تمر ثلاثة وثلاثون عامًا على توقيع اتفاق أوسلو، وما زال حاضرًا في السجال الفلسطيني كما لو أنه وقع بالأمس. يراه البعض خطيئة تاريخية، ويراه آخرون فرصة أضاعتها إسرائيل، فيما يضيع بين الموقفين سؤال أكثر أهمية: كيف نقرأ أوسلو اليوم، بعد كل ما جرى منذ عام 1993؟ يزداد السؤال أهمية مع تصريح القيادي في حركة حماس باسم نعيم، الذي طالب من يدعون حركته إلى الاعتذار عن السابع من أكتوبر بأن يطالبوا السلطة الفلسطينية وحركة فتح والرئيس الراحل ياسر عرفات بالاعتذار عما وصفه بالكوارث التي تسبب فيها اتفاق أوسلو. المشكلة ليست في نقد أوسلو؛ فهو ليس نصًا مقدسًا، وتجربة عرفات وفتح والسلطة ليست فوق المراجعة والمساءلة. المشكلة في المقارنة ذاتها، وفي العقل الذي يضع أوسلو والسابع من أكتوبر في ميزان واحد، وكأننا أمام تجربتين متماثلتين. وفي تقديري، تكشف هذه المقارنة مشكلة أعمق في التفكير: حين تتقدم الأيديولوجيا على السياسة، والموقف على النتيجة، وصحة العقيدة على حسابات الواقع.
بعد ثلاثة وثلاثين عامًا، نستطيع القول إن أوسلو لم يحقق الدولة الفلسطينية. ويمكن نقد ثغرات الاتفاق، وتأجيله القضايا الجوهرية، والمبالغة الفلسطينية في الرهان على المفاوضات، وغياب الضمانات التي تمنع إسرائيل من المماطلة وخلق الوقائع على الأرض. لكن أوسلو لا يمكن فهمه خارج اللحظة التاريخية التي أنتجته. كان الاتحاد السوفييتي قد انهار، والحرب الباردة انتهت، والعراق خرج مهزومًا من حرب الخليج، والنظام الإقليمي تغير، وتراجعت إمكانات منظمة التحرير، بينما كان العالم يتشكل تحت هيمنة أمريكية شبه منفردة. في تلك اللحظة لم يكن السؤال أمام ياسر عرفات: ما الموقف الأكثر ثورية؟ بل كان أكثر واقعية وقسوة: كيف نحافظ على القضية الفلسطينية في عالم يتغير؟ وكيف نعيد منظمة التحرير إلى فلسطين؟ وكيف نحول الاعتراف بالشعب الفلسطيني إلى وجود سياسي على أرضه يمكن البناء عليه نحو الدولة؟
يمكن القول إن الشهيد الراحل عرفات قد أخطأ في بعض الإجابات، وبالغ في تقدير فرص التسوية. لكنه أمتلك سؤالًا سياسيًا؛ وواضحاً. وهذا هو الفارق. فأوسلو لم يكن مجرد توقيع على ورقة. أعاد مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى وطنهم، وأعاد قيادة منظمة التحرير إلى الأرض الفلسطينية، وأنشأ سلطة وطنية ومؤسسات فلسطينية، ورسخ وجودًا سياسيًا فلسطينيًا فوق جزء من الأرض. وكان وراءه تصور لليوم التالي: مرحلة انتقالية، ومفاوضات حول قضايا الوضع النهائي، ومسار كان الفلسطينيون يأملون أن ينتهي بالدولة.
أوسلو لم يخلق مشروعاً كاملاً للتحرر، لكنه فتح نافذة في جدار الاحتلال نحو التحرر. كانت نافذة ضيقة، مليئة بالثغرات والقيود، ومحكومة بميزان قوى مختل، لكنها أوجدت مساحة سياسية كان يمكن توسيعها والبناء عليها. عمل اليمين الإسرائيلي على تضييق النافذة وإغلاقها، وتسارع الاستيطان، واغتيل إسحق رابين، وتراجعت قوى التسوية في إسرائيل. وفي المقابل، لم ينجح الفلسطينيون في بناء استراتيجية وطنية موحدة تحمي ما تحقق وتراكم عليه، بل عارضت قوى فلسطينية، وفي مقدمتها حماس، المسار من أساسه. ومن دون مساواة بين قوة احتلال وحركة فلسطينية، فقد التقى اليمين الإسرائيلي وحماس موضوعيًا، ومن منطلقات وأهداف متناقضة، عند رفض مسار كان يفترض أن يقود إلى تسوية سياسية ودولة فلسطينية.
ولهذا فإن اختزال ثلاثة وثلاثين عامًا بكلمة كارثة ليس قراءة للتاريخ بقدر ما هو حكم أيديولوجي عليه. وهنا تحديدًا تبدو مقارنة باسم نعيم بين أوسلو والسابع من أكتوبر ظالمة ومختلة منهجياً. فإذا كان وراء أوسلو، بصرف النظر عن نجاحه أو فشله، تصور لليوم التالي، فإن السؤال الذي ما زال يواجه قيادة حماس هو: أين كان اليوم التالي في حسابات السابع من أكتوبر؟ كيف قُدّر الرد الإسرائيلي؟ وكيف قُرئ ميزان القوى؟ وما حجم التدخل المتوقع من الحلفاء؟ وكيف كان يمكن حماية أكثر من مليوني فلسطيني في مساحة محاصرة؟ والأهم: ما الهدف السياسي الذي كان يفترض أن تتحول إليه العملية العسكرية؟
هذه الأسئلة لا تمس عدالة القضية الفلسطينية، ولا حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، ولا تعفي إسرائيل لحظة واحدة من مسؤوليتها عن حرب الإبادة والقتل والتدمير والتهجير. إنها تتعلق بمسألة أخرى: مسؤولية القيادة عن القرار. فالقيادة السياسية لا يكفي أن تكون قضيتها عادلة، ولا أن تمتلك القوة أو الاستعداد للتضحية. عليها أن تعرف أيضًا ماذا تستطيع، وما ميزان القوى، وما الثمن، وما البدائل، وكيف يتحول الفعل إلى نتيجة سياسية تخدم شعبها.
وهنا يظهر الفارق بين العقيدة والاستراتيجية: العقيدة تخبرك بما تؤمن به؛ والاستراتيجية تخبرك كيف تنتقل مما تؤمن به إلى ما تستطيع تحقيقه. وهذه، في تقديري، إحدى مشكلات تجربة حماس. فقد امتلكت عقيدة واضحة، وتنظيمًا قويًا، وقدرة على التعبئة والصمود، وبنت قوة عسكرية لا يمكن إنكارها؛ لكنها لم تستطع بالقدر نفسه تحويل ذلك إلى استراتيجية سياسية وطنية تراكم الإنجازات وتقرب الفلسطينيين من هدفهم. فامتلاك القوة ليس امتلاكًا للسياسة، والقدرة على إيلام الخصم ليست بالضرورة قدرة على تغيير ميزان الصراع، والتضحية مهما عظمت لا تصبح إنجازًا سياسيًا لمجرد أنها تضحية. ولهذا أيضًا تظلم المقارنة تجربة ياسر عرفات.
ليس لأنه كان معصومًا من الخطأ، بل لأنه أمضى عقودًا يعيد قراءة التحولات الدولية والإقليمية ويغير الأدوات مع تغير الظروف. انتقل من الكفاح المسلح إلى العمل الدبلوماسي، ومن البرنامج المرحلي إلى إعلان الاستقلال، ومن تعزيز الاعتراف بمنظمة التحرير إلى التسوية السياسية.
يمكن الاختلاف مع خياراته، لكن الرجل لم يحوّل أداة واحدة إلى عقيدة أبدية. كان يحاول أن يدير الممكن في خدمة هدف وطني ثابت. وهنا الفرق بين التفكير السياسي والتفكير الأيديولوجي: السياسي يراجع الأداة عندما لا تحقق النتيجة، أما الأيديولوجي فيعيد تفسير النتيجة لكي يحافظ على صحة الأداة. وهذا ما يجعل كلام باسم نعيم مقلقًا أكثر مما يجعله مستفزًا. فبعد كل ما أصاب غزة، كان يمكن أن نسمع من قيادة حماس مراجعة تقول: ماذا توقعنا؟ ماذا تحقق؟ ماذا لم يتحقق؟ أين أصبنا وأين أخطأنا؟ أما أن تكون الإجابة عن نتائج قرار اتخذته حماس عام 2023: وماذا عن قرار اتخذه عرفات عام 1993؟ فهذه ليست إجابة سياسية. إنها هروب من السؤال. والفارق أن أوسلو، بعد ثلاثة وثلاثين عامًا، ترك رغم ملاحظاتنا عليه، عودة فلسطينية ووجودًا سياسيًا ومؤسسات وكيانية وطنية ومسارًا نحو الدولة تعثر ولم يصل إلى نهايته.أما السابع من أكتوبر، فلا نحتاج إلى الانتظار ثلاثة وثلاثين عامًا حتى نرى جانبًا كبيرًا من نتائجه.
نحن نعيشها الآن: غزة مدمرة، وعائلات فقدت أبناءها وبيوتها، ومجتمع أنهكته الحرب والنزوح والجوع والفقد، وشعب ما زال يدفع ثمن قرار لم تقدم له حتى الآن رؤية سياسية مقنعة لما كان يفترض أن يأتي بعده.ولهذا لا يحتاج الفلسطينيون اليوم إلى مسابقة حول أي الفصائل أخطأ أكثر. نحتاج إلى معيار واحد للحكم على الجميع: ماذا أضاف قرارك إلى القدرة على التحرر؟ ماذا حمى من شعبنا؟ ماذا راكم من قوتنا؟ وما الخيارات التي فتحها أمام قضيتنا؟ بهذه المعايير يمكن نقد أوسلو وعرفات وفتح والسلطة، وبالمعايير نفسها يجب مساءلة حماس والسابع من أكتوبر.
في النهاية يمكن القول إن أخطر ما يواجه السياسة الفلسطينية اليوم، بعد ثلاثة وثلاثين عامًا على أوسلو، ليس حجم الخسائر الفادحة فحسب، بل إنكارها، وتحويل التضحيات المجردة إلى بديل عن النتيجة السياسية. لقد ترك لنا أوسلو، رغم كل عيوبه وإخفاقاته، كيانيةً فلسطينية ومؤسسات ورقعة جغرافية تحصّن عليها الوجود الفلسطيني، وفتح نافذة في جدار الاحتلال كان يمكن توسيعها نحو التحرر والدولة.
أما السابع من أكتوبر، فقد وضعنا أمام أسئلة وجودية حارقة لا تلغيها المظلومية، ولا يسقطها نبل القضية. وبعد كل ما دفعه شعبنا وما زال يدفعه، يبقى من حقه أن يسأل أصحاب القرار: إذا كانت أوسلو قد فتحت، رغم كل عيوبها، نافذة في جدار الاحتلال، فأي نافذة فتحتم لفلسطين بعد السابع من أكتوبر… وإلى أين تقود؟ وأين تقف فلسطين في حساباتكم لليوم التالي؟
