لسنا اليوم أمام أزمة نقص في المعلومات. ربما نعيش، على العكس، أكبر فائض معرفي عرفه الإنسان في تاريخه. بضغطة واحدة نستطيع الوصول إلى كتاب، أو فتوى، أو دراسة، أو رأي خبير، أو خطاب سياسي، أو تفسير ديني، أو تحليل اقتصادي. ومع ظهور الذكاء الاصطناعي، لم يعد الوصول إلى الإجابة يحتاج حتى إلى البحث الطويل. ومع ذلك، ثمة مفارقة تستحق التوقف عندها: وهي، كلما اتسعت قدرتنا على الوصول إلى المعرفة، بدا أننا أصبحنا أكثر انقسامًا حول الحقيقة. لماذا؟ ربما لأن المشكلة لم تعد في امتلاك المعلومة، بل في العقل الذي يستقبلها. ولم تعد في غياب الإجابات، بل في المعايير التي نختار بها أي إجابة نصدق. ولم يعد السؤال: ماذا نعرف؟ بقدر ما أصبح: كيف نفكر فيما نعرف؟
في فضائنا العربي، تبدو هذه المشكلة أكثر وضوحًا. تتزاحم الفتاوى والآراء والتفسيرات، ويتداخل الديني بالسياسي، والسياسي بالأيديولوجي، والمعرفة بالانتماء. وفي كثير من الأحيان، لا تبدأ المناقشة بالسؤال عن صحة الفكرة، بل عن هوية صاحبها: من قالها؟ إلى أي تيار ينتمي؟ مع من يقف؟ وضد من؟ وهكذا، يصبح الانتماء سابقًا على المعرفة، والموقف سابقًا على الدليل، واليقين سابقًا على السؤال. وهنا خطر لي سؤال تأملي قد يبدو غريبًا للوهلة الأولى: هل نحتاج إلى منهج حياة مختلف عما نعيشه اليوم، منهج يتشابه مع منهج إخوان الصفا؟ وهي جماعة ظهرت بالقرن العاشر الميلادي، وقد سعت في رسائلها إلى الجمع بين الدين والفلسفة ومختلف المعارف، في محاولة للبحث عن الحقيقة خارج حدود الانغلاق المذهبي والفكري.
وهنا، ليس المقصود بالطبع أن نستدعي جماعة فكرية عاشت قبل أكثر من ألف عام، أو أن نتعامل مع رسائل هذه الجماعة، باعتبارها وصفة جاهزة لمشكلات القرن الحادي والعشرين، وإنما استدعاءً لروح الانفتاح المعرفي والجمع بين علوم الحياة وفنون التفكير خارج الصناديق المذهبية الضيقة. فإخوان الصفا أبناء عصرهم، وفي تراثهم ما يخضع للنقد والمراجعة مثل أي تجربة فكرية أخرى. لكن ما يستحق الاستحضار هو فكرة المنهج. حيث حاول إخوان الصفا، في سياقهم التاريخي، أن يفتحوا أبواب المعرفة بعضها على بعض، وتعاملوا معها باعتبارها أوسع من أن يحتكرها مذهب واحد أو مجال واحد. الأهم أنهم انطلقوا من سؤال لا يزال صالحًا لنا اليوم: هل نستطيع البحث عن الحقيقة خارج الحدود التي ترسمها لنا انتماءاتنا المسبقة؟ وهنا نصل إلى جوهر أزمتنا المعاصرة: هيمنة الأيديولوجيا على العقل.
الأيديولوجيا ليست شرًا في ذاتها. لا يوجد إنسان يفكر من فراغ؛ فنحن جميعًا نحمل قيمًا ومعتقدات وانتماءات وتجارب سابقة تؤثر في الطريقة التي نرى بها العالم. المشكلة تبدأ عندما لا تعود الأيديولوجيا عدسة تساعدنا على قراءة الواقع، والتمحص به، بل تصبح قالبًا نطالب الواقع بأن يدخل فيه. عندها يحدث انقلاب هادئ وخطير في عملية التفكير. بدل أن ننطلق من الوقائع لنصل إلى موقف، ننطلق من الموقف ثم نبحث عن الوقائع التي تؤيده. وبدل أن نضع الفكرة أمام الاختبار، نضع الاختبار في خدمة الفكرة. وبدل أن نسأل: ماذا حدث؟ يصبح السؤال غير المعلن: من الذي فعله؟
وهنا يمكن أن نختبر أنفسنا بسهولة. الفعل نفسه قد نصفه بالشجاعة إذا صدر عن جماعتنا، وبالتهور إذا صدر عن خصمنا. والموقف نفسه قد نراه حكمة سياسية عندما يتخذه من نؤيده، وخيانة عندما يتخذه من نعارضه. وقد نستدعي القانون والأخلاق والمبادئ لإدانة خصومنا، ثم نستدعي الظروف والضرورات والسياق عندما نحتاج إلى تبرير أفعال من ننتمي إليهم. وهذه واحدة من أخطر علامات هيمنة الأيديولوجيا، والتي بموجبها تصبح لدينا معايير للحقيقة تتغير بحسب هوية من نحب ومن نكره.
ولا يقتصر الأمر على السياسة. وفي الدين أيضًا، يمكن أن تتحول الفتوى من اجتهاد بشري قابل للنقاش إلى أداة لإغلاق النقاش. وفي الثقافة، قد نرفض فكرة لا لضعفها، بل لأن صاحبها لا ينتمي إلى دائرتنا. وفي الإعلام، نختار الرواية التي تطمئننا. وحتى في الجامعة، قد يقع الباحث في إغراء البحث عما يثبت فرضيته بدل اختبار احتمال أن تكون فرضيته خاطئة. وهكذا لا تعود الأيديولوجيا مجرد مجموعة أفكار نؤمن بها؛ بل تتحول تدريجيًا إلى نظام لحماية اليقين الذي نحمله من الأسئلة.
وما يجعل المسألة أكثر تعقيدًا اليوم أن التكنولوجيا دخلت على الخط. فوسائل التواصل الاجتماعي لا تعرض علينا العالم كما هو، بل تقدم لنا، بدرجات متفاوتة، العالم الذي نتفاعل معه أكثر. وكلما أبدينا اهتمامًا بفكرة أو اتجاه، وجدنا أمامنا مزيدًا مما يشبهه. وهكذا يستطيع الإنسان أن يعيش وسط أكبر فضاء للمعلومات عرفه التاريخ، لكنه في الوقت نفسه قد يعيش داخل أصغر غرفة فكرية ممكنة.يقرأ من يشبهه. ويتابع من يؤكد رأيه. ويشارك ما يدعم موقفه. ثم ينظر حوله فيجد أن الجميع متفقون معه، لأن المختلف ببساطة اختفى من شاشته. فتنشأ دائرة مغلقة: الانتماء يحدد ما نقرأ، وما نقرأ يعزز الانتماء، والانتماء المعزز يجعلنا أقل استعدادًا لسماع المختلف.
وهنا تحديدًا يصبح استدعاء روح إخوان الصفا ذا معنى. ليس لأننا نريد استبدال أيديولوجيا بأخرى، ولا لأن الحل يكمن في التخلي عن الدين أو الهوية أو الانتماء. فالإنسان يحتاج إلى منظومة قيم تمنحه معنى وموقفًا من العالم. المطلوب شيء أكثر صعوبة، وهو استقلال العقل داخل الانتماء. أن أنتمي، دون أن أفقد قدرتي على السؤال. أن أؤمن، دون أن أعتبر التفكير خطرًا على إيماني. أن أتبنى موقفًا سياسيًا، دون أن أتحول إلى محامٍ دائم عن كل ما يصدر عن الطرف الذي أؤيده. وأن أمتلك الشجاعة لأقول عن خصمي: أصاب هنا، وعن جماعتي: أخطأت هنا. وهذا، ربما، هو الاختبار الحقيقي لحرية العقل.
فانتقاد الخصم سهل. لا يحتاج غالبًا إلى شجاعة فكرية، بل قد يمنحنا رضا جماعتنا وتصفيقها. أما الاختبار الأصعب فهو أن نرى الخلل عندما يصدر عن الجهة التي ننتمي إليها، وأن نقبل الحقيقة عندما تأتي من شخص نختلف معه. حرية العقل لا تُختبر حين تنتقد خصمك؛ بل حين تستطيع أن ترى خطأ جماعتك، وأن تعترف بصواب من تختلف معه. ولذلك، فإن الحديث عن إخوان الصفا ليس دعوة للعودة إلى الماضي. ربما يكون العكس تمامًا: استخدام الماضي لكي نسأل سؤالًا عن المستقبل.
فنحن مقبلون على عالم لن تكون أزمته الكبرى ندرة المعلومات، بل كثرتها وفائضها؛ ولن تكون مشكلته غياب الإجابات، بل قدرتنا على التمييز بينها. ومع الذكاء الاصطناعي والتزييف الرقمي والتدفق الهائل للمحتوى، سيصبح الإنسان محاطًا بعدد غير مسبوق من الحقائق المتنافسة. وعندها لن تكون القيمة الكبرى في أن تعرف أكثر، وإنما في أن تميّز أفضل. أن تميز بين المعلومة والادعاء. وبين الفتوى والاجتهاد البشري. وبين المقدس وتفسير البشر للمقدس. وبين الخبر والدعاية. وبين الموقف والدليل. وبين الحقيقة وما نرغب في أن يكون حقيقة. لهذا، ربما لا نحتاج إلى إخوان الصفا من جديد بقدر ما نحتاج إلى استعادة سؤالهم عن المعرفة، ثم صياغته بلغة عصرنا. نحتاج إلى عقل يعرف كيف يشك دون أن يتحول الشك لديه إلى عبث، وكيف يؤمن دون أن يتحول الإيمان إلى إغلاق لباب السؤال، وكيف ينتمي دون أن يصبح الانتماء بديلًا عن التفكير. فالمشكلة ليست أن تكون للإنسان أيديولوجيا.المشكلة أن تصبح الأيديولوجيا هي التي تفكر نيابة عنه. وعند هذه النقطة، ربما ينبغي أن نتوقف عن سؤال الناس: إلى أي تيار تنتمون؟ وأن نطرح سؤالًا أكثر إزعاجًا: هل ما زلنا نحن من نستخدم أفكارنا لفهم العالم، أم أصبحت أفكارنا تستخدم عقولنا للدفاع عنها؟
