الكتّاب في العالم العربي …
الكاتب: عبد الغني سلامة
الكتابة في العالم العربي مهنة لا تطعم خبزاً، مع أن عدداً لا بأس به من الكتّاب يعتاشون من الكتابة، ومنهم من يحقق دخلاً محترماً.. أما الأغلبية، فبالكاد يحصلون على ما يقيم أودهم.
فمثلاً، قد يستغرق إصدار الكتاب سنة كاملة، يبذل فيها الكاتب جهداً كبيراً في القراءة والبحث والتحليل، أو في انتظار هبوط الوحي إذا كان شاعراً أو روائياً.. وفي النتيجة سيحصل على عشر نسخ من كتابه، أو خمسين نسخة على أكثر تقدير، سيوزعها هدايا على الأصدقاء والمعارف.. وقد جرت العادة أن ينتظر الأهل والأصدقاء استلام نسختهم من الكتاب هدية، ولن يفكر أحدهم بالتوجه إلى المكتبة أو إلى معرض الكتاب لشراء نسخة دعماً للمؤلف.. (مع الكثير من الاستثناءات).
المواطن بصورة عامة يحب الحصول على الأشياء المجانية، بما في ذلك الكتاب، ولو كان في قرارة نفسه لا ينوي قراءته! وفي سلّم أولوياته يأتي الكتاب في نهاية القائمة، ولدى الأغلبية الكتاب غير موجود أصلاً في قائمة أولوياته!
بالمناسبة، أشهر وأهم المفكرين والروائيين العرب لا تتجاوز مبيعات كتبهم بضعة آلاف (مع استثناءات معروفة)، وأرباح المبيعات تذهب لدار النشر، فيما يحصل المؤلف على الفتات.. بينما في دول الغرب إذا حصل كتاب ما على لقب «الأكثر مبيعاً»، فإن الكاتب يغتني بعدها.
ومثلما «يتسلبط» الأصدقاء على الكاتب، سيقوم الكاتب «بالتسلبط» على صديقه أستاذ اللغة العربية لتدقيق المخطوطة لغوياً ونحوياً، وسيوزع عدة نسخ على كتّاب آخرين لمراجعة مخطوطته وإبداء الملاحظات، وسيطلب من صديق آخر تصميم الغلاف.. وكل هذا بالمجان، «بنمون» على بعض، وكله من باب التعاون الأدبي، وهذا برأيي مشروع إلى حد ما، خاصة إذا كان بقدر من المعقولية، ودون استغلال.
العديد من الكتّاب والصحافيين (خاصة المبتدئين) ينشرون أعمالهم في الجريدة، أو في المجلة دون مقابل، وحتى الكتّاب الدائمين في أهم الصحف يتقاضون أجوراً رمزية (باستثناء بعض صحف ومجلات الخليج). وحتى تلك الأجور الرمزية يتحصلون عليها بشق الأنفس، بعد اتصالات عديدة بالمؤسسة الإعلامية أو بالمجلة، حيث ترد عليه سكرتيرة أو محاسب ببرود، وكأنهم يتعاملون مع زبون يلح بطلبه، لا مع كاتب أو مثقف محترم!
تُـجري الإذاعات المحلية والتلفزيون الوطني مقابلات وبرامج حوارية مع كتّاب وإعلاميين في قضايا سياسية وثقافية وغيرها، يذهب الكاتب بسيارته، أو بالمواصلات إلى الأستوديو، ويجري اللقاء، وقد تستغرق العملية ساعة أو أكثر، عدا الانتظار والتحضير والاستعداد النفسي والذهني.. وكل هذا بالمجان (باستثناء المحطات الفضائية الموجهة والمدعومة).
تطلب وزارة الثقافة، أو أي مؤسسة ثقافية أو إعلامية أو مركز أبحاث من الكاتب إلقاء محاضرة، أو تقديم مؤلف، أو إدارة جلسة، أو إعداد ورقة، أو المشاركة في فعالية قد تكون في محافظة أخرى.. وطبعاً بالمجان.
الفنانون والفرق الفنية والمسرحية يعانون المشكلة ذاتها، حيث تطلب الأندية أو المؤسسات الثقافية أو البلديات من الفنان أو من الفرقة الفنية إحياء حفل في مناسبة وطنية أو تراثية، فتأتي الفرقة بموظفيها وفنانيها وأدواتهم ومستلزماتهم.. طبعاً بالمجان، فمن غير المعقول بيع تذاكر في مناسبة وطنية، وكله في سبيل الوطن! وإذا طلب الفنان، أو الفرقة أن يشارك الحضور من خلال دفع تذاكر، فإن الجمهور لن يكتفي بالمقاطعة، بل سيجلد الفنان، ويتهمه بالاسترزاق والمتاجرة بالقضية!
بعض الصحف والمؤسسات الإعلامية وبعض الإذاعات المحلية تقوم باستغلال خريجي كليات الإعلام الجدد، فتغريهم بالعمل لفترة محدودة دون عقد، وبأجر رمزي مضحك، أو بالمجان، بحجة تدريبهم أو اختبار كفاءتهم، خلال هذه الفترة يطلبون منهم كل شيء وبذل أقصى جهد، وبعد انقضاء المدة يسرحونهم بحجج مختلفة، ليأتوا بغيرهم.. وهكذا.
ندرك تماماً أن العمل في المجال الثقافي والأدبي والفني ليس تجارة، ومن المفترض أن المثقف أو الفنان يكتب ويؤلف ويحاضر ويشارك في الفعاليات لأنه مقتنع بما يقوله ويكتبه، ويحب عمله، باعتباره يؤدي واجبه الأدبي، وينشر رسالته التي يؤمن بها.. لكنه حتى يبدع في مجاله، وحتى ينتج يحتاج إلى الوقت، والتركيز، والتفرغ، وبذل الجهد.. فلا يجد متسعاً من الوقت لممارسة مهنة أخرى، وأغلب الكتّاب والمثقفين لا يجيدون مهنة أخرى أساساً.. فمن أين، وكيف سيعيش إذاً؟ إذا كان كل ما يفعله بالمجان، وكعمل تطوعي!
فالكاتب لا يحقق دخلاً كافياً، بل في كثير من الأحيان يدفع من جيبه.. لذا يجب ألا نستغرب من اهتمام الكتاب والأدباء بالجوائز.. الجوائز وحدها القادرة على إحداث نقلة نوعية في حياة المثقف، والمشكلة أن الجوائز المهمة والمجزية في يد جماعات مطبعة، وبعضها ذات توجهات مشبوهة.. وبعضها متخصص في التقاط (وشراء) الكتّاب والمثقفين..
كل ما ذكرت ليس مبرراً لما يقوم به بعض الكتّاب والإعلاميين والمثقفين الذين امتهنوا الظهور على الفضائيات، يتنقلون من محطة إلى أخرى، ويقولون ما تريده منهم القناة، خاصة إزاء حرب الإبادة في غزة، وعلى لبنان.. فما من مبرر لبيع الضمير وتأجير العقل، والمتاجرة بدماء وعذابات شعبنا.. هذا ليس عملاً ثقافياً ولا وطنياً بأي مقياس، هذه تجارة رخيصة، حتى لو كانت تدر رزماً من الدولارات.