التي يسوّقها هذا التيار.

وفي نهاية المطاف، تدرك إسرائيل أن قدرتها على رفض المطالب الأميركية تبقى محدودة جدًّا، لأن العلاقة مع الولايات المتحدة تمثل شرطًا أساسيًّا لإسرائيل. وقد صار من بديهيات السياسة الإسرائيلية أن الحكومات في تل أبيب لا تستطيع أن تقول لا أمام الإدارة الأميركية.

وختامًا، إذا كانت الولايات المتحدة جادة في مطالبها، فسيظهر ذلك في الإجراءات الملموسة على الأرض لا في التصريحات وحدها، غير أن المقابل الذي تريده واشنطن وتل أبيب من السلطة الفلسطينية قد يكون كبيرًا، سواء في الالتزامات الأمنية أو في إعادة ترتيب المشهد السياسي الداخلي. ولا تعني هذه المطالب أن الولايات المتحدة تتحرك في اتجاه معاكس لإسرائيل، فهي تتحرك ضمن حسابات أوسع فرضها تغيّر موازين القوى في الشرق الأوسط وتبدّل قواعد اللعبة الإقليمية بعد الحرب على إيران.

شاركها.