رأى الباحث الإسرائيلي راز زيمت، مدير برنامج إيران والمحور الشيعي في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، في مقال نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت، أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تشديد العزلة الاقتصادية المفروضة على إيران يشير إلى انتقال المواجهة بين واشنطن وطهران إلى مرحلة جديدة، في وقت تتراجع فيه احتمالات الانزلاق إلى حرب شاملة.

وأوضح زيمت أن ترامب يبدو مقتنعًا بأن استئناف المواجهة العسكرية الواسعة لن يحقق بالضرورة “النصر” الذي يسعى إليه، بل قد يفاقم تعقيدات المشهد الإقليمي، خاصة في ظل قدرة إيران على إلحاق أضرار كبيرة بالدول المجاورة واستدراج الولايات المتحدة إلى صراع طويل ومكلف.

ورغم أن ترامب لم يكشف عن طبيعة الإجراءات الجديدة التي يعتزم اتخاذها، فإنه لوّح بفرض عقوبات وإجراءات صارمة بحق أي دولة تقدم دعمًا لإيران. وفي السياق ذاته، كشف موقع أكسيوس أن الولايات المتحدة أنشأت، بصورة سرية، ممرًا بحريًا محميًا في الجزء الجنوبي من مضيق هرمز، يتيح لناقلات النفط المرور ضمن قوافل مؤمنة وبدعم جوي أمريكي، لنقل ما يقارب 10 ملايين برميل من النفط ليلًا.

وبحسب زيمت، فإن هذا الممر لا يعيد حركة الملاحة إلى مستوياتها الطبيعية قبل الحرب، كما أنه لا يوفر حلًا لنقل مختلف البضائع عبر المضيق، إلا أن تشغيله بشكل جزئي قد يخفف من تداعيات الأزمة على الاقتصاد العالمي.

عودة إلى سياسة “الضغط الأقصى”

ويرى الباحث أن توجه ترامب نحو تشديد الضغوط الاقتصادية يمثل عودة إلى سياسة “الضغط الأقصى” التي انتهجها خلال ولايته الأولى عقب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018. وقد أسهمت تلك السياسة حينها في تعميق الأزمة الاقتصادية الإيرانية، من خلال تراجع صادرات النفط، واتساع العجز المالي، وارتفاع معدلات التضخم إلى أكثر من 40%، إضافة إلى انكماش اقتصادي قارب 10%.

ويعتقد زيمت أن واشنطن تمتلك اليوم أدوات إضافية تجعل العقوبات أكثر فاعلية من السابق. ويتمثل العامل الأول في تأثير الحصار البحري المتزايد على صادرات النفط الإيرانية، وهو ما انعكس في إقرار محافظ البنك المركزي الإيراني بأن الصادرات النفطية تكاد تتوقف بشكل كامل.

أما العامل الثاني فيرتبط بتبدل مواقف بعض الدول الإقليمية، وعلى رأسها الإمارات والعراق، اللذين شكلا في السابق منفذًا مهمًا لإيران للالتفاف على العقوبات. ويشير زيمت إلى أن الإمارات أوقفت علاقاتها التجارية والمالية مع طهران، فيما أدت التوترات المتصاعدة بين إيران والعراق إلى تراجع استعداد بغداد لتقديم الدعم الاقتصادي لها. كما تزداد الضغوط بفعل الأضرار الكبيرة التي لحقت بالاقتصاد والقطاع الصناعي الإيراني خلال الحرب.

رهان إيراني على الصمود والتصعيد

في المقابل، رفض المسؤولون الإيرانيون التهديدات الأمريكية. فقد اعتبر وزير الخارجية عباس عراقجي أن التصعيد الاقتصادي يهدف إلى تحويل اهتمام الرأي العام الأمريكي عن الأزمات الداخلية، محذرًا من أن استمرار هذه السياسة لن يؤدي إلا إلى مزيد من الإخفاق وتعميق مشاعر العداء تجاه الولايات المتحدة داخل إيران.

ويشير زيمت إلى أن طهران تراهن على مزيج من الصمود والتصعيد المدروس، مؤكدًا أن الضغوط الاقتصادية لا تمثل هدفًا بحد ذاتها، بل وسيلة لدفع إيران إلى تعديل سلوكها السياسي، وربما تغيير النظام من وجهة نظر بعض الأطراف. ومع ذلك، لا يرى الباحث مؤشرات تدل على استعداد القيادة الإيرانية لتقديم تنازلات أو إبداء مرونة حقيقية.

وفي الوقت نفسه، ما تزال إيران تمتلك خيارات متعددة للتصعيد، من بينها استهداف ناقلات النفط والقوات الأمريكية في مضيق هرمز، أو تنفيذ عمليات ضد موانئ وسفن الدول المجاورة، فضلًا عن تعزيز دور حلفائها الإقليميين، وعلى رأسهم جماعة أنصار الله في اليمن.

ويؤكد زيمت أن القيادة الإيرانية تعتمد على استراتيجية تجمع بين “اقتصاد البقاء” والتصعيد التدريجي، عبر تقديم مساعدات للفئات الأكثر تضررًا، وزيادة طباعة النقد، وخفض الاستثمارات، بالتوازي مع خطوات عسكرية محسوبة، بهدف دفع إدارة ترامب إلى التراجع عن سياساتها.

وتعتقد طهران أن الاستجابة للمطالب الأمريكية وفتح مضيق هرمز دون ضمانات اقتصادية وأمنية قد يشكل خطرًا أكبر من مواصلة سياسة التصعيد. ومع ذلك، يحذر زيمت من أن أي مرونة إيرانية محتملة قد لا تكون كافية للوصول إلى تسوية، إذ قد ترى واشنطن أن إعادة فتح المضيق جزئيًا تمنحها ورقة ضغط جديدة لإخضاع إيران بعد تعثر الخيار العسكري.

واختتم الباحث مقاله بالقول إن المواجهة الراهنة تبدو أقرب إلى “معركة إرادات”، حيث تراهن الولايات المتحدة على الخنق الاقتصادي وإحياء سياسة الضغط الأقصى، بينما تراهن إيران على الصمود والمناورة والتصعيد التدريجي، في اختبار مفتوح لمعرفة ما إذا كانت الضغوط الاقتصادية ستدفع طهران إلى تغيير سلوكها، أم ستفضي إلى جولة جديدة من التصعيد العسكري في المنطقة.

شاركها.