بقلم: عامر أبو شباب .. صحفي وكاتب فلسطيني من مدينة غزة

تنطلق قطر ضمن سياسة خارجية تتبنى “دبلوماسية الوساطات” للتأثير في العالم وكسب نفوذ إقليمي يمنح الدوحة دور فعال وأهمية سياسية، كما فعلت في الرياضة حين استضافت المونديال ونجحت في ذلك.

الدور الفعال لقطر بدأ مبكرا في التعاطي مع القضية الفلسطينية، لكن التأثير الأبرز بدأ بعد الانقسام الفلسطيني، وعمل قطر على ترشيد حركة حماس وتليين مواقفها للدخول في الحلبة السياسية، خاصة في ضوء الخريطة السياسة التي تلت الانتفاضات الشعبية بعد ثورة تونس، وأعتقد أن أهم وثيقة رعتها قطر على الصعيد الفلسطيني، هي اتفاق المصالحة بين الرئيس محمود عباس وقائد حماس آنذاك خالد مشعل والذي نص على تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة الرئيس عباس ضمن تفاهمات تقتضي توحيد المؤسسات الفلسطينية، ويُعد الاتفاق حينها فرصة جيدة بعد ما أطلق عليه الربيع العربي، إلا أن هذا الاتفاق واجه معارضة من حركة حماس ومحورها المؤثر في غزة رغم لقاء الرئيس عباس بالمكتب السياسي في القاهرة لإقناعهم بالاتفاق، بسبب تعويل الحركة على مستقبل الاخوان المسلمين في حكم مصر وفوز حماس بداعم كبير حين يحكم الاخوان الدولة المصرية.

قد يرى البعض أنني قفزت عن مرحلة مهمة، وهي الادعاء أن قطر كان لها دور في تشجيع حماس على السيطرة على قطاع غزة، ولكنني لا أستطيع بناء موقف على تحليلات واتهامات البعض، حيث لم يصدر اتهام واضح من السلطةالفلسطينية التي طُردت من غزة، وبقيت علاقة رام الله مع الدوحة طبيعية وكلنا شاهدنا تنقل السفير القطري محمد العمادي بين رام الله “بالبدلة الرسمية” وغزة “بالجلابية” 

مع حرب 20082009 و2012 ثم 2014 دخلت قطر على خط الوساطة المٌؤثرة بين إسرائيل وحماس حققت لتل أبيب الهدوء ولغزة الاعمار والأموال، ويقول البعض أن تشكيل قوة “الضبط الميداني” المسمى الوظيفي الرسمي أو “حماة الثغور” المسمى الإعلامي الجماهيري، كان آلية قطرية لتحقيق التهدئة كما تكفلت برواتب عناصر هذه القوة الأمنية.

لا ينكر أحد أن قطر نفذت سياستها لتأمين الاستقرار والحفاظ على التهدئة من خلال مشاريع ضخمة أبرزها مدينة حمد السكنية وشارع صلاح الدين الرئيسي في القطاع ومستشفى صناعة وتركيب الأطراف الصناعية، ودفعت الدوحة كل شهر 30 مليون دولار تقسم على ثلاثة أقسام، الثلث الأول للعاطلين عن العمل، والثاني لدفع فاتورة السولار لمحطة توليد الكهرباء، والثلث الأخير لموظفي القطاع المدني في حكومة حماس.

خلال مظاهرات “مسيرة العودة” على حدود غزة، لخص السفير العمادي الدور القطري خلال حديثه مع القيادي الحمساوي خليل الحية “نبغي هدوء” (نريد هدوء)، لإدراكه خطر تعنت حماس ووحشية إسرائيل، فقطر التي تعمل في الملف الفلسطيني بقبول حماس وإسرائيل وموافقة الولايات المتحدة الأمريكية وعدم اعتراض عربي واضح، سعت لخيار الاستقرار في غياب عملية تسوية أو حلول داخلية فلسطينية لتحقيق المصالحة.

قطر التي نجحت في ملف أفغانستان بوقف الحروب واحتواء حركة طالبان، وكان لها دور مهم في تحويل جيش الجولاني إلى دولة منفتحة يقودها أحمد الشرع وفريقه، إلا أنها واجهت “انقلاب” على مساعيها جراء هجوم حركة حماس بقيادة يحيى السنوار والقيادة العسكرية في السابع من أكتوبر، الأمر الذي قوض الجهود القطرية لإبعاد شبح الحرب والتدمير عن قطاع غزة والسعي لترشيد سلوك حماس وجعلها جزء من عملية سياسية أو حالة استقرار على الأقل.

الهجوم العسكري في أكتوبر فاجأ قطر ونقلها من دور الراعي للهدوء إلى وسيط في جهود وقف الحرب مع مصر والولايات المتحدة الأمريكية، وبحكم هذا الدور حافظت الدوحة على وجود مكتب تمثيلي لحركة حماس بموافقة إدارتي بايدن وترمب في البيت الأبيض، حتى تعرضت الدوحة لهجوم إسرائيلي حربي استهدف مقر حركة حماس هناك، الأمر الذي أغضب القيادة القطرية بشدة من تل أبيب، ولولا التدخل الأمريكي لصالح قطر، لاتخذت قطر إجراءات تؤثر على دورها في الوساطة.

الدور القطري شهد تحول مهم من خلال دعم ما يطلق عليه مراقبون “تيار مشعل” مع تركيا والحد من النفوذ الإيراني الذي يمثله تيار خليل الحية مع فريق حماس في لبنان، وأعتقد ان الفرق الرئيسي بين التيارين أن تيار مشعل يريد تأجيل الصراع والحفاظ على الوجود، فيما يسعى فريق الحية إلى خيار استدامة الصراع والمراوحة، في ضوء المماطلة والتعنت الإسرائيلي، ويطمع في مواجهة بين إيران وحزب الله قد تقود إلى تغيير في الموقف التفاوضي للحركة والمحور المهزوم.

قطر وقعت على اعلان نيويورك الذي يدعم حل الدولتين ويساند موقف السلطة الفلسطينية، مع التوقيع على وثيقة ترامب التي تفرض على حركة حماس تسليم سلاحها والتنازل عن الحكم في غزة، مما يعني أن قطر ستتخلى عن الدعم الواسع لحركة حماس بانتظار نتائج انتخاباتها الداخلية، لأن فوز مشعل سيوفر لها مساحة أفضل لدعم طموح الحركة السياسي، أما إذا انتصر فريق الحفاظ على الصراع، حينها ستحافظ القيادة القطرية على دور الوسيط الأقل تأثيرا وتدخلا.

الشعب الفلسطيني يريد من قطر بقاء دورها الفعال في الوساطة حتى لا تتجدد الحرب، واستمرار جهود “عقلنة حركة حماس سياسيا”، ويريد منها مساهمة أكبر في إعادة الإعمار، ودور سياسي في تشجيع حل إقامة الدولة الفلسطينية من خلال اسناد الجهود السعودية الفرنسية عبر دعم اعلان نيويورك والمراكمة عليها، كما يتطلع الفلسطينيون إلى دور قطري في تعزيز صمود قرى الضفة الغربية في مواجهة الاستيطان، ودعم صمود المقدسيين في مدينة القدس المحتلة، وهو طموح فلسطيني يليق بالدور القطري

، فنحن ننظر إلى الجزء الممتلئ من الكأس القطري وهو كبير، رغم اختلاف المواقف الرسمية والشعبية الفلسطينية من السياسة الإعلامية لقناة الجزيرة.

شاركها.