تدخل إسرائيل الأسابيع الأخيرة التي تسبق الانتخابات التشريعية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، وسط سباق سياسي شديد التقارب، لا تزال نتيجته مفتوحة على عدة سيناريوهات، فيما يواجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تحدياً مزدوجاً يتمثل في الحفاظ على صدارة الليكود وضمان قدرة معسكره على تجاوز عتبة الـ61 مقعداً اللازمة لتشكيل الحكومة.
وتظهر أحدث استطلاعات الرأي أن حزب “يشَر” بزعامة رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت ينافس الليكود بقوة، فيما تتأرجح خريطة المقاعد من استطلاع إلى آخر، دون أن يتمكن أي من المعسكرين من ضمان أغلبية برلمانية مستقرة.
وبحسب متوسط استطلاعات نشرته صحيفة “غلوبس” في 6 سبتمبر، عاد الليكود إلى صدارة الأحزاب بـ24 مقعداً مقابل 23 لـ”يشَر”، فيما حصل حزب نفتالي بينيت “معاً” على 12 مقعداً. ويُظهر المتوسط تقدم كتلة الائتلاف على المعارضة بفارق محدود، لكن كلا المعسكرين يبقى دون أغلبية 61 مقعداً من دون دعم الأحزاب العربية.
وفي استطلاع آخر نشرته “معاريف” في 4 سبتمبر، حصل “يشَر” على 23 مقعداً مقابل 20 لليكود، فيما ارتفع حزب بينيت إلى 15 مقعداً، وحصل حزب الديمقراطيين على 10 مقاعد و”إسرائيل بيتنا” على 9 مقاعد.
أما استطلاع القناة 13 الذي نُشر في الثالث من سبتمبر، فأظهر تعادل كتلة نتنياهو مع خصومه عند 53 مقعداً لكل منهما، مع حصول “يشَر” على 22 مقعداً مقابل 21 لليكود، فيما تصدر آيزنكوت أيضاً سباق المرشحين لرئاسة الحكومة بنسبة 47% مقابل 37% لنتنياهو.
نتنياهو يتقدم أحياناً.. وآيزنكوت ينافسه بقوة
وتعكس النتائج تفاوتاً واضحاً بين الاستطلاعات، إذ شهدت الأسابيع الأخيرة انتقال الصدارة أكثر من مرة بين الليكود وحزب آيزنكوت.
ويرى مراقبون أن هذه التقلبات تعكس عدم استقرار الخريطة الانتخابية، خصوصاً مع استمرار تحرك الناخبين داخل معسكر الوسط واليمين، وظهور أحزاب جديدة قادرة على اقتناص عدة مقاعد قد تكون حاسمة في تشكيل الحكومة.
وفي أحدث متوسط منشور للاستطلاعات، يبلغ الفارق بين الليكود و”يشَر” نحو مقعد واحد فقط، بينما تظل كتلة اليمين متقدمة بفارق ضئيل على كتلة الوسط واليسار.
المشكلة الأكبر: الـ61 مقعداً
ورغم احتدام المنافسة على المركز الأول، فإن السؤال الأهم بعد الانتخابات لن يكون بالضرورة من هو الحزب الأكبر، وإنما من يستطيع تشكيل ائتلاف يضم 61 نائباً على الأقل.
وهنا يواجه نتنياهو معضلة أساسية؛ فحتى إذا بقي الليكود الحزب الأكبر، فإن عدم حصول أحزاب اليمين والدين على عدد كافٍ من المقاعد قد يمنعه من تشكيل الحكومة.
وتزداد أهمية هذه المسألة بسبب نسبة الحسم، إذ إن فشل أحد الأحزاب الصغيرة في تجاوزها يعني خروج أصواته من عملية توزيع المقاعد، وهو ما قد يغير موازين القوى بين المعسكرين.
أحزاب اليمين المتشدد.. ورقة نتنياهو الصعبة
ويعتمد نتنياهو بصورة كبيرة على الأحزاب الدينية واليمينية المتشددة للحفاظ على أغلبيته البرلمانية، إلا أن هذه الأحزاب نفسها قد تتحول إلى مصدر للمشكلة.
وتظهر استطلاعات حديثة حصول شاس ويهدوت هتوراه والقوة اليهودية والصهيونية الدينية على عدد مهم من المقاعد، لكن مجموعها لا يكفي وحده لضمان أغلبية لنتنياهو.
كما أن صعود أحزاب يمينية جديدة قد يؤدي إلى إعادة توزيع أصوات داخل المعسكر نفسه.
انقسام المعارضة يهدد فرص إسقاط نتنياهو
في المقابل، لا تبدو المعارضة أكثر توحداً.
فقد أعلن نفتالي بينيت ويائير لابيد تشكيل قائمة وسطية تحت اسم “معاً”، بينما قرر حزب آيزنكوت “يشَر” خوض الانتخابات بصورة منفصلة، في تطور يقلل من إمكانية تشكيل قائمة وسطية واحدة.
ويعني ذلك أن المعارضة قد تحصل على عدد كبير من المقاعد مجتمعاً، لكنها قد تواجه صعوبة في ترجمة هذه القوة الانتخابية إلى حكومة واحدة بسبب اختلاف مواقف الأحزاب وشروطها السياسية.
غزة والملف الأمني في قلب المعركة
ومن المتوقع أن تكون الحرب في غزة ومستقبل القطاع والملف الإيراني والعلاقة مع الولايات المتحدة من أبرز ملفات الحملة الانتخابية.
كما عاد اليمين الإسرائيلي إلى تصعيد خطابه بشأن مستقبل الفلسطينيين في قطاع غزة، مع تجدد دعوات شخصيات مقربة من نتنياهو إلى ما تسميه “الهجرة الطوعية” للفلسطينيين من القطاع. وقد أثارت هذه الدعوات انتقادات فلسطينية ودولية واسعة.
ومن المرجح أن يحاول نتنياهو تقديم نفسه للناخبين باعتباره صاحب الخبرة الأكبر في التعامل مع التهديدات الأمنية، في حين ستسعى المعارضة إلى تحويل ملفات الحرب والإخفاقات الأمنية والسياسية إلى ورقة انتخابية ضده.
من هو رئيس الوزراء المقبل؟
في ضوء استطلاعات سبتمبر الحالية، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول – بقاء نتنياهو:
يفوز الليكود أو يحافظ على موقعه كأكبر حزب، وتتمكن أحزاب اليمين من جمع أكثر من 61 مقعداً، ليعود نتنياهو إلى رئاسة الحكومة.
السيناريو الثاني – حكومة يقودها آيزنكوت أو بينيت:
تنجح قوى المعارضة والوسط في جمع أغلبية برلمانية، ويتم تشكيل حكومة جديدة تنهي حكم نتنياهو.
السيناريو الثالث – برلمان بلا أغلبية:
وهو السيناريو الذي تعكسه عدة استطلاعات حالياً؛ إذ يبقى كل من المعسكرين تحت سقف الـ61، ما يفتح الباب أمام مفاوضات ائتلافية صعبة وتحالفات غير متوقعة، وربما أزمة سياسية جديدة.
الخلاصة
وبعد أن كان السؤال في مراحل سابقة من السباق الانتخابي يتمحور حول مدى قدرة نتنياهو على الحفاظ على موقعه، بات السؤال الآن أكثر تعقيداً: هل يستطيع أي معسكر تشكيل حكومة مستقرة؟
فالليكود لا يزال قادراً على تصدر الانتخابات، وآيزنكوت أصبح منافساً حقيقياً على رئاسة الحكومة، بينما يحتفظ بينيت بموقع مؤثر في معسكر الوسط واليمين المعتدل.
لكن مع بقاء الفارق بين الكتل محدوداً، وعدم وصول أي معسكر بصورة واضحة إلى 61 مقعداً، فإن الأحزاب الصغيرة، ونسبة الحسم، والتحالفات الانتخابية، والأصوات العربية، ستكون عوامل حاسمة في تحديد هوية الحكومة المقبلة.
وبذلك، تبدو انتخابات 27 أكتوبر مفتوحة على معركة قد لا تُحسم ليلة إعلان النتائج، بل خلال المفاوضات السياسية التي ستبدأ بعدها لتحديد من يستطيع جمع الـ61 مقعداً وتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة.
