في قطاع غزة، لم تعد الكهرباء مجرد خدمة أساسية للحياة اليومية، بل تحولت إلى مؤشر جديد على عمق الكارثة الإنسانية التي يعيشها السكان. ففي ظل الحرب والحصار والانهيار الاقتصادي، أصبح الحصول على ساعة كهرباء إضافية مسألة بقاء لعائلات تعيش على حافة الجوع. 

وفي هذا السياق، جاء الجدل الأخير حول تسعير الكهرباء التي توفرها المولدات التجارية ليكشف جانباً آخر من مأساة الحياة في القطاع، حيث تخرج سلطة الطاقة التابعة لحماس بقرارات تنظيمية تبدو منفصلة تماماً عن واقع الأرض المحترق.

لقد ارتفعت تكلفة تشغيل المولدات بشكل جنوني، إذ يعتمد كثير منها على وقود بديل مثل “زيت الطهي” بسبب ندرة الديزل. ومع ارتفاع أسعار الزيوت والسلع الغذائية، قفز سعر الكيلوواط إلى نحو 28 شيكلاً، وهو رقم يحول الكهرباء إلى “رفاهية” مستحيلة لأكثر من مليون ونصف المليون إنسان يعيشون في الخيام، محرومين من أبسط مقومات الآدمية. هؤلاء الذين يفترشون الأرض لا يحلمون بالإنارة، لكن الكهرباء تظل بالنسبة لهم حقاً أساسياً لارتباطها بتشغيل مرافق المياه المحدودة والخدمات المنقذة للحياة.

الأرقام في الأسواق تعكس حجم الكارثة المتفاقمة؛ فالبندورة تُباع بنحو 28 شيكلاً، والبطاطا بنحو 20 شيكلاً، وهي أسعار تفوق بكثير قدرة معظم العائلات التي فقدت مصادر دخلها. وفي ظل دخول عدد محدود من الشاحنات (نحو 200 شاحنة فقط)، نشأت فجوة هائلة بين العرض والطلب، ما جعل المطابخ الخيرية و”التكايا” هي الملاذ الأخير لبقاء الناس على قيد الحياة، وسط مؤشرات مرعبة لسوء التغذية بين الأطفال وكبار السن.

هذه الكارثة لا يمكن فهمها بمعزل عن المسؤولية الأساسية للاحتلال الإسرائيلي، الذي يفرض حصاراً خانقاً ويتحكم في المعابر، ويماطل في تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي واتفاقيات إطلاق النار التي نصت على تدفق المساعدات. إن عدم التزام “مجلس سلام ترامب” بوعود إعادة التعافي والإعمار، جعل الاقتصاد المحلي رهينة للقرارات العسكرية، وتحوّل أي نقص في الإمدادات إلى أداة لتعميق الجوع.

لكن في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل فشل حكم حركة حماس في إدارة هذه الأزمة. فبعد سنوات طويلة من السيطرة، ما زال السكان يواجهون اقتصاداً هشاً يفتقر إلى سياسات حماية اجتماعية حقيقية. إن محاولات تنظيم أسعار المولدات تبقى “حبراً على ورق” وعاجزة عن تقديم حلول، بل تكشف عن عجز الإدارة القائمة عن لجم تغول التجار الذين يتحكمون في سوق الندرة. 

إن الاكتفاء بإصدار البيانات بينما يُترك الناس لقمة سائغة لسوق سوداء منفلتة، يعكس فشلاً إدارياً في حماية الجبهة الداخلية وتخفيف العبء عن المواطن المنهك.

قضية تسعير الكهرباء ليست سوى مرآة لأزمة أعمق؛ أزمة مجتمع محاصر، واقتصاد منهار، وسكان يقاتلون يومياً من أجل البقاء بين ضغط الحصار الخارجي وفشل الحكم الداخلي. الكهرباء هنا ليست مجرد طاقة؛ إنها كاشف لظلام مزدوج يحيق بغزة، بانتظار إجابة على السؤال المعلق: إلى متى يمكن لمجتمع كامل أن يعيش على هذا الحد الأدنى من الحياة، بينما تتقاذفه الأمواج بين تعنت الاحتلال وعجز الإدارة؟

شاركها.