الدول الغربية تراقب وتعرف تفاصيل ما يجري في الأراضي الفلسطينية المُحتلة منذ وعد بلفور، لكنها عندما تأخذ خطوات يُفترض أنها «لصالح الشعب الفلسطيني» تكون قليلة في حجمها، متأخرة كثيراً عن وقتها، مليئة بالمحاباة و»الاعتذارية» لدولة الاحتلال، ومترافقة مع خطوات أشد قسوة على خصوم إسرائيل.
آخر مثال على ذلك هو بيان إد ميليباند، وزير الخارجية البريطاني أمام مجلس العموم. في اللغة: ميليباند أقرّ بأن دولة الاحتلال تمارس «تطهيراً عرقياً بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية» وبأن هناك تقارير متزايدة «عن ارتكابها جرائم حرب في غزة»، وكأن الرجل لا يعرف، وأنه لن يتبنى توصيف ما قامت وتقوم به إسرائيل في غزة على أنه جريمة إبادة إلى أن تقرر محكمة العدل الدولية ذلك بشكل رسمي. لكنه يُقر بأن دولة الاحتلال دمرت «60٪ من مساكن القطاع، وأنها قتلت 20 ألف طفل من بين 70 ألفاً قتلوا في غزة، وأن مليونَي فلسطيني يعيشون في ثلث غزة دون أمن غذائي وبالقرب من فتحات المجاري المفتوحة، وبأن الأطفال يموتون وهم ينتظرون العلاج».
وفي اللغة هو يُقر بأن الحكومة الإسرائيلية الحالية قد بَنت أو أقرت ببناء عدد من المستوطنات يفوق ما قررته الحكومات السابقة خلال عشرين عاماً، وأن عدد المستوطنين قد ارتفع من 270 ألفاً منذ بداية أوسلو 1993 إلى 770 ألفاً اليوم. وأن الحكومة الإسرائيلية وعلى لسان وزير ماليتها، بتسلئيل سموتريتش، تريد القضاء على أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية.
وهو يقول: إن المستوطنات كانت دائماً تتعارض مع القانون الدولي، وإن سياسة بريطانيا كانت دائماً مع حل الدولتين، وإن بعض المستوطنين يمارسون الإرهاب في الأراضي الفلسطينية بما في ذلك قتل الفلسطينيين ومحاصرتهم وطردهم من بيوتهم وتهجيرهم، وإن بريطانيا كانت تشاهد ذلك من عشرات السنين. لكنها اليوم قررت أن تنتصر لِقيمها «بالفعل» لا الاكتفاء بالشجب والاستنكار!
لكن قبل أن ننتقل إلى الفعل «البريطاني»، دعونا نلاحظ ما تضمنته اللغة عن قرب أكثر. يقول ميليباند: «أثارت أهوال السابع من أكتوبر فزع العالم، واستحضرت بصورة مروّعة أصداء قرون من اضطهاد الشعب اليهودي حيث قَتل إرهابيو حماس رجالاً ونساء وأطفالاً ورُضّعاً، ومثلوا بجثثهم وعذبوهم».
دعونا لا نجادل في صدقية المعلومة التي لم تدققها حتى الآن أي جهة إسرائيلية أو أممية مستقلة. لكن كيف تستوي هذه اللغة مع تلك المستخدمة في الحديث عن الفلسطينيين وتحديداً في غزة؟ كيف يُمكن الحديث عن «أهوال السابع من أكتوبر» الذي قُتِل فيه أقل من 1200 إسرائيلي ثلثهم من الجنود، مع الاكتفاء بذكر قتل إسرائيل عشرين ألفاً من الأطفال الفلسطينيين.
لا توجد صور مروّعة يستحضرها هذا القتل للفلسطينيين من صبرا وشاتيلا ودير ياسين وكفر قاسم والعشرات من المذابح بحقهم التي ارتكبتها الدولة التي يقول عنها ميليباند: إنها قد وفّرت الأمن للملايين من اليهود في العالم والتي من بينها بعض من أفراد عائلته هو.
هذه اللغة الاستعلائية التي تعتبر الدماء الإسرائيلية أهم من دماء الفلسطينيين نجدها أيضاً في بيان الدول الاثنتي عشرة التي تزامن صدوره مع خطاب ميليباند، والذي هدف إلى تقديم الدعم لبريطانيا والقول إنها ليست وحيدة في إجراءاتها ضد المستوطنين، وإن كندا وفرنسا ومعهما تسع دول أوروبية أخرى تدعمها. يصف البيان السابع من أكتوبر بأنه «أسوأ مذبحة معادية للسامية منذ المحرقة النازية (الهولوكوست)»، لكنه يمتنع عن توصيف ما تعرض ويتعرض له الفلسطينيون منذ ذلك التاريخ من مذابح وتطهير عرقي وحرب إبادة.
لكن المشكلة الحقيقية ليست في اللغة غير المتوازنة فقط، بل في الإجراءات التي تم اتخاذها. هذه الإجراءات تنقسم إلى نوعين: إجراءات فورية وأخرى بانتظار التشريع خلال ستة إلى تسعة أشهر، بمعنى أنها لم تدخل بعد حيز التنفيذ.
الإجراءات الفورية تشتمل على فرض عقوبات على المتطرفين من المستوطنين الذين مارسوا العنف ضد الفلسطينيين أو حرضوا عليه، والإبقاء على تعليق أكثر من 30 رخصة لتصدير الأسلحة التي يمكن أن يستخدمها الجيش الإسرائيلي في غزة، وتوسيع نظام العقوبات العالمي لحقوق الإنسان ليتيح معاقبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني بسرعة أكبر، سواء في الضفة الغربية أو غزة، واستخدام هذا النظام لردع الأشخاص والشركات التي قد تشارك في مشروع E1 الاستيطاني.
الإجراءات المؤجلة بانتظار التشريع تتضمن حظر استيراد السلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية المقامة في الأراضي المحتلة، مع «استثناءات» دينية سيجري تحديدها لاحقاً، وحظر الإعلان أو الترويج داخل بريطانيا لشراء الأراضي والعقارات في المستوطنات، وإنشاء نظام عقوبات شامل يستهدف الأشخاص والشركات التي تساعد على توسيع المستوطنات أو تستفيد منها، بما في ذلك الجهات التي توفر التمويل، البناء، البنية التحتية، الخدمات العقارية، خدمات أخرى تُسهِّل الاستيطان، ورفض جميع طلبات تراخيص الأسلحة والصادرات الأخرى التي ترى الحكومة أنها «تسهم مادياً في الاحتلال».
شكراً بريطانيا. لكن هذه الإجراءات المتأخرة جداً لن تمنع إسرائيل من تنفيذ مخططها في مصادرة الأراضي الفلسطينية وتحويل التجمعات السكانية الفلسطينية إلى مناطق مُقطعة وغير متواصلة بانتظار التهجير. هذه الإجراءات لا تعاقب الحكومة الإسرائيلية التي تُموّل الاستيطان وتُصدِر التشريعات له وتصادر الأراضي وتحمي المستوطنين المتطرفين، وتُشركهم في الحكومة كوزراء وتعطيهم الصلاحيات لتوسيع الاستيطان، وتسلّح المستوطنين وترهب الفلسطينيين.
إن الحكومة البريطانية تقول، علناً، إن هذه الإجراءات ليست موجهه ضد إسرائيل، التي تفتخر بعلاقاتها القوية وغير القابلة «للاهتزاز» معها، ولكنها ضد سياسة «الاستيطان» والمتطرفين المستوطنين، وكأن السياسات هذه تقوم بها دولة أخرى غير إسرائيل، وكأن المستوطنين جماعة بشرية قادمة من كوكب آخر وليس من إسرائيل نفسها وتنفيذاً لسياساتها.
إن الحكومة البريطانية التي قالت إن ما يجري في الضفة الغربية، هو تطهير عرقي (وهي قالت ذلك بعد الاستشهاد بما قاله إيهود أولمرت وأفرايم سنيه حتى لا يتهمها أحد بمعاداة السامية) تُصر في نفس الوقت على رفض حركة المقاطعة ضد إسرائيل، ما يعني أن إجراءاتها الفورية والمؤجلة لن تكون لها قيمة أو تأثير عملي على دولة الاحتلال. بل إن طرد إسرائيل الممثلين البريطانيين من المركز الدولي التي تقوده الولايات المتحدة لتنسيق ومتابعة الترتيبات المتعلقة بغزة، والإعلان عن إغلاق قنصليتها في القدس الشرقية، ومنعها من تدريب الشرطة الفلسطينية في الضفة، ومنع 12 من ساستها من دخول إسرائيل، يكشف كم هي متطرفة دولة الاحتلال وكم هو هامشي تأثير الإجراءات البريطانية عليها. بريطانيا استقبلت الرد الإسرائيلي «بالكثير» من الصمت وليس بإجراءات مضادة مثل إغلاق قنصليتها الفخرية في ويلز مثلاً، ولا نقول سفارتها في لندن.
لكن مهلاً قليلاً، في نفس البيان الذي تضمن هذه الإجراءات «الهامشية» والمتأخرة جداً ضد المستوطنين المتطرفين والاستيطان عموماً، أعلن ميليباند عن تشديد العقوبات الاقتصادية ضد إيران الدولة وليس ضد شريحة من الشعب الإيراني كما فعل مع إسرائيل. إيران لم تمارس التطهير العرقي، ولم ترتكب حرب إبادة، وهي تتعرض لحرب من دولة الاحتلال وأميركا خارج القانون الدولي. كيف يستوي إذاً ما تم إعلانه من إجراءات هامشية مع الإجراءات الساحقة ضد إيران؟
إن ازدواجية المعايير التي يمارسها الغرب عموماً هي التي تحمي الاحتلال وتطيل عُمره، وهي من تتسبب في التطهير العرقي للفلسطينيين وفي حرب الإبادة ضدهم التي ينتظر ميليباند أن تقولها صراحة محكمة العدل الدولية حتى يجرؤ هو وحكومته على قولها.
تتحمل بريطانيا مسؤولية تاريخية كبيرة تجاه الفلسطينيين، فقراراتها وسياساتها، وفي مقدمتها وعد بلفور عام 1917، أسهمت في وقوع النكبة الفلسطينية وفي المعاناة المتواصلة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني منذ أكثر من قرن. لذلك، لم يكن ما ينتظره الفلسطينيون منها مجرد إجراءات شكلية لا تؤثر في مسار الصراع، بل فرض عقوبات شاملة على دولة الاحتلال.

شاركها.