في منطقتنا، وبعد السابع من أكتوبر وما تبعه من حرب تتفرع إلى حروب، ويدخل على خطها كل فترة محارب جديد، اعتدنا أن نسمّي أي زيادة في منسوب العنف المستخدم، أو ظهور أشكال جديدة لعنف لم يكن موجوداً، بمسمّى «تغيير قواعد الاشتباك». الغريب أن من يطلق هذا المسمى هو الذي يتلقى الضربات وليس من قرر تغيير القواعد، إن كان فعلاً ثمة تغيير لها، أو إن كان الاشتباك أصلاً يخضع لقواعد محددة ومفهومة ويتم التوافق عليها ضمناً ومُسبقاً من قِبل الطرفين المتحاربين.
أعني أن محور الممانعة مُمثلاً، في بداية الحرب على الأقل، بـ»حماس» و»حزب الله»، هو من قام بصياغة هذا المصطلح، أو هو من قام بإدراجه ضمن الثقافة السياسية واللغة الإعلامية التي تصف العمليات الهجومية من طرف المعتدي، وهو إسرائيل، وكيفية الرد عليها، أو ضرورة تغيير هذه الكيفية في الرد من الطرف الذي تتم مهاجمته. وفيما بعد صار هذا المسمى دارجاً في اللغة المستخدمة من قِبل المؤسسات والهيئات الدولية كالأمم المتحدة وغيرها.
بمعنى آخر، وباستخدام لغة غير سياسية، فإننا نستطيع القول، إن الطرف الذي تعرض للضربات العنيفة يقول للطرف الذي يقوم بهذه الضربات: لم يكن هذا اتفاقنا. أي أن حدود القوة وحدود توزيعها لم يكن هكذا في أوقات سابقة فلماذا تقوم بتغييرها. وفي أحيان كثيرة، كان المحللون والناطقون باسم هذا المحور يلمّحون علانية برغبتهم في العودة إلى القواعد القديمة، على الأقل من أجل عدم توسيع رقعة الحرب، وللتحذير من أن هذا التغيير في القواعد يُنذر بالذهاب إلى حرب شاملة.
إذاً، هناك اعتراف بأن طريقة القتال تغيّرت، وهذا الاعتراف تحديداً هو ما يضع المعترفين في أزمة حقيقية يبدو أن لا نهاية لها. أزمة تتجاوز قصورهم في فهم ما يحدث لهم، إلى كارثية فهم ما يحدث في العالم ككل. فحين يتغيّر التاريخ فإن اللعبة بمجملها تتغير وبالتالي فإن الاشتباك كعنصر صغير من عناصر هذه اللعبة الكبيرة لا بد أن يتغير.
إذاً، هناك تغيير في قواعد اللعبة، واللاعبون هم من يقررون هذه القواعد بما فيها قرار من هو المخوّل أن يشتبك أصلاً، وانسجاماً مع أي حدود وقيود يجري اشتباكه. أقصد أننا نتعامل وكأن الطاولة ذاتها ما زالت موجودة وأن ما جرى هو مجرد تعديل على «المنيو» أو على دفتر الشروط والتعليمات، بينما الحقيقة هي أن الطاولة تم قلبها كلياً، ولا يصح مع هذا القلب أن نستمر في محاولة التوصيف بلغة مستمدة من القاموس الذي كان موجوداً على الطاولة القديمة؛ لغة قائمة على مصطلحات «الردع»، «التحالفات»، «توازن القوة»، «السيادة»، «الاشتباك» .. الخ، لأن هذه اللغة لم تعد تفعل شيئاً إلا إغراقنا أكثر وأكثر في الحيرة واليأس من أي إمكانية أو قدرة على التغيير.
ما أريد قوله هو أننا نعتقد ونتصرف بناءً على أن القواعد تغيرت، لكن الحقيقة أنه لم يعد هناك قواعد يمكن الرجوع إليها أو الاسترشاد بها أو حتى كسرها، ففي العالم الذي يتشكل أمامنا (وهو عالم تطرقنا في مقالات سابقة لميزاته وخصائصه الجديدة كعالم ممرات تجارية لا خرائط سيادة، وكعالم ينزاح بتسارع عن عالم الدولة القومية نحو عالم الشركات العابرة للحدود)، يتم فرض القواعد أثناء اللعبة نفسها، ولا يوجد شيء مكتوب مُسبقاً أو مُتفق عليه بين الأطراف ليتم القياس استناداً إليه.
إذا نقلنا هذا المنطق إلى ترامب وطبّقناه عليه وعلى طريقة إدارته للأمور السياسية والعسكرية، وحتى طريقة كلامه المبتذلة والفجة، وتصريحاته التي لا يمكن الإمساك بثوابت أو قرارات قطعية فيها، فإننا نستنتج (وليس بكثير من التسرّع) أن هذا الرجل لا يغير في القواعد والسلوك الدبلوماسي المتّبع، بقدر ما يمكن اعتباره هو شخصياً نتاجاً طبيعياً للتغيير الحاصل.
لتسهيل الأمر وجعل عناصره في المتناول المفهوم، يمكننا النظر إلى ترامب من زاوية «الحاكم كمدير تنفيذي» مقارنة مع نماذج أخرى سابقة أو حالية مثل بايدن بقدر ما، أو ماكرون في فرنسا كنموذج واضح المعالم، والذين يمكن بسهولة رؤيتهم من زاوية «الحاكم كرمز للدولة».
فبينما يحافظ النموذج الثاني على الأعراف، ويتصرّف ضمن إطار مؤسسي صارم حتى لو لم يعجبه ذلك، ويحافظ على احترام متبادل مع الحلفاء وعلى لغة خاصة مع الخصوم، فإننا نرى منطق العلامة التجارية ولغة الإعلان التلفزيوني تسيطر على النموذج الأول، أي ترامب.
ماكرون يتحدث بلغة الدولة كما عرفناها، وخطابه حتى حين يكون حاداً تجاه الخصوم يبقى محكوماً بمنطق النظام. وهو يبتعد قدر الإمكان عن تقديم نفسه أو بلده كلاعب منفرد، ويقوم عوضاً عن ذلك بالنطق باسم أوروبا؛ بتاريخها وقيمها وتعقيداتها واتجاهات مستقبلها، وحين يتحدث عن الحرب يحاول أن يستمد مصطلحاته من لغة القانون الدولي، حتى لو كان هذا القانون يتآكل أمام انفلات من يمثلهم ترامب.
أما بالنسبة لترامب فهو لا يعترف، بل لا يفهم منطق القداسة النسبية الكامن خلف هذه المصطلحات، والمُستمدة، أولاً وأخيراً، من قدسية عناصر الدولة القومية. ففي خطابه يختفي كل ذلك ويحل محله لغة السوق: من يربح ومن يخسر، من يدفع ومن يأخذ. وهذه لغة تنعكس على منطق التعامل مع الجميع بلا استثناء، فبالنسبة له لا يوجد حلفاء بقدر ما يوجد منافسون يجب الضغط عليهم، ولا توجد اتفاقيات دولية بقدر ما توجد صفقات سابقة غير عادلة لا بد من تصحيحها.
في هذه المعمعة التي تختار منطقتنا كساحة أولى لصراع عالم جديد مع عالم قديم، وفي مجتمعات لم تستطع فيما مضى أن تندمج مع فكرة الدولة القومية أو الوطنية كمؤسسة حاكمة، وهي بالقطع لا تستطيع الاندماج مع السوق العالمي وعناصر قوته ومنطقه الجديد إلا كمصدر للسلع الخام. وبين نُخب سياسية وثقافية تعتقد أن خسارة إيران سيُمهّد الساحة لتمدد إسرائيل، أو العكس، ودون أن يكون لها مشروعها الخاص أو قوتها الذاتية التي تستطيع إجلاسها على طاولة المتحاربين أو المتفاوضين، أين يجب أن نجلس؟
سنحاول الإجابة في المقال القادم.

شاركها.