كتب : د. صلاح عبد العاطي

مقدمة: حين يصبح السؤال أكبر من نقد الأشخاص

تأتي هذه الوثيقة في لحظة تاريخية فلسطينية تبدو فيها المأساة أكبر من قدرة الخطاب السياسي التقليدي على تفسيرها، فقد تراكمت خلال العقود الماضية مجموعة من الوقائع والتناقضات التي لم تعد تسمح بالتعامل مع الأزمة الفلسطينية باعتبارها مجرد تعثر في الأداء، أو خلاف بين فصائل، أو أزمة بين قيادات، أو نتيجة مباشرة للانقسام، أو انعكاسًا طبيعيًا لاختلال ميزان القوى مع الاحتلال، لأن كل واحد من هذه التفسيرات، رغم احتوائه على جانب من الحقيقة، يظل عاجزًا عن تفسير الصورة الكاملة؛ إذ إن ما تكشفه التجربة الفلسطينية الراهنة هو أننا أمام أزمة أعمق تمس الطريقة التي أُدير بها المشروع الوطني نفسه، والطريقة التي تشكلت بها القيادة، وأُنتجت بها الشرعية، واتُّخذ بها القرار، وتوزعت بها القوة، وأُديرت بها العلاقة بين المقاومة والسياسة، وبين السلطة والمنظمة، وبين الداخل والشتات، وبين المجتمع والنخب، وبين الحق الفلسطيني الثابت والقدرة الفلسطينية المتغيرة على تحويل هذا الحق إلى قوة سياسية وقانونية ومادية قادرة على التأثير في مسار الصراع.

ولذلك فإن السؤال المركزي الذي تنطلق منه هذه المراجعة لا يتعلق فقط بمن أخطأ، ولا بمن يتحمل المسؤولية المباشرة عن هذه الأزمة أو تلك، وإنما يتعلق بالسؤال الأكثر عمقًا: كيف وصل المشروع الوطني الفلسطيني، بعد عقود من النضال والتضحيات وبناء المؤسسات وانتزاع الاعتراف الدولي واتساع التضامن العالمي، إلى حالة يبدو فيها الشعب الفلسطيني أكثر قدرة على الصمود من النظام السياسي الذي يفترض أن يمثله، وأكثر حضورًا في المجال الدولي من قدرته المؤسسية على توظيف هذا الحضور، وأكثر استعدادًا للتضحية من قدرة القيادة على تحويل التضحيات إلى مكاسب سياسية تراكمية، وأكثر وضوحًا في التمسك بحقوقه من وضوح الاستراتيجية التي يفترض أن تقوده إلى تحقيقها؟

إن هذه المفارقة هي التي تجعل النقد الوطني ضرورة وليست ترفًا، وتجعل إعادة النظر في نموذج إدارة المشروع الوطني مسؤولية تاريخية وليست موقفًا سياسيًا عابرًا، لأن استمرار النموذج ذاته بعد أن استنفد قدرته على إنتاج الحلول يعني عمليًا إعادة إنتاج الشروط التي أنتجت الأزمة.

ومن هنا تنطلق الفرضية الأساسية لهذه الوثيقة: المشروع الوطني الفلسطيني لم ينهَر، وإنما انهار نموذج إدارته، أو على الأقل استنفد قدرته التاريخية على إنتاج قيادة وطنية موحدة وشرعية متجددة واستراتيجية متماسكة وقدرة تراكمية على إدارة الصراع. ولذلك فإن البديل لا يتمثل في اختراع مشروع وطني جديد، ولا في إلغاء تاريخ الحركة الوطنية، ولا في استبدال فصيل بفصيل أو قيادة بقيادة، وإنما في إعادة بناء النظام السياسي والقيادة والمؤسسات والاستراتيجية التي تجعل المشروع الوطني قادرًا على الاستمرار والتطور وتحويل الحقوق والتضحيات والطاقات الشعبية إلى قدرة وطنية فعلية.

أولًا: المشروع الوطني الفلسطيني بين الإنجاز التاريخي وأزمة النموذج

لا يمكن أن تبدأ أي مراجعة وطنية جادة من لحظة الأزمة الحالية وكأن التاريخ الفلسطيني لم ينتج شيئًا، لأن ذلك سيكون ظلمًا للتجربة الوطنية نفسها، فالحركة الوطنية الفلسطينية استطاعت عبر عقود طويلة أن تمنع تصفية الهوية الوطنية، وأن تعيد الفلسطيني إلى موقع الفاعل السياسي بعد أن حاول المشروع الصهيوني تحويله إلى مجرد قضية لاجئين أو مشكلة سكانية، وأن تبني منظمة التحرير باعتبارها إطارًا سياسيًا جامعًا، وأن تنتزع اعترافًا دوليًا متزايدًا بالحقوق الوطنية الفلسطينية، وأن تجعل قضية فلسطين حاضرة في القانون الدولي والمؤسسات الدولية والضمير العالمي، وأن تحافظ على ارتباط الشعب بأرضه وهويته رغم النكبات والحروب والتهجير والاحتلال.

لكن الإنجاز التاريخي لا يعني أن الأدوات التي صنعت مرحلة معينة تظل صالحة بالضرورة لإدارة مرحلة أخرى، فالمنظمة التي تأسست في سياق عربي وإقليمي ودولي معين، والحركة الوطنية التي تشكلت في سياق حركة تحرر مسلحة، والقيادات التي اكتسبت شرعيتها في سياق الثورة والمنفى، كلها انتقلت تدريجيًا إلى واقع مختلف تمامًا، هو واقع السلطة تحت الاحتلال، والانقسام الجغرافي والسياسي، وتعدد مراكز القرار، وتغير النظام الدولي، وتحول المجتمع الفلسطيني نفسه، وظهور أجيال جديدة لم تعش التجربة المؤسسة للحركة الوطنية بالطريقة ذاتها.

وهنا نشأ التناقض التاريخي الذي لم تتمكن النخب الفلسطينية من حسمه بصورة مؤسسية: كيف يمكن لحركة تحرر أن تتحول إلى سلطة تدير شؤون السكان بينما يظل الاحتلال قائمًا؟ وكيف يمكن أن تصبح السلطة أداة من أدوات التحرر دون أن تتحول تدريجيًا إلى مركز سياسي قائم بذاته؟ وكيف يمكن المحافظة على منظمة التحرير باعتبارها الممثل الجامع للشعب الفلسطيني، في الوقت الذي أصبحت فيه السلطة هي المؤسسة الأكثر حضورًا في الحياة اليومية؟ وكيف يمكن الحفاظ على شرعية المقاومة، في الوقت الذي أصبحت فيه إدارة المجتمع والدبلوماسية والمفاوضات والمؤسسات الدولية أدوات مركزية في الصراع؟

إن عدم الإجابة عن هذه الأسئلة لم يكن مجرد نقص فكري، بل تحول مع الزمن إلى أزمة بنيوية، لأن النظام السياسي بدأ يعمل داخل تناقض لم تتم تسويته: سلطة بلا سيادة كاملة، ومؤسسات بلا وحدة سياسية، وقيادة تاريخية بلا آليات كافية للتجديد، ومنظمة تحرير تتراجع وظيفتها، وانقسام ينتج مؤسسات ومصالح، ومقاومة لا تمتلك دائمًا إطارًا وطنيًا جامعًا لاتخاذ القرار، ومفاوضات لا تستند دائمًا إلى استراتيجية وطنية متكاملة.

ومن هنا بدأت المسافة تتسع تدريجيًا بين المشروع الوطني بوصفه قضية وحقًا وهدفًا تاريخيًا، وبين النظام السياسي بوصفه آلية لإدارة هذا المشروع.

ثانيًا: من الحركة الوطنية إلى السلطة ومن السلطة إلى مأزق النموذج

كان إنشاء السلطة الفلسطينية خطوة تاريخية لها ظروفها وضروراتها، ولا يصح اختزالها في كونها خطأ أو إنجازًا مطلقًا، فقد أتاحت بناء مؤسسات وطنية، ووسعت مساحة الاعتراف السياسي، وأوجدت إطارًا لإدارة المجتمع الفلسطيني، وفتحت المجال أمام بناء مؤسسات الدولة، لكنها في الوقت نفسه أوجدت تناقضًا عميقًا بين وظائف السلطة ووظائف التحرر.

فالسلطة لا تملك السيادة الكاملة، ولا تسيطر على الحدود والموارد والأرض، ولا تستطيع التحكم في حركة الأشخاص والبضائع، ولا تمتلك القوة التي تمكنها من فرض قراراتها على الاحتلال، ومع ذلك أصبحت مطالبة بإدارة التعليم والصحة والاقتصاد والأمن والخدمات والوظيفة العامة، الأمر الذي أدى تدريجيًا إلى انتقال جزء كبير من الطاقة السياسية الفلسطينية من سؤال التحرر إلى سؤال الإدارة.

ومع الزمن أصبحت السلطة في بعض مراحلها تُعامل باعتبارها غاية بحد ذاتها، وأصبح الحفاظ على استقرارها ومؤسساتها أحيانًا أكثر حضورًا في الحسابات السياسية من إعادة تعريف وظيفتها ضمن المشروع الوطني، بينما بقي الاحتلال قادرًا على استخدام السيطرة الميدانية والاقتصادية والأمنية لإعادة ضبط المجال الذي تعمل فيه السلطة.

المشكلة إذن لم تكن في وجود السلطة، وإنما في عدم حسم وظيفتها الاستراتيجية، وفي عدم بناء علاقة مؤسسية واضحة بينها وبين منظمة التحرير والمشروع الوطني، بحيث تكون السلطة أداة لخدمة الشعب والقضية، لا بديلًا عن التمثيل الوطني الجامع.

ثالثًا: من أزمة الأداء إلى أزمة النموذج

كان من الممكن في مراحل سابقة تفسير الأزمة الفلسطينية باعتبارها أزمة أداء؛ فساد هنا، ضعف إدارة هناك، غياب تنسيق، نقص في الكفاءة، خلل في المؤسسات، أو ضعف في القيادة، لكن استمرار هذه الظواهر وتكرارها رغم تغير الأشخاص والحكومات والاتفاقات جعل من الصعب الاستمرار في تفسيرها بوصفها مجرد أخطاء منفصلة.

فالمشكلة أصبحت في النظام الذي ينتج الأخطاء ويعيد إنتاجها.

عندما تتعطل الانتخابات لفترات طويلة، وتبقى مؤسسات التمثيل الوطني بحاجة إلى التجديد، وتتركز القرارات الكبرى في دوائر محدودة، ويصبح التوافق السياسي بديلًا دائمًا عن الاحتكام إلى الشعب، ويستمر الانقسام رغم عشرات الاتفاقات، وتتراجع منظمة التحرير عن وظيفتها الجامعة، وتتداخل السلطة بالحزب، وتضعف الرقابة والمساءلة، فإننا لا نكون أمام مجموعة أخطاء إدارية، بل أمام نموذج سياسي فقد القدرة على تصحيح نفسه من داخله.

ولهذا فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: من يدير السلطة؟ وإنما: ما القواعد التي تنتج السلطة؟ وما المؤسسات التي تنتج القيادة؟ وما الآليات التي تمنع التفرد؟ وما الوسائل التي تجعل الشعب قادرًا على تغيير من يحكمه؟ وما الذي يمنع النظام السياسي من إعادة إنتاج نفسه حتى بعد تغيير الوجوه؟

هذه هي نقطة الانتقال من نقد الأداء إلى نقد النموذج.

رابعًا: الاحتلال ومسؤولية القيادة — التمييز الذي لا يجوز إسقاطه

لا يمكن أن تكون المراجعة الفلسطينية الجادة على حساب الحقيقة الأساسية بأن إسرائيل قوة احتلال واستعمار استيطاني، وأنها تتحمل المسؤولية الكاملة عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي، وعن الاستيطان والضم والتهجير والحصار والقتل والتدمير، وأن الشعب الفلسطيني هو الطرف الواقع تحت الاحتلال وليس شريكًا في المسؤولية عن الجريمة التي يرتكبها المحتل.

لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا ينبغي أن يتحول إلى إعفاء القيادة الفلسطينية من مسؤوليتها عن إدارة الصراع.

فالاحتلال يفسر جزءًا كبيرًا من محدودية القدرة الفلسطينية، لكنه لا يفسر كل مظاهر العجز السياسي والمؤسسي، ولا يفسر لماذا تتعدد مراكز القرار، ولماذا يستمر الانقسام، ولماذا تتعطل الانتخابات، ولماذا تضعف منظمة التحرير، ولماذا لا توجد آليات مؤسسية لاتخاذ القرارات المصيرية، ولماذا لا يتم دائمًا استثمار الفرص الدولية بالشكل المطلوب.

ومن هنا تأتي القاعدة التي ينبغي أن تحكم هذه الوثيقة كلها:

الاحتلال مسؤول عن الجريمة، والقيادة الفلسطينية مسؤولة عن إدارة الصراع.

والخلط بين المسؤوليتين يضر بالقضية في الحالتين؛ فهو إما أن يؤدي إلى تبرئة القيادة من مسؤوليتها، أو إلى استخدام أخطاء القيادة لتبرير جرائم الاحتلال، وكلاهما غير مقبول.

خامسًا: أزمة القيادة والتفرد — حين تصبح الشرعية التاريخية عائقًا أمام التجديد

ربما تكون أزمة القيادة واحدة من أكثر القضايا حساسية في الحالة الفلسطينية، ليس لأن المشكلة تختزل في أشخاص بعينهم، وإنما لأن نمطًا تاريخيًا من القيادة تحول تدريجيًا إلى بنية سياسية.

فالقيادة التي اكتسبت شرعيتها في مرحلة الثورة والمقاومة والمنفى لا يمكن أن تفترض أن هذه الشرعية تظل كافية إلى الأبد عندما ينتقل المجتمع إلى مرحلة المؤسسات والانتخابات والدولة والتحولات الاجتماعية.

الشرعية التاريخية مهمة، لكنها لا يمكن أن تصبح ملكية خاصة للمستقبل.

والمشكلة في التفرد ليست فقط أن شخصًا ما يتخذ قرارًا منفردًا، وإنما أن تتشكل بيئة سياسية يصبح فيها القرار الفردي أسرع من المؤسسة، ويصبح النقد أقرب إلى التهديد، والمعارضة أقرب إلى الخصومة، والمساءلة أقرب إلى التشكيك في الوطنية، وتصبح المؤسسات واجهات لإرادة مركزية بدل أن تكون مصادر مستقلة للقرار.

وهنا تصبح القيادة جزءًا من المشكلة بدل أن تكون أداة لحلها.

إن القيادة الوطنية الحقيقية ليست التي تستطيع منع الآخرين من التغيير، وإنما التي تستطيع أن تبني نظامًا يسمح بالتغيير دون انهيار الدولة أو المجتمع أو المشروع الوطني.

ولهذا فإن تجاوز أزمة القيادة لا يعني البحث عن «شخص بديل»، بل الانتقال من قيادة الأشخاص إلى قيادة المؤسسات، ومن التفويض غير المحدود إلى التفويض المؤسسي، ومن الشرعية التاريخية وحدها إلى الشرعية المتجددة، ومن القرار الفردي إلى القرار الوطني الجماعي.

سادسًا: 7 أكتوبر — بين حق المقاومة ومسؤولية الحساب السياسي

لا يمكن قراءة 7 أكتوبر قراءة تختزل الحدث في إدانة المقاومة، كما لا يمكن قراءته باعتباره حدثًا لا يجوز إخضاعه للنقد السياسي والاستراتيجي.

فالشعب الفلسطيني تحت الاحتلال يملك حق مقاومة الاحتلال والسعي إلى تقرير المصير، وهذا حق لا يسقط بسبب اختلال ميزان القوى، لكن ممارسة هذا الحق تخضع في الوسائل للقانون الدولي الإنساني وقواعد حماية المدنيين، كما أن القرار السياسي والعسكري لا يخرج من دائرة التقييم الاستراتيجي لمجرد أن الهدف العام مشروع.

وهنا ينبغي الفصل بين شرعية المقاومة من حيث المبدأ، وبين تقييم قرار سياسي أو عسكري بعينه من حيث التوقيت والأداة والتقدير والنتائج.

إن السؤال الوطني الجاد بشأن 7 أكتوبر ليس فقط ماذا حدث في ذلك اليوم، وإنما ماذا كان التقدير السياسي للمرحلة التالية؟ وما حجم الرد الإسرائيلي المتوقع؟ وما قدرة المجتمع على تحمل حرب طويلة؟ وما خطط حماية المدنيين؟ وما السيناريوهات الإقليمية والدولية؟ وما الخطة السياسية لليوم التالي؟ وكيف يمكن منع الاحتلال من تحويل الحرب إلى مشروع تهجير وإعادة هندسة؟ وكيف يمكن الحفاظ على وحدة غزة والضفة والقدس؟ وكيف يمكن تحويل أي إنجاز عسكري إلى مكسب سياسي؟

هذه الأسئلة ليست طعنًا في المقاومة، وإنما هي جزء من مسؤولية القيادة عن إدارة القوة الوطنية.

فالقرار المقاوم لا يقاس فقط بما يلحقه بالخصم في اللحظة الأولى، وإنما بما يغيره في شروط الصراع على المدى الأبعد.

ومن هنا فإن الدرس الاستراتيجي الذي ينبغي استخلاصه ليس التخلي عن المقاومة، وإنما إخراجها من منطق القرار الفصائلي المنفرد وإدخالها في إطار استراتيجية وطنية تحدد الأهداف والأدوات والتوقيت وآليات اتخاذ القرار وتقدير المخاطر وحماية المجتمع.

الحق في المقاومة لا يعفي من الحساب السياسي، والحساب السياسي لا يلغي الحق في المقاومة.

سابعًا: حماية الوجود الوطني — الدرس الأكثر قسوة من الحرب

لقد فرضت الحرب على الفلسطينيين سؤالًا لم يعد ممكنًا تأجيله: ماذا يعني الأمن الوطني الفلسطيني؟

إذا كان الأمن الوطني يعني فقط امتلاك القدرة على إطلاق النار، فإننا نكون قد اختزلنا مفهوم الأمن إلى بعد واحد، بينما أثبتت الحرب أن بقاء الشعب نفسه أصبح هدفًا مباشرًا للصراع.

فحماية الإنسان، ومنع التهجير، وحماية الأسرة، والحفاظ على التعليم والصحة والغذاء والمياه، وحماية الأرض والملكية والسجلات والمؤسسات، وإعادة بناء الاقتصاد، ومنع تفكك المجتمع، كلها أصبحت مكونات للأمن الوطني.

إن الإنسان الفلسطيني ليس وقودًا للمشروع الوطني، وإنما هو موضوع المشروع الوطني وهدفه وشرط استمراره.

ومن هنا يجب الانتقال من مفهوم «الصمود» بوصفه القدرة على تحمل الألم إلى مفهوم أكثر شمولًا هو عقيدة حماية المجتمع.

فالصمود الذي لا يحمي الإنسان من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي ليس استراتيجية مكتملة، والصمود الذي لا يمنع التهجير لا يكفي، والصمود الذي لا يحافظ على المدارس والمستشفيات والجامعات والاقتصاد والمؤسسات لا يستطيع أن يتحول إلى قوة سياسية.

الصمود ليس إدارة للفقر، والتضحية ليست بديلًا عن الاستراتيجية.

ثامنًا: غزة والضفة والقدس والشتات — وحدة الشعب في مواجهة هندسة التجزئة

لا يمكن فهم المخاطر الراهنة دون إدراك أن أحد الأهداف البنيوية للمشروع الإسرائيلي هو تفكيك وحدة المجال الفلسطيني، ليس بالضرورة عبر إعلان الانفصال رسميًا، وإنما عبر إنتاج واقع تصبح فيه غزة ملفًا إنسانيًا، والضفة إدارة سكانية، والقدس قضية تفاوضية منفصلة، والشتات جالية خارج النظام السياسي.

ومن هنا تصبح حماية الوحدة السياسية للشعب الفلسطيني جزءًا من مقاومة مشروع التجزئة.

غزة ليست مشكلة إنسانية مستقلة، والضفة ليست ملفًا إداريًا، والقدس ليست مجرد قضية تفاوضية، والشتات ليس جمهورًا خارجيًا.

إنها جميعًا أجزاء من شعب واحد ومن قضية واحدة، ولذلك يجب أن تكون إعادة بناء النظام السياسي قادرة على تمثيل الفلسطينيين في كل أماكن وجودهم.

تاسعًا: الانقسام — من خلاف سياسي إلى بنية اجتماعية واقتصادية ومؤسسية

لم يعد الانقسام مجرد خلاف بين فتح وحماس، ولا مجرد نتيجة لأحداث 2007.

لقد تحول إلى بنية لها مؤسساتها، ومصالحها، وشبكاتها، ومواردها، وخطاباتها، ومواقع نفوذها، وآلياتها الاقتصادية والأمنية والإدارية.

ولهذا فإن عشرات اتفاقات المصالحة لم تستطع إنهاءه؛ لأنها تعاملت معه في الغالب باعتباره خلافًا سياسيًا يمكن حله بتوزيع المناصب، بينما يحتاج الانقسام إلى تفكيك البنية التي تنتجه.

المصالحة الحقيقية لا تعني فقط أن تتفق القيادات على حكومة، وإنما أن يصبح هناك نظام سياسي واحد، ومؤسسات واحدة، وقواعد واحدة للشرعية، وقضاء واحد، وأجهزة أمن خاضعة للقانون، ونظام انتخابي موحد، ومرجعية وطنية واحدة.

والأهم أن المصالحة يجب أن تنتقل من تقاسم السلطة إلى إعادة تأسيس السلطة.

عاشرًا: فتح وحماس — من الصراع على الشرعية إلى الشراكة في الوطن

لا يمكن بناء المستقبل من خلال شيطنة فتح أو حماس، كما لا يمكن بناءه من خلال منحهما حصانة تاريخية.

فتح حركة وطنية ذات دور تاريخي في تأسيس النظام السياسي الفلسطيني وفي قيادة منظمة التحرير والسلطة، وحماس قوة سياسية واجتماعية ومقاومة ذات حضور واسع في المجتمع الفلسطيني، ولكل منهما تجربة وأخطاء ومسؤوليات.

لكن لا يجوز لأي منهما أن يتحول إلى تعريف كامل لفلسطين.

فتح ليست فلسطين، وحماس ليست فلسطين، والمنظمة ليست فصيلًا، والمقاومة ليست ملكًا لحركة، والسلطة ليست ملكًا لحزب.

المطلوب أن تتحول القوى السياسية من التنافس على احتكار الشرعية إلى التنافس داخل نظام سياسي يسمح بالتداول ويمنح المجتمع حق الاختيار.

الحادي عشر: المقاومة والتفاوض والدبلوماسية والقانون — أدوات استراتيجية لا هويات متصارعة

من الأخطاء التي أضعفت الحركة الوطنية تحويل أدوات النضال إلى هويات متصارعة.

فمن يختار المقاومة لا يعني أنه يرفض السياسة، ومن يختار الدبلوماسية لا يعني أنه يتخلى عن المقاومة، ومن يستخدم القانون الدولي لا يعني أنه يعيش خارج معادلات القوة.

المشكلة ليست في تعدد الأدوات، وإنما في غياب استراتيجية تحدد كيف تتكامل.

المقاومة تمنح قدرة على الضغط، والدبلوماسية تمنح قدرة على تدويل القضية، والقانون يمنح أدوات للمساءلة، والعمل الشعبي يمنح شرعية مجتمعية، والإعلام يغير الرواية، والمقاطعة تضغط اقتصاديًا وسياسيًا، والمفاوضات تستثمر ما تراكم من قوة.

لكن هذه الأدوات لا تنتج نتيجة إذا تحرك كل منها في اتجاه منفصل.

ولهذا يجب بناء استراتيجية وطنية متعددة الأدوات لا تختزل القضية في أداة واحدة.

الثاني عشر: أزمة تحويل الحق إلى قوة

يمتلك الفلسطينيون واحدة من أكثر القضايا رسوخًا من حيث العدالة القانونية والأخلاقية، لكن عدالة القضية لا تتحول تلقائيًا إلى قوة سياسية.

وهنا تظهر إحدى أكثر مشكلات التجربة الوطنية عمقًا: الفجوة بين الحق والقدرة.

فالقضية العادلة تحتاج إلى شعب منظم، ومؤسسات شرعية، واقتصاد قادر، ودبلوماسية فاعلة، وتضامن دولي، وقوة سياسية، واستراتيجية طويلة المدى.

ولهذا فإن المعادلة ليست:

الحق = النصر.

بل:

الحق + الشعب + المؤسسات + الوحدة + الأدوات + الاستراتيجية = القدرة الوطنية.

والقدرة الوطنية هي التي تستطيع أن تحول التضحيات إلى نتائج، والشرعية إلى نفوذ، والتضامن إلى ضغط، والقانون إلى مساءلة، والمقاومة إلى قوة تفاوضية، والانتخابات إلى تجديد للنظام.

الثالث عشر: التضامن الدولي — فرصة تاريخية لم تُستثمر بما يكفي

من أكبر التحولات التي أفرزتها الحرب اتساع مساحة التضامن الشعبي والحقوقي والنقابي والأكاديمي الدولي مع فلسطين، وتزايد حضور خطاب حقوق الإنسان والقانون الدولي والمساءلة في النقاش العالمي.

لكن المشكلة أن الفلسطينيين كثيرًا ما تعاملوا مع التضامن باعتباره قيمة معنوية أكثر من كونه موردًا استراتيجيًا.

إن التضامن لا ينبغي أن يبقى في مستوى المظاهرات والبيانات، بل يجب أن يتحول إلى بنية ضغط منظمة عبر البرلمانات والنقابات والجامعات والمحاكم والمؤسسات الحقوقية والإعلام والحركات الاجتماعية.

المطلوب هو الانتقال من استقبال التضامن إلى تنظيم التضامن، ومن التعاطف إلى الضغط، ومن الضغط إلى تغيير السياسات.

وهذه إحدى أهم المهام التي يمكن للنظام السياسي الفلسطيني الموحد أن يقوم بها.

الرابع عشر: توظيف الفرص ومواجهة التحديات

السياسة الناجحة لا تعني فقط إدارة المخاطر، وإنما القدرة على اكتشاف الفرص داخل الأزمات.

فالتغير في الرأي العام العالمي، واتساع الاعتراف الدولي بفلسطين، وتنامي الحركات الشعبية، والتطورات القانونية الدولية، والتحولات داخل النظام الدولي، والتباينات الإسرائيلية الداخلية، والتحولات الإقليمية، كلها يمكن أن تتحول إلى موارد استراتيجية.

لكن الفرص لا تتحول إلى قوة في غياب مركز قرار وطني قادر على القراءة والتقدير والتنسيق والتوقيت.

ولهذا فإن أحد أهم أوجه أزمة القيادة هو أنها تجعل الفرصة الوطنية موزعة بين مراكز قرار متعددة، بحيث يصبح ما يمكن أن يكون مكسبًا وطنيًا مجالًا للتنافس الفصائلي.

الخامس عشر: منظمة التحرير — من الإرث التاريخي إلى التمثيل المتجدد

إن أكبر خطأ يمكن ارتكابه هو التعامل مع منظمة التحرير بوصفها مؤسسة من الماضي.

المنظمة هي الإطار الذي ينبغي أن يمثل الشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده، لكنها تحتاج إلى إعادة بناء عميقة تعيد إليها قدرتها على التمثيل والقرار.

وهذا يعني إعادة تشكيل المجلس الوطني بصورة أكثر ديمقراطية، وتمثيل الشباب والنساء والمستقلين والقوى السياسية والاجتماعية الجديدة، وإدماج الشتات، وتفعيل اللجنة التنفيذية، وربطها بالرقابة الوطنية، وإعادة تعريف العلاقة بينها وبين السلطة.

المطلوب ليس إلغاء المنظمة، وإنما إعادة تأسيسها.

السادس عشر: السلطة الفلسطينية — أداة للحكم لا بديلًا عن المشروع الوطني

ينبغي إعادة تعريف السلطة بوصفها مؤسسة لإدارة الشأن العام، لا باعتبارها التعبير الكامل عن النظام السياسي الفلسطيني.

فالسلطة تحتاج إلى سيادة القانون، واستقلال القضاء، والفصل بين السلطات، والشفافية، والمساءلة، وحماية الحريات، ومنع الاعتقال السياسي، وتوحيد المؤسسات، وإخضاع الأجهزة الأمنية للرقابة المدنية والقانونية.

وعندما تصبح السلطة أداة لخدمة المواطن بدل أن تكون مركزًا لإدارة الصراع السياسي الداخلي، فإنها تستعيد وظيفتها الوطنية.

السابع عشر: الشباب — من كتلة انتخابية إلى قوة تاريخية

ربما يكون الشباب أكثر الفئات التي تكشف عمق أزمة النظام السياسي.

فأجيال واسعة لم تعش انتخابات وطنية مستقرة، ونشأت في ظل الانقسام والحروب وتعطيل المؤسسات.

لكن الخطأ هو التعامل مع الشباب باعتبارهم جمهورًا يحتاج إلى التوعية فقط.

الشباب يحتاجون إلى أن يكونوا جزءًا من إنتاج السياسة نفسها.

أن يكونوا مرشحين، وقادة، وباحثين، ومنظمين، ومراقبين، وصانعي برامج، وأعضاء في المؤسسات.

ولهذا فإن تجديد النظام السياسي يجب أن يكون أيضًا انتقالًا جيليًا.

الثامن عشر: المرأة والمجتمع المدني والقطاع الاجتماعي — توسيع قاعدة السياسة

لا يمكن أن يبقى النظام السياسي محصورًا في الفصائل.

فالمجتمع المدني، والنقابات، والجامعات، والنساء، والشباب، والقطاع الخاص، والمبادرات الشعبية، والعائلات، والمهنيون، والشتات، كلها مصادر للشرعية والقوة الوطنية.

وهذا يتطلب توسيع المجال السياسي بحيث يصبح النظام السياسي تعبيرًا عن المجتمع لا مجرد اتفاق بين النخب.

التاسع عشر: الانتخابات — ليست غاية وإنما لحظة تأسيس

الانتخابات ضرورية لأنها تعيد الشعب إلى موقع صاحب السلطة ومصدر الشرعية، لكنها ليست علاجًا سحريًا.

فقد تجرى الانتخابات دون أن تتغير بنية النظام.

وقد تفوز قوة سياسية بينما يستمر الانقسام.

وقد تتغير الحكومة بينما يبقى التفرد.

ولهذا يجب أن تُفهم الانتخابات باعتبارها أحد مداخل إعادة تأسيس النظام السياسي، لا باعتبارها نهاية الطريق.

والصيغة الأكثر واقعية هي:

الانتخابات + الإصلاح المؤسسي + إعادة بناء منظمة التحرير + توحيد المؤسسات + الحريات + استراتيجية وطنية ، وإصلاح السلطة. 

العشرون: الاحتلال لا يجوز أن يصبح ذريعة لتعطيل الديمقراطية

لا شك أن الاحتلال يضع عراقيل حقيقية أمام الانتخابات، خصوصًا في القدس وغزة وحرية الحركة، لكن تحويل هذه العراقيل إلى مبرر دائم لتعطيل الشرعية يعني عمليًا منح الاحتلال حق التأثير في تشكيل النظام السياسي الفلسطيني.

وفي المقابل، لا ينبغي تجاهل الظروف التي تجعل الانتخابات غير ممكنة في بعض مراحل الحرب.

ولهذا يجب أن تكون القاعدة: السعي المستمر إلى إجراء الانتخابات، والبحث عن حلول قانونية وتقنية وسياسية للعوائق، وإذا فرض الاحتلال تأجيلًا قسريًا فيجب أن يكون التأجيل محدودًا زمنيًا ومرتبطًا بموعد ملزم لا يسمح بتحويل الاستثناء إلى قاعدة.

الحادي والعشرون: الانتخابات باعتبارها فرصة لبناء كتلة تاريخية

المغزى الأهم للانتخابات المقبلة لا ينبغي أن يكون عدد المقاعد التي يحصل عليها هذا الفصيل أو ذاك، وإنما إمكانية استخدامها لخلق كتلة تاريخية وطنية ديمقراطية تتجاوز الانقسام التقليدي.

والكتلة التاريخية ليست مجرد قائمة انتخابية، لأنها لا تبحث فقط عن الفوز، وإنما تبحث عن تغيير قواعد النظام.

يمكن أن تضم هذه الكتلة الفصائل والقوى السياسية والمستقلين والشباب والنساء والنقابات والمجتمع المدني والشخصيات الوطنية، على قاعدة برنامج مشترك لإعادة بناء النظام السياسي.

وإذا نجحت الانتخابات في إنتاج مثل هذه الكتلة، فإنها تتحول من مجرد استحقاق دستوري إلى لحظة تأسيس ثانية للنظام السياسي الفلسطيني.

الثاني والعشرون: إعادة بناء العقد الوطني

يحتاج الفلسطينيون إلى عقد سياسي جديد يعيد تعريف العلاقة بين الشعب والسلطة والمنظمة والفصائل.

ويجب أن يقوم هذا العقد على قاعدة أن الشعب هو مصدر الشرعية، وأن الانتخابات هي آلية التداول، وأن التوافق وسيلة انتقالية لا بديلًا دائمًا عن الديمقراطية، وأن لا فصيل يمتلك الوطن، وأن لا قائد فوق القانون، وأن لا مؤسسة فوق المساءلة، وأن لا قرار مصيريًا يتخذ منفردًا، وأن لا سلاح يستخدم في الصراع الداخلي، وأن منظمة التحرير هي الإطار التمثيلي الجامع، وأن السلطة أداة لإدارة الشأن العام، وأن القضاء مستقل، وأن الحريات مصونة، وأن المال العام ملك للمجتمع وليس أداة للصراع السياسي.

الثالث والعشرون: الاقتصاد السياسي للانقسام والسلطة

لا يمكن إصلاح النظام السياسي دون إصلاح علاقته بالمال.

فالوظائف، والمساعدات، والرواتب، والامتيازات، والموارد، وإعادة الإعمار، والعلاقات الاقتصادية يمكن أن تتحول إلى أدوات لإنتاج الولاء السياسي.

ومن هنا فإن مكافحة الفساد ليست ملفًا إداريًا فقط، وإنما جزء من الإصلاح السياسي.

ويجب أن تقوم المرحلة الجديدة على شفافية الموازنة، واستقلال أجهزة الرقابة، ومساءلة المسؤولين، ومنع التوظيف السياسي، وإبعاد المال العام عن المنافسة الفصائلية، وضمان استقلال المؤسسات الاقتصادية عن مراكز النفوذ.

الرابع والعشرون: إعادة الإعمار — معركة على المستقبل

إعادة إعمار غزة ليست عملية هندسية لإعادة بناء ما دمرته الحرب.

إنها معركة على سؤال: أي غزة ستُبنى؟ ومن سيقرر شكلها؟ ومن يدير أموالها؟ ومن يحدد أولوياتها؟ وهل ستُستخدم إعادة الإعمار لإعادة بناء المجتمع الفلسطيني على أرضه، أم لإعادة هندسته سياسيًا وديموغرافيًا؟

ولهذا فإن إعادة الإعمار يجب أن تكون جزءًا من استراتيجية حماية الوجود الوطني، وأن تخضع للشفافية والرقابة الفلسطينية والعربية والدولية، وأن ترتبط بمنع التهجير وبإعادة بناء المؤسسات والخدمات والاقتصاد، لا أن تتحول إلى أداة لإنتاج سلطة بديلة أو وصاية جديدة.

الخامس والعشرون: البيئة الإقليمية والدولية — استقلال القرار لا يعني العزلة

لا تستطيع فلسطين إدارة الصراع بمعزل عن محيطها العربي والإقليمي والدولي.

لكن الاستفادة من الدعم العربي والدولي يجب ألا تتحول إلى تبعية.
المطلوب هو بناء شبكة علاقات متعددة تسمح للفلسطينيين بتوظيف التناقضات الدولية، وتوسيع الاعتراف، وتحويل التضامن إلى ضغط، وتجنب الارتهان للمحاور او الدخول في الصراعات البينة العريية والإقليمية وجعل القضية الفلسطينية قضية جامعة .

فالقرار الوطني المستقل لا يعني رفض الدعم الخارجي، وإنما يعني أن يكون الدعم في خدمة الاستراتيجية الوطنية وليس بديلًا عنها.

السادس والعشرون: من إدارة الأزمة إلى إدارة الصراع

ربما تكون هذه هي الخلاصة الأكثر أهمية.

لقد أصبح الفلسطينيون بارعين في إدارة الأزمات: حرب، هدنة، مساعدات، مصالحة، مؤتمر، تفاوض، أزمة مالية، أزمة سياسية، ثم العودة إلى الأزمة نفسها.

لكن إدارة الأزمة تختلف جذريًا عن إدارة الصراع.

إدارة الصراع تعني امتلاك رؤية طويلة الأمد، وتحديد الأهداف، وبناء القدرة، واختيار الأدوات، وقياس النتائج، وتعديل التكتيكات دون التخلي عن الأهداف.

إسرائيل تتحرك غالبًا ضمن مشروع طويل الأمد، بينما يتحرك الفلسطينيون كثيرًا تحت ضغط الحدث.

وهذا الفرق في الزمن السياسي أحد أهم مصادر الاختلال.

السابع والعشرون: الواقعية الوطنية — الأهداف ثابتة والأدوات مرنة

الواقعية الوطنية لا تعني التخلي عن الحقوق، ولا تعني قبول الاحتلال، ولا تعني تحويل الممكن إلى بديل عن الحق.

إنها تعني معرفة ميزان القوى، ومعرفة القدرات، وتحديد ما يمكن تحقيقه في كل مرحلة، وبناء القوة بدل تبديدها، وحماية المجتمع، واستثمار الفرص، وتجنب المغامرات غير المحسوبة.

وبذلك تصبح الواقعية أداة لحماية المشروع الوطني، لا وسيلة لتفريغه من مضمونه.

الأهداف ثابتة، أما الأدوات والمراحل والتكتيكات فهي قابلة للتغيير.

الثامن والعشرون: نظرية التغيير — كيف ننتقل من النقد إلى الفعل؟

أي وثيقة نقدية لا تجيب عن سؤال «كيف؟» تظل ناقصة.

والتغيير المطلوب يحتاج إلى مسار يبدأ بالحوار الوطني، ثم الاتفاق على قواعد الانتقال، ثم حماية الحريات، ثم تجديد الشرعية بالانتخابات، ثم إعادة بناء منظمة التحرير، ثم توحيد المؤسسات، ثم إعادة بناء السلطة، ثم بناء استراتيجية وطنية موحدة.

ويجب أن تكون هناك مؤسسات مستقلة للمراقبة، وقضاء قادر على حماية العملية، ومجتمع مدني قادر على المساءلة، ومشاركة حقيقية للشباب والنساء.

والأهم أن يكون هناك جواب واضح عن السؤال: ماذا يحدث إذا رفض طرف رئيسي التغيير؟

لا ينبغي أن يمتلك أي طرف حق تعطيل النظام كله.

التاسع والعشرون: النموذج الوطني البديل

النموذج المطلوب ليس نظامًا رئاسيًا أو برلمانيًا فحسب، وليس مجرد حكومة وحدة، وليس مجرد انتخابات.

إنه نظام سياسي فلسطيني جديد في فلسفته ووظائفه.

نظام تكون فيه منظمة التحرير إطار التمثيل الوطني، والسلطة أداة للحكم والإدارة، والانتخابات وسيلة لتجديد الشرعية، والقضاء مستقلًا، والحريات مصونة، والقرار الوطني جماعيًا، والفصائل جزءًا من النظام لا بديلًا عنه، والمقاومة والتفاوض والدبلوماسية والقانون أدوات متكاملة، والمجتمع شريكًا في صناعة السياسة، والشباب والنساء جزءًا من القيادة، والشتات حاضرًا في التمثيل الوطني.

الثلاثون: خارطة الانتقال

لا يمكن إعادة تأسيس النظام دفعة واحدة، ولذلك يجب أن يتحرك الانتقال على مراحل مترابطة.

تبدأ المرحلة الأولى بوقف النزيف السياسي وحماية المجتمع والحريات، ثم الانتقال إلى ترتيب إدارة المرحلة الانتقالية في غزة ضمن مرجعية فلسطينية وطنية، ثم تجديد الشرعية عبر الانتخابات، ثم تشكيل كتلة تاريخية وطنية قادرة على حمل الإصلاح، ثم إعادة بناء منظمة التحرير، ثم توحيد المؤسسات، ثم صياغة الاستراتيجية الوطنية الجامعة، ثم الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء القدرة الوطنية التراكمية.

والمعيار في كل مرحلة ليس فقط ما تم الاتفاق عليه، وإنما ما تم تنفيذه.

الحادي والثلاثون: مؤشرات النجاح

نجاح إعادة التأسيس لا يقاس بالشعارات ولا بعدد الاتفاقات.

يقاس بقدرة الفلسطينيين على تجديد الشرعية، وإجراء انتخابات حرة، وإعادة بناء منظمة التحرير، وتوحيد المؤسسات، وحماية الحريات، واستقلال القضاء، ووقف الاعتقال السياسي، وإدماج الشباب والنساء، وتعزيز مشاركة الشتات، وشفافية المال العام، ومنع استخدام السلاح في الصراع الداخلي، وحماية المجتمع، وإعادة إعمار غزة دون تهجير، وتحويل التضامن الدولي إلى ضغط، ورفع الكلفة السياسية والقانونية للاحتلال، وتحويل التضحيات إلى نتائج سياسية تراكمية.

فالاستراتيجية التي لا يمكن قياس نتائجها تتحول بسهولة إلى خطاب.

الثاني والثلاثون: عقيدة عدم التكرار

إذا كانت المراجعة الوطنية تريد أن تكون ذات معنى، فعليها أن تنتج قائمة واضحة بما لا يجوز العودة إليه.
لا يجوز العودة إلى الانقسام .
ولا إلى الحكم الأحادي.
ولا إلى الشرعية الدائمة.
ولا إلى تعطيل الانتخابات بلا سقف زمني.
ولا إلى التفرد في القرار.
ولا إلى احتكار منظمة التحرير.
ولا إلى تحويل السلطة إلى بديل عن المشروع الوطني.
ولا إلى استخدام المال العام في الصراع السياسي.
ولا إلى تسييس القضاء.
ولا إلى الاعتقال السياسي.
ولا إلى تهميش الشباب والنساء.
ولا إلى الفصل بين غزة والضفة.
ولا إلى التعامل مع الشتات بوصفه خارج النظام السياسي.
ولا إلى اتخاذ قرارات الحرب والسلم منفردًا.
ولا إلى إدارة المقاومة خارج استراتيجية وطنية.
ولا إلى التفاوض بلا أوراق قوة.
ولا إلى المقاومة بلا حساب سياسي.
ولا إلى التضامن الدولي بوصفه تعاطفًا فقط.
ولا إلى إعادة الإعمار باعتبارها ملفًا خدماتيًا منفصلًا عن حماية الوجود الوطني.

الثالث والثلاثون: نحو فلسفة جديدة للمشروع الوطني

ربما يكون المطلوب في هذه اللحظة أبعد من إصلاح المؤسسات.

إننا بحاجة إلى إعادة التفكير في فلسفة المشروع الوطني نفسه.

لقد اعتدنا النظر إلى المشروع الوطني من زاوية التحرير والدولة والعودة، وهي أهداف جوهرية لا خلاف عليها، لكن علينا أن نضيف إليها مفهومًا أكثر وضوحًا هو القدرة الوطنية على البقاء والفعل.

فالمشروع الوطني الذي لا يحمي الإنسان يفقد جزءًا من معناه.

والمشروع الذي لا يجدد شرعيته يفقد قدرته على تمثيل الشعب.

والمشروع الذي لا يوحد مؤسساته يفقد قدرته على اتخاذ القرار.

والمشروع الذي لا يراكم القوة يبقى أسير ميزان القوى.

والمشروع الذي لا يستثمر التضامن الدولي يترك أحد أهم مصادر قوته خارج حساباته.

ولهذا فإن التحرر ليس فقط الوصول إلى الدولة، بل بناء مجتمع قادر على البقاء والفعل والمشاركة وصناعة القرار.

الخاتمة: فلسطين لا تحتاج مشروعًا جديدًا، وإنما طريقة جديدة لإدارة مشروعها

تكشف هذه المراجعة أن الأزمة الفلسطينية الراهنة لا يمكن اختزالها في الاحتلال، رغم أن الاحتلال هو الجذر البنيوي للصراع والمسؤول عن الجرائم والانتهاكات، ولا يمكن اختزالها في الانقسام، رغم أن الانقسام أحد أخطر مصادر الضعف الداخلي، ولا يمكن اختزالها في القيادة، رغم أن التفرد وأزمة التجديد أضعفا النظام السياسي، ولا في المقاومة، رغم أن 7 أكتوبر فرض مراجعة استراتيجية عميقة، ولا في الانتخابات، رغم أن غيابها ساهم في تآكل الشرعية، ولا في المفاوضات، رغم أن غياب الاستراتيجية أضعف قدرتها على إنتاج النتائج.

إن الأزمة أعمق من ذلك كله.

إنها أزمة قدرة وطنية.

قدرة تآكلت بفعل الاحتلال من جهة، وبفعل الانقسام والتفرد وتعطيل التجديد الديمقراطي وتشتت مراكز القرار وضعف المؤسسات وغياب الاستراتيجية الموحدة من جهة أخرى.

ولهذا فإن المهمة التاريخية ليست البحث عن طرف ينتصر على طرف، وإنما بناء نظام سياسي لا يستطيع أي طرف فيه أن يحتكر الوطن.

وليست المهمة البحث عن قائد جديد فقط، وإنما بناء مؤسسات تجعل القيادة وظيفة عامة قابلة للمساءلة والتداول.

وليست المهمة إلغاء المقاومة، وإنما إدخالها في استراتيجية وطنية تحمي المجتمع وتحسن حساب النتائج.

وليست المهمة التخلي عن التفاوض، وإنما تحويله إلى أداة داخل استراتيجية تمتلك أوراق قوة.

وليست المهمة إجراء الانتخابات بأي ثمن، وإنما تحويل الانتخابات إلى لحظة لتجديد الشرعية وإعادة توزيع القوة وإنتاج كتلة تاريخية قادرة على إعادة بناء النظام.

وليست المهمة طلب التضامن الدولي، وإنما تحويل التضامن إلى قوة قانونية وسياسية واقتصادية مستدامة.

وليست المهمة إعادة إعمار غزة فقط، وإنما حماية الوجود الفلسطيني ومنع تحويل إعادة الإعمار إلى أداة لإعادة هندسة المجتمع سياسيًا وديموغرافيًا.

وليست المهمة إدارة الانقسام إلى أجل غير معلوم، وإنما تفكيك البنية التي تنتجه.

وفي هذا السياق تصبح مراجعة 7 أكتوبر جزءًا من مراجعة أشمل لا تستهدف المقاومة ولا تبرئ القيادة، وإنما تؤسس لثقافة سياسية جديدة تقول إن شرعية الهدف لا تعني حصانة القرار من النقد، وأن نقد القرار لا يعني نزع شرعية الهدف.

ويصبح الدرس الأهم من الحرب أن حماية الوجود الوطني ليست ملفًا إنسانيًا تابعًا للسياسة، بل هي قلب الاستراتيجية الوطنية نفسها؛ لأن شعبًا مهجرًا أو مجتمعًا مفككًا أو اقتصادًا منهارًا أو مؤسسات مشلولة لا يستطيع أن يحول عدالة قضيته إلى قوة سياسية مستدامة.

كما تصبح الانتخابات، إذا أحسن الفلسطينيون إدارتها، فرصة تتجاوز المنافسة على المقاعد إلى بناء كتلة تاريخية تعيد تعريف قواعد النظام السياسي، وتفتح الطريق أمام جيل جديد من القيادة، وتعيد المجتمع إلى موقع الفاعل، وتربط الشرعية الشعبية بإعادة بناء منظمة التحرير وتوحيد المؤسسات وصياغة استراتيجية وطنية جديدة.

ومن هنا فإن المعادلة التي ينبغي أن تحكم المرحلة القادمة هي أن القضية العادلة لا تكفي دون قدرة وطنية، والقدرة الوطنية لا تتحول إلى نتائج دون استراتيجية، والاستراتيجية لا تعمل دون نظام سياسي شرعي، والنظام السياسي لا يستمر دون مجتمع مشارك، والمجتمع لا يستطيع المشاركة دون مؤسسات وحريات، والمؤسسات لا تستطيع العمل دون مساءلة، والمساءلة لا تتحقق دون تداول ديمقراطي.

وعليه فإن بناء القدرة الوطنية يتطلب إعادة تركيب عناصر القوة الفلسطينية في منظومة واحدة:

الشعب، والحق، والوحدة، والمؤسسات، والديمقراطية، والمقاومة، والدبلوماسية، والقانون، والاقتصاد، والتضامن الدولي، والإعلام، والمجتمع المدني، والقدرة على حماية الإنسان والأرض.

هذه ليست أدوات منفصلة؛ إنها أجزاء من القوة الوطنية.

وفي اللحظة الراهنة، ربما تكون المهمة الأصعب هي الانتقال من ثقافة السؤال: من يحكم؟ إلى سؤال أكثر أهمية: كيف نحكم أنفسنا؟

ومن سؤال: من يمثل فلسطين؟ إلى سؤال: كيف ينتج الشعب الفلسطيني تمثيله؟

ومن سؤال: أي فصيل ينتصر؟ إلى سؤال: كيف ينتصر المشروع الوطني دون أن يتحول أي فصيل إلى بديل عن الوطن؟

ومن سؤال: هل نقاوم أم نتفاوض؟ إلى سؤال: كيف نبني استراتيجية تجعل المقاومة والتفاوض والدبلوماسية والقانون والعمل الشعبي أدوات في معركة واحدة؟

ومن سؤال: متى تنتهي الأزمة؟ إلى سؤال: كيف نبني نظامًا لا يعيد إنتاجها؟

إن فلسطين لا تحتاج إلى مشروع وطني جديد بالمعنى الذي يلغي تاريخها وحقوقها وأهدافها، وإنما تحتاج إلى طريقة جديدة لإدارة مشروعها الوطني.

فالمشروع الوطني لم يمت، والشعب لم يفقد إرادته، والقضية لم تفقد عدالتها، والتضامن الدولي لم ينتهِ، والحقوق لم تسقط.

الذي تآكل هو القدرة على جمع هذه العناصر داخل منظومة سياسية واحدة.

وهنا تبدأ مهمة الجيل الجديد من السياسة الفلسطينية.

إنها ليست مهمة استبدال جيل بجيل، ولا فصيل بفصيل، ولا قيادة بقيادة، وإنما بناء نظام يستطيع أن يعيش بعد الأشخاص، وأن يتطور بعد الاتفاقات، وأن يصحح أخطاءه دون انهيار، وأن يجدد شرعيته دون صراع، وأن يدير الاختلاف دون اقتتال، وأن يستخدم القوة دون مغامرة، وأن يستخدم السياسة دون استسلام، وأن يحمي المجتمع دون أن يحول الصمود إلى مجرد احتمال للألم.

المطلوب ليس فلسطين جديدة، وإنما طريقة جديدة لإدارة الطريق إلى فلسطين.

والمشروع الوطني الفلسطيني لا يحتاج إلى إنقاذ النموذج الذي استُنفد، بل إلى إعادة تأسيس القدرة الوطنية التي تآكلت داخله.

وهذه، في جوهرها، ليست مهمة إصلاح سياسي عادي، وإنما مهمة إعادة تأسيس تاريخية؛ لأن السؤال لم يعد فقط كيف نواجه الاحتلال، بل كيف نبني مجتمعًا ونظامًا وقيادةً واستراتيجيةً تجعل الشعب الفلسطيني أكثر قدرة على مواجهة الاحتلال، وأكثر قدرة على حماية وجوده، وأكثر قدرة على تحويل عدالة قضيته إلى قوة، وأكثر قدرة على تحويل تضحياته إلى مكاسب، وأكثر قدرة على الوصول إلى الحرية وتقرير المصير والدولة والعودة والعدالة.

فلسطين لا تحتاج إلى مشروع آخر؛ فلسطين تحتاج إلى أن تستعيد قدرتها على إدارة مشروعها.

شاركها.