أصبحت تداعيات التغير المناخي خطرًا مؤجلًا واقعًا يفرض نفسه على المدن الساحلية التي تواجه ضغوطًا متزايدة بفعل ارتفاع درجات الحرارة وصعود مستويات البحار والمحيطات وتزايد حدة الظواهر الجوية المتطرفة.
موجات المد وارتفاع الأمواج
وبينما تتسارع معدلات ذوبان الجليد وارتفاع حرارة المياه، تتزايد المخاوف من تعرض المناطق الساحلية لمزيد من موجات المد وارتفاع الأمواج والعواصف، بما يهدد البنية التحتية والأنشطة الاقتصادية والسكانية.
استمرار الاتجاه التصاعدي
وفي ظل استمرار الاتجاه التصاعدي لمستويات مياه البحار، يحذر خبراء البيئة من أن السنوات المقبلة قد تحمل تداعيات أكثر كلفة، ما يفرض تسريع إجراءات التكيف المناخي وتعزيز جاهزية المدن الساحلية لمواجهة المخاطر المتوقعة.
ارتفاع منسوب البحار.. تحدٍ متصاعد
وحذر الدكتور تحسين شعلة، الخبير البيئي، من التداعيات المتزايدة لارتفاع منسوب مياه البحار والمحيطات، مؤكدًا أن هذه الظاهرة أصبحت واحدة من أبرز التحديات المناخية التي تواجه المدن والمناطق الساحلية حول العالم.
وأوضح شعلة أن تأثيرات التغيرات المناخية لم تعد قاصرة على الأضرار التي تلحق بالبيئة والنظم الطبيعية، وإنما امتدت بصورة مباشرة إلى الاقتصاد، في ظل ما تسببه الظواهر المناخية المتطرفة من أضرار للبنية التحتية والمنشآت والأنشطة المختلفة.
وخلال مداخلة هاتفية مع الإعلامية سارة مجدي، ببرنامج «صباح البلد» المذاع عبر قناة «»، أشار الخبير البيئي إلى أن منسوب مياه البحار والمحيطات سجل ارتفاعًا خلال الفترة من عام 2014 وحتى 2023 بمعدل بلغ نحو 4.7 ملليمتر، فيما ارتفع المعدل خلال عام 2024 إلى نحو 5.9 ملليمتر.
ارتفاع الحرارة يفاقم الأزمة
وبحسب الخبير البيئي، فإن استمرار ارتفاع درجات الحرارة عالميًا قد يؤدي إلى زيادة معدلات ارتفاع منسوب مياه البحار والمحيطات خلال السنوات المقبلة، وهو ما يضاعف المخاطر التي تواجه المناطق الساحلية.

وأوضح أن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى امتصاص البحار والمحيطات كميات أكبر من الحرارة، الأمر الذي ينعكس على حركة المياه ودورة التبخر والأمطار، فضلًا عن زيادة احتمالات حدوث ظواهر جوية ومناخية أكثر تطرفًا.
وأشار إلى أن هذه التغيرات المتداخلة تجعل المدن الساحلية أكثر عرضة لتداعيات ارتفاع الأمواج والعواصف والفيضانات الساحلية، خاصة في المناطق التي تشهد كثافة سكانية أو نشاطًا اقتصاديًا كبيرًا.
خسائر اقتصادية ضخمة
ولم تتوقف تداعيات ارتفاع منسوب البحار عند الأضرار البيئية، إذ كشف الدكتور تحسين شعلة أن الخسائر الناتجة عن التأثيرات التي تعرضت لها المدن الساحلية خلال الفترة الماضية وصلت إلى نحو 1.8 تريليون دولار.
وأضاف أن الخسائر الاقتصادية السنوية المرتبطة بهذه التأثيرات تقدر بنحو 450 مليون دولار، في مؤشر على التكلفة المتزايدة التي تفرضها التغيرات المناخية على الاقتصادات والمجتمعات الساحلية.

وتعكس هذه الأرقام حجم التحديات التي تواجهها المدن الساحلية، خصوصًا مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتزايد احتمالات تعرضها لموجات مناخية متطرفة، الأمر الذي يفرض ضرورة تعزيز الاستعدادات والإجراءات الوقائية.
«ارتفاع منسوب المياه أصبح أمرًا واقعًا»
وشدد الخبير البيئي على أن ارتفاع منسوب مياه البحار والمحيطات أصبح أمرًا واقعًا، مؤكدًا أن التعامل مع الظاهرة لم يعد مرتبطًا بالتحذير من احتمالات مستقبلية فقط، وإنما يتطلب اتخاذ إجراءات عملية للتكيف مع التغيرات القائمة والمتوقعة.

وأوضح أن زيادة حرارة المحيطات والبحار تؤثر بشكل مباشر على المنظومة المناخية، من خلال زيادة معدلات التبخر وتغيير أنماط هطول الأمطار، بما قد يسهم في زيادة حدة بعض الظواهر المناخية المتطرفة.
ماذا ينتظر المدن الساحلية؟
ومع استمرار التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة، تبرز الحاجة إلى تعزيز قدرة المدن الساحلية على مواجهة المخاطر المرتبطة بارتفاع مستوى سطح البحر والأمواج والظواهر الجوية المتطرفة.
وتتطلب مواجهة هذه التحديات، وفقًا للاتجاهات العلمية والمناخية، تعزيز البنية التحتية الساحلية، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتحسين خطط إدارة الأزمات، إلى جانب تبني سياسات أكثر فاعلية للتكيف مع آثار التغير المناخي.
وفي ظل استمرار ارتفاع منسوب البحار، تبدو المدن الساحلية أمام اختبار متزايد خلال السنوات المقبلة، ما يجعل الاستعداد المبكر وتقليل المخاطر عنصرين أساسيين لحماية السكان والبنية التحتية والأنشطة الاقتصادية من التداعيات المحتملة للأزمة المناخية.
