باريس/سما تستعيد رواية “مون تايغر” للكاتبة البريطانية بنيلوبي لايفلي مكانة مرموقة في الأوساط الأدبية الفرنسية اليوم بفضل ترجمة جديدة للمترجم بول غيفارش، بعد أن ظلّت منسيةً لأكثر من ثلاثة عقود. فعندما نُقلت الرواية إلى اللغة الفرنسية للمرة الأولى سنة 1989 تحت عنوان “ثعبان القمر”، لم تلقَ آنذاك سوى استقبالٍ باهتٍ من الوسط الأدبي، واختفت من المشهد الثقافي الفرنسي طيلة ما يزيد عن 30 سنة.
التفارقة الحقيقية أن الرواية الفائزة بجائزة “بوكر” لم يتغير منها حرف واحد؛ لكن الذي تبدّل هو اللغة الناقلة لها والوعي الأدبي بقيمتها. تشير مجلة “ليفر إيبدو” المتخصصة في شؤون النشر إلى أن النص نفسه ظل معروفاً كعمل مهم، لكن ترجمته الأولى فشلت في إيصاله إلى القارئ الفرنسي بالطريقة التي يستحقها. الترجمة الأولى حملت توقيع ريمون لاس فيرنيا، وهو عالم متمكّن من الأدب الإنجليزي، لكن أسلوبه الكلاسيكي الأنيق والرصين لم يكن ملائماً لنقل صوت امرأة لاذعة وحادة كشخصية كلوديا هامبتون، بطلة الرواية. انزلقت الحدّة والسخرية الموجودة في النص الإنجليزي الأصلي عند الترجمة، وحلّ محلّها نثر مصقول لا جرح فيه.
أضافت دار النشر “ستوك” عاملاً آخر ساهم في تهميش الرواية: اختيار عنوان “ثعبان القمر” بدل الاسم الأصلي “مون تايغر” (Moon Tiger)، وهو الاسم التجاري لفافة طاردة للبعوض تتآكل ببطء. باختيار صورة شعرية غامضة على حساب المعنى الأصلي، ضاعت الاستعارة الأساسية التي يقوم عليها الكتاب: استعارة الحياة التي تتآكل في صمت. الطريقة التي قُدّمت بها الرواية سنة 1989 أيضاً أسهمت في تهميشها؛ عرّفها الناشر بوصفها تأملاً أنيقاً في “مسألة الزمن” وتمريناً أسلوبياً بارعاً، متجاهلاً أنها شهادة امرأة عن قرن كامل ومحرّماتها.
الترجمة الجديدة من بول غيفارش غيّرت كل شيء. تصف الناقدة ماري فوكيه في “ليفر إيبدو” الكتاب بأنه “فخم”، وتعتبر بناءه “حكاية لولبية” يدور فيها السرد حول نفسه. في مجلة “كولاترال” الأدبية، وصفت إحدى القراءات الحديثة شخصية كلوديا بأن لها “حضوراً لا يُصدَّق”، وأن قصة الحب المؤجلة إلى آخر الكتاب هي التي “تشحن الرواية بالكهرباء” وتفتح فيها فجوات تتسلل منها “شمس القاهرة”.
هذه الظاهرة ليست خاصة برواية لايفلي. النظري الفرنسي أنطوان بيرمان أشار في بحث تأسيسي نُشر سنة 1990 إلى مفارقة جوهرية: النصوص الأصلية لا تشيخ، لكن ترجماتها تشيخ. من هنا خلص إلى أن الترجمة عملية لا تكتمل من المرة الأولى، وأن إعادة الترجمة وحدها قادرة أحياناً على بلوغ ما فات الترجمة الأولى. المترجم والناقد الفرنسي بول بنسيمون وضع تمييزاً استقرّ كمرجع في هذا الباب: الترجمة الأولى تعريفٌ قبل كل شيء، تُدخل كاتباً مجهولاً إلى ثقافة جديدة بتخفيف غرابته. الترجمة الثانية تأتي وقد صار الكاتب معروفاً، فتتحرر من عبء التعريف وتنصرف إلى ما في النص من خشونة وخصوصية أسلوبية. سُمّيت هذه الفترة بـ”عصر إعادة الترجمة”.
أمثلة لا تُحصى توضّح هذه الظاهرة. المترجم الفرنسي أندريه ماركوفيتش أقنع ناشر دار “أكت سود” بإعادة ترجمة أعمال دوستويفسكي الكاملة، فأعاد ترجمة “المقامر” سنة 1991 و”الجريمة والعقاب” سنة 1996. ماركوفيتش أعاد الروائي الروسي متلعثماً خشناً متوتراً كما هو في لغته الأم، بعد أن كانت الترجمات السابقة تنعّمه وتجمّل عباراته. كانت العملية تعريفاً جديداً بكاتب ظنّ الفرنسيون أنهم قرأوه. الأمر ذاته حدث مع “الجبل السحري” لتوماس مان: ظلّ الفرنسيون يقرأونه منذ 1931 في ترجمة موريس بيتز، حتى قدّمت كلير دو أوليفيرا سنة 2016 ترجمة جديدة استغرقت خمس سنوات، استعادت سخرية الرواية وجرأة حواراتها، ونالت جائزة “جول جانان” من الأكاديمية الفرنسية.
عندما دخلت أعمال إف. سكوت فيتزجيرالد الملكية العامة في فرنسا سنة 2011، ظهرت ترجمتان منافستان لـ”غاتسبي العظيم”. واحدة للروائية جولي فولكنشتاين أثارت جدلاً بإفراطها في المعاصرة، والأخرى لفيليب ياوورسكي في سلسلة “لابلياد” اعتبرتها أوساط نقدية واسعة أفضل ترجمة للرواية على الإطلاق. لخّص ياوورسكي المسألة بعبارة نسبها إلى بروست: الكتب الجميلة كلها مكتوبة بلغة أجنبية نوعاً ما، وهذه اللغة، لا اللغة الأصلية، هي ما ينبغي نقله.
الترجمة الثانية ليست أفضل لأنها جاءت بعد الأولى فحسب، بل لأنها تُصغي إلى النص بعد أن هدأت ضجّة استقباله الأول، فترد إليه ما ابتلعته العجلة أو هذّبته الذائقة. هذا ما حدث لـ”مون تايغر”: لم تُكتب من جديد، لكنها وجدت أخيراً اللغة التي تليق بها، والقارئ الذي يعرف كيف يُصغي لها.
