الكاتب باحث متخصص في الأمن القومي الفلسطيني والإسرائيلي

يفصلنا أسبوع واحد فقط عن الانتخابات العامة الإسرائيلية التي ستجري يوم الثلاثاء القادم، الموافق 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، إذا جرت في موعدها ولم يحدث ما يُعرف بـ”مفاجأة أكتوبر”. وسواء جرت الانتخابات أم أُجّلت، فلا يكفي الفلسطينيين أن يعرفوا من سيفوز في هذه الانتخابات؛ اليمين المتطرف بزعامة نتنياهو، أم اليمين المعارض بزعامة آيزنكوت، لا سيما أن الطرفين يتفقان على رفض حق الفلسطينيين في دولة مستقلة، كما يتفقان في كثير من التوجهات والرؤى والأهداف الاستراتيجية لإدارة الصراع على المستويين الفلسطيني والعربي.

وعلى الرغم من هذا التوافق، تبرز فوارق ملحوظة في إدارة الصراع، كرفض المعارضة ضم المنطقتين (A وB) واقتصار الضم على المنطقة (C)، كما تعارض تسامح الائتلاف الحاكم مع إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية. وكذلك يبرز الخلاف حول الدور المستقبلي للسلطة الفلسطينية، في حال قيام السلطة بإصلاحات جذرية.

وفيما تبرز فعلاً هذه الفوارق بين المعسكرين، لا ينبغي أن يكون السؤال الموجّه للسياسة الفلسطينية: ما السياسة التي سيحملها الفائز تجاه الفلسطينيين؟

وفي المقابل، لا يكفي تأجيل الانتخابات الفلسطينية لتجنب مخاطر إجرائها في الظروف الراهنة؛ إذ يبقى السؤال الأهم الذي يواجه الفلسطينيين: كيف تُستثمر فترة التأجيل للم شمل الفلسطينيين، واستعادة معنى الوطن من داخلهموتوحيدهم على استراتيجية وطنية واحدة، توظّف الفوارق النسبية في سياسات الطرفين المتنافسين في الإنتخابات الإسرائيلية لصالح القضية الفلسطينية، ولاستعادة المبادرة وتجديد شرعية المؤسسات الوطنية، أو على الأقل وقف مسار تآكلها؟

تكتسب هذه الأسئلة أهميتها عند إظهار الخلافات الاستراتيجية، ليس فقط بين المعسكرات المتنافسة في الانتخابات، بل بين مؤسسات التفكير الأمني الإسرائيلي، الأمر الذي يبدو جلياً في مقال كوبي ميخائيل، الباحث المتخصص في الأمن القومي الإسرائيلي، المنشور على موقع معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) في 11 أكتوبر، والذي حمل عنوان “انهيار مفهوم حماس للنصر وتآكل منظومة قيم المقاومة المسلحة”، وفي دراسة بنينا شربيت باروخ، المنشورة على موقع المعهد بتاريخ 13 أكتوبر/تشرين الأول 2026، والتي حملت عنوان “مكانة إسرائيل الدولية: بين نزع الشرعية والنقد والمسؤولية الإسرائيلية” وفي مقال مئير بن شبات، رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي الأسبق ورئيس معهد مسجاف للأمن والاستراتيجية الصهيونية، الذي حمل عنوان “حماس ترى السابع من أكتوبر مجرد بداية”، والمنشور على موقع معهد مسجاف وفي صحيفة إسرائيل هيوم” بتاريخ 13 أكتوبر/تشرين الأول، وفي افتتاحية صحيفة “جيروسالم بوست” بتاريخ 15 أكتوبر.

وفيما تكشف المقالات خلافاً بشأن كيفية التعامل مع الفلسطينيين وكلفة السياسات الإسرائيلية، تشير الافتتاحية إلى ضعف ترجمة الأسئلة الاستراتيجية إلى بدائل انتخابية واضحة.

فمن جهته، يرى كوبي ميخائيل، في مقاله الذي اعتمد على نتائج استطلاعي رأي، الأول نفّذه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في المناطق الفلسطينية، ونُشرت نتائجه في شهر أغسطس من العام الجاري، والثاني نفّذه معهد (INSS) في الضفة الغربية، ونُشرت نتائجه في شهر سبتمبر الماضي، أن تراجع الاعتقاد بانتصار حماس وتزايد الميل إلى البدائل غير العسكرية يمثلان تصدعاً في شرعيتها وفرصة سياسية، ويدعو إلى استثمارها بدعم قوى فلسطينية براغماتية، وتقديم أفق سياسي واستجابة إنسانية ومدنية، مع نزع سلاح الحركة ومنع استعادة حكمها.

بالمقابل، ينطلق مقال بن شبات من تصريحات قيادات حماس والجهاد الإسلامي بمناسبة مرور ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر، ومن شهادات أسرى إسرائيليين كانوا في قبضة حماس في غزة، والتي تؤكد، وفق قراءته، استمرار الرغبة في تكرار السابع من أكتوبر. ويعتبر أن تراجع تأييد الهجوم، كما تظهره نتائج استطلاعات الرأي، لا يوفر سبباً للاطمئنان ما دامت حماس تحتفظ بنفوذها وقاعدة تأييدها. ثم يشكك في إمكان إحداث تحول قريب في وعي سكان غزة، مستنداً إلى سنوات حكم الحركة وتأثيرها في التعليم والإعلام والمساجد.

وقادته هذه القراءة إلى توصيات بتفكيك حماس، ونزع سلاح القطاع، واستمرار السيطرة الأمنية الإسرائيلية، وإتاحة الهجرة للراغبين فيها. وتكمن خطورتها في تضييق المسافة بين الحركة والمجتمع، وجعل استمرار التأييد، مهما تراجع، مبرراً لاستمرار السيطرة الإسرائيلية.

الخلاف، كما يظهر في المقالات، مهم، لكنه يقع أساساً بين تقديرين لتحقيق المصلحة الأمنية الإسرائيلية: أحدهما يشدد على دوام الخطر وصعوبة التغيير، والآخر يرى إمكان توظيف التحولات الاجتماعية في بناء واقع مختلف. ولكن المهم هنا أن هذا الخلاف لا يعني أن انتقاد الفلسطينيين لحماس يعني قبولهم بالاحتلال، أو أن رغبتهم في تحسين ظروفهم الاقتصادية تعني تخليهم عن إصرارهم على تحقيق الحرية والاستقلال.

وتضيف دراسة شربيت باروخ بُعداً ثالثاً يتجسد في كلفة السلوك الإسرائيلي على مكانة الدولة وقدرتها على العمل. فالشرعية الدولية، وفق الدراسة، مورد استراتيجي يؤثر في حرية العمل العسكري والسياسي، وإمدادات السلاح، والاقتصاد، والشراكات. لذلك، لا تُعالج الأزمة بالدعاية وحدها، بل بتغيير السياسات والسلوك أيضاً.

وترفض الدراسة مقولة إن العالم سيعادي إسرائيل مهما فعلت، وتميز بين نواة معادية، ومنتقدين أيديولوجيين، وجمهور غير معادٍ ابتعد عنها، ومؤيدين بات بعضهم يلوذ بالصمت. وتعتبر أن الدمار والمعاناة في غزة، وعنف المستوطنين، والتصريحات العنصرية، وضعف المحاسبة، وغياب الأفق السياسي، أسهمت في توسيع دائرة الانتقاد.

وتوصي بضمان المساعدات والإعمار، والتصدي لعنف المستوطنين، وحماية سيادة القانون، وإجراء تحقيقات موثوقة، وتقديم مبادرة سياسية. كما تنتقد تصريحات “لا يوجد مدنيون غير مشاركين” ودعوات تشجيع الهجرة، وتدعو إلى تأكيد أن الحرب ضد حماس وليست ضد السكان.

وبهذا، تتعارض الدراسة مع عناصر أساسية في مقال بن شبات، وتقترب مما طرحه ميخائيل في مقاله (رغم الأخطاء الأكاديمية الكثيرة التي تضمنها مقاله)، من حيث ضرورة إسناد القوة العسكرية بمبادرات سياسية. لكنها تظل معنية باستعادة الدعم وحرية عمل الإسرائيليين؛ والمهم هنا أنها ترى أن مبادرة أضيق من حل الدولتين قد تكون مفيدة. وهنا يبرز السؤال الفلسطيني: هل يُراد بالأفق السياسي إنهاء السيطرة، أم تخفيف كلفتها الدولية وإعادتها إلى إطار تفاوضي مفتوح؟

غير أن هذا النقاش لا يظهر بالوضوح نفسه في الحملات الانتخابية. فافتتاحية «جيروسالم بوست» تنتقد انشغال الائتلاف بشعار “اليمين أو فلسطين”، وانشغال المعارضة بمسؤولية نتنياهو عن السابع من أكتوبر، على حساب شرح البرامج، مع استثنائها حزب «معاً» لنشره خططاً تفصيلية. وتطالب بمناقشة القضايا الفعلية، ومنها مستقبل الضفة وعنف المستوطنين.

المساءلة عن الفشل ضرورية كما تؤكد الدراسة، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال السياسة المقبلة. ولذلك، فإن استبدال نتنياهو لا يضمن تغيير السياسة تجاه الفلسطينيين، كما أن اختلاف الباحثين لا يعني انقسام المتنافسين انتخابياً وفق اجتهاداتهم. فالمعيار هو الالتزامات والقرارات بشأن الحرب والاستيطان والسيطرة والحقوق.

على الجانب الفلسطيني، يطرح تأجيل الانتخابات إلى سبتمبر 2027، في ظل الاستناد إلى العوائق الإسرائيلية والظروف الميدانية والإنسانية، مسؤولية منع تحوّل التأجيل إلى تمديد للجمود. فالعوائق الحقيقية لا تعفي القيادة والفصائل من العمل لتجاوزها، ولا تحمي الشرعية من التآكل حين تغيب المشاركة والمساءلة والإنجاز.

المطلوب برنامج معلن لفترة التأجيل، بجدول زمني ومؤشرات متابعة، يتضمن حواراً وطنياً حول أهداف المرحلة ووسائلها، وإصلاح منظمة التحرير والسلطة، وضمان الحريات، وتوسيع مشاركة الشباب والنساء، وإعداد ضمانات انتخابية تشمل القدس والضفة وغزة، بالتوازي مع حماية الوجود الفلسطيني والإغاثة والإعمار.

وتضيف دراسة المكانة الدولية مهمة أخرى، تتمثل في تحويل التضامن إلى مطالب وقرارات عملية، عبر توثيق مهني وعمل قانوني ودبلوماسي منظم، وربط حماية المدنيين والمساءلة بحق تقرير المصير. فلا يكفي تراجع صورة إسرائيل إذا لم يُترجم إلى حماية الفلسطينيين وتغيير واقعهم.

الخطر أن تنتهي الانتخابات الإسرائيلية إلى تغيير الأشخاص مع استمرار السياسات، وأن ينتهي التأجيل الفلسطيني إلى استمرار الأشخاص من دون تجديد السياسة والمؤسسات. ومواجهة ذلك تبدأ ببناء برنامج فلسطيني مستقل، يجعل الشعب صاحب إرادة وتمثيل ومبادرة، وقادراً على تحويل التحولات المحيطة به إلى تقدم نحو الحرية والاستقلال.

شاركها.