يواصل الثنائي ترامب ونتنياهو حربهما ضد النظام الإيراني باستخدام ترسانة ضخمة من الأسلحة التي تتسبب في موت الآلاف وتشريد ملايين البشر وتدمير البنى المدنية للمجتمع الإيراني، والمجتمع اللبناني بعد تدمير المجتمع الفلسطيني.  هذه الحرب استهدفت أيضاً منظومة القيم المستخلصة من الحربين العالميتين وفي مقدمتها القانون الدولي الذي أصبح مجرد ذكره يبعث على التندر، وقد مضى على التنكر له ودوسه من قبل الضواري عقوداً طويلة، الى أن أصبح فريسة سهلة ويكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة. الآن وفي حرب الإبادة والتطهير العرقي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي الحرب على لبنان، تسود لغة المصالح وشريعة الغاب والقوة المنفلتة من الضوابط، فتعاقب الشعوب بالقتل الجسدي والمعنوي وبالتجويع والحصار والتدمير والتشريد وبانعدام الأمل في أي مستوى من العدالة.
في هذه الحرب لا ينبغي إغفال ميزان القوى كماً ونوعاً في مجالات الأسلحة والتكنولوجيا والاستخبارات والاقتصاد والقواعد والأساطيل. في هذا المجال لا أحد يستطيع إنكار التفوق الأميركي الإسرائيلي النوعي، سوى الذين يُحَكِّمون الأيديولوجيا والعاطفة والرغبة في رؤيتهم لميزان القوى على العقل والواقع. ما يجري على الأرض الإيرانية وبمستوى أقل على الأرض اللبنانية من تدمير للبنية التحتية المدنية والاقتصادية والعسكرية، ومن خسائر بشرية، يعكس الخلل الفادح في ميزان القوى، مع العلم ان ترامب ونتنياهو يكذبان في عرض إنجازاتهما، فقد سبق لهما وقالا إنهما دمرا وأزالا الخطر النووي الإيراني والتهديدات الوجودية قبل 6 اشهر وانهما حققا انتصاراً تاريخياً سيظل ساري المفعول لأجيال قادمة. ثم أعلنا هذه الحرب لتحقيق الأهداف المحتفى بتحقيقها بعد نصف عام.  ولا تلغي الخسائر التي ألحقتها إيران بمواقع أميركية وإسرائيلية معادلة الاختلال الفادحة والمعروفة النتائج. إن امتلاك إيران لترسانة صواريخ باليستية متطورة ومتنوعة لا يكفي للردع او لتحقيق مستوى من التوازن في غياب سلاح جو ومنظومات دفاع  تتصدى للهجمات الجوية، الشيء نفسه ينطبق على السفن البحرية وحاملات الطائرات والغواصات الاميركية التي لا يضاهيها سلاح بحري إيراني.   
تتركز الحرب التي دخلت أسبوعها الثالث الآن على تكتيك زيادة تكلفة الحرب وأثمانها من خلال استهداف الطاقة وبنيتها التحتية ومنشآتها ومستودعاتها وطرق إمدادها. وقد أدى الاستهداف إلى ارتفاع أسعار الطاقة وأسعار السلع باطّراد وبمستوى غير مسبوق. هاجم الطيران الإسرائيلي مصفاة النفط وخزانات الوقود في طهران، وهاجم الطيران والسفن الأميركية جزيرة خرج الإيرانية التي تحوي أهم منشآت النفط الإيرانية. وهدد ترامب بتدمير البنية التحتية للطاقة الإيرانية وذلك بهدف السيطرة على سوق النفط العالمية.  
 مقابل ذلك هاجمت ايران مواقع انتاج الغاز والنفط الاستراتيجية في الخليج العربي، وهاجمت السفن المحملة بالوقود وهي تحاول عبور مضيق هرمز وهو من أهم الممرات لنقل النفط، ثم  قامت إيران بتفخيخه ما أدى إلى توقف الملاحة فيه. إن امتداد الحرب إلى الطاقة أفضى الى زيادة في أسعار البنزين والغاز بشكل حاد وإلى زيادة تكاليف التأمين على السفن 12 ضعفاً. ولم يسلم سوق النفط الأميركي من زيادة الأسعار برغم تباهي ترامب بوفرة النفط المنتج في أميركا. 
من يخسر أكثر؟ ومن يتراجع أولاً؟ لا شك في أن الطرف الأكثر خسارة هو النظام الإيراني وبخاصة بعد أن فتح جبهة من طرف واحد مع دول الخليج ودول عربية أخرى، وبعد أن زج حزب الله في المعركة بدون أي اكتراث بالتهديد الإسرائيلي باحتلال جنوب لبنان وتدمير مدنه وبلداته وقراه وتشريد سكانه وتفكيك وحدة المجتمع اللبناني وتهديد الدولة اللبنانية ودورها في توحيد لبنان الوطن والشعب. من المشكوك فيه أن يتراجع النظام الإيراني لتفادي مزيد من التدمير والتشريد وخسارة شعبه وشعوب المنطقة التي لم تكن من مصلحتها الدخول في حرب طاحنة مع غطرسة القوة الأميركية الإسرائيلية وهي في أعلى مستويات توحشها. هذا النظام المقيّد بعقيدة  خلاصية لا يتراجع، لأنه لا يكترث لخسارة شعبه ولحقه في تقرير شؤون الحرب والسلم، ولا لتدمير بنية البلد ولاقتصاده، ما يهمه فقط بقاء النظام في الحكم بأي ثمن  جرياً وراء عقيدته التي تشاركه بها فصائل المقاومة الإسلامية وفي مقدمتها حزب الله. 
مطلوب تراجع النظام الإيراني عن التدخل في شؤون دول وشعوب عربية ومحاولة السيطرة عليها من خلال تنظيمات مسلحة، التراجع عن زج لبنان في حرب مدمرة،  والتراجع عن ابتزاز دول الخليج العربية وإزالة التهديد المبطن لها الذي دفعها للاستقواء بالقواعد العسكرية الأميركية وبالاتفاقات الإبراهيمية، والتي ثبت أنها لا تؤمّن الحماية ولا تدافع عن بلدان الخليج التي تتعرض للهجمات الإيرانية، بل أصبحت عبئاً سياسياً واقتصادياً وأمنياً ثقيلاً عليها. والاهم مطلوب تراجع النظام الإيراني لشعبه والاعتراف بحرياته الخاصة والعامة وحقوق المواطنة، فالشعب الإيراني والشعوب العربية والإسلامية هي الضمانة الأكيدة لصد الأطماع الأميركية الإسرائيلية في الهيمنة والنهب. البداية تكون برفض وتحييد عقيدة القوة الساحقة. دائماً وأبداً كان توق الشعوب للحرية وتضامنها مع بعضها البعض أقوى من غطرسة المستعمرين.   
النظام الإيراني لم يتراجع، بل بادر الى استهداف أكثر المراكز والملاذات الاقتصادية قوة في العالم، والمس بميزة استقرارها الآمن في دول الخليج العربي. يعتقد النظام الإيراني أن إلحاق خسائر كبيرة بهذا المركز التجاري العالمي يزيد الخسائر الأميركية ويضغط على إدارة  ترامب من أجل وقف الحرب. ولم يدُر بخلد النظام الإيراني أن استهداف هذا الملاذ الآمن، يهدد بالدرجة الأولى اتفاقات التجارة الإيرانية الخليجية التي شكلت المنفذ الأهم والأكبر لإيران المحاصرة بكم هائل من العقوبات، والأخطر ان ترامب ونتنياهو سيوظفان عدم الاستقرار والتهديد الذي تتعرض له دول الخليج ويؤدي الى هجرة الشركات ورؤوس الأموال بعيداً عنها، في تعزيز القواعد والمعاهدات ومحاولة إرساء تحالف جديد يكرس المصالح الأميركية الإسرائيلية في الخليج العربي. لم يكن هذا محض تحليل، بل ثمة محاولات أميركية إسرائيلية لزج دول الخليج في الحلف الأميركي الإسرائيلي وحربه للسيطرة على إيران وإعادة بناء شرق أوسط جديد. 
في غياب الحراكات والاحتجاجات الشعبية، وفي غياب نشاط القوى المناهضة للحروب والهيمنة والنهب، وفي غياب معارضة إيرانية ديمقراطية ومستقلة تدافع عن الشعب الإيراني، ما تزال التدخلات الدولية لوقف الحرب ضئيلة. والسبب في هذا يعود إلى الامتناع عن الاصطفاف مع النظام الإيراني القامع لحريات شعبه والمدافع عن الاستبداد. قد تدفع الخسائر المتصاعدة التي تدفعها الشعوب وبخاصة الشعب الأميركي، وقد يدفع الاعتداء الإسرائيلي على لبنان الذي بدأ يتحول إلى احتلال، إلى احتجاجات شعبية تؤثر على مسار الحرب.

شاركها.