في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها الضفة الغربية، لم يعد بالإمكانتفسير ما يجري باعتباره سلسلة من الأحداث المتفرقة أو ردود أفعال فردية، بلبات واضحاً أنّ هناك نمطاً ممنهجاً من اعتداءات جيش الاحتلال والمستوطنينيتشكل ضمن بيئة سياسية وقانونية حاضنة له. 

وبينما تكشف الشهادات الإعلامية الأخيرة، بما في ذلك حادثة الاعتداء علىطاقم شبكة CNN واعترافات عدد من جنود الاحتلال وتبريرهم أنّ هذا الاعتداءتم بدوافع انتقامية، عن ملامح خطاب وسلوك ميداني يتسم بالنزعة الانتقامية، تؤكد المعطيات الميدانية الرسمية تصاعداً خطيراً في وتيرة الانتهاكات. 

وفي هذا السياق، يقدّم مدير عام دائرة التوثيق والنشر في هيئةمقاومة الجدار والاستيطان أمير داوود، قراءة تفسيرية لهذا المشهد، يربطفيها بين تصاعد هذه الاعتداءات وغياب المساءلة، وهو ما يشكل أساس هذاالتقرير الذي يدمج أيضاً أحدث بيانات الهيئة لرسم صورة أكثر شمولاً، معتقديم قراءة تحليلية للإجابة عن أسئلة تتعلق بالحماية والحلول والدور الدولي.

تحولات نوعية في بنية الاعتداءات

يرى أمير داوود أنّ ما يجري في الضفة الغربية يعكس تحولات عميقة فيطبيعة الاعتداءات، مشيراً إلى أنّ “ثقافة الانتقام والحلول الفردية بدأت تتغلغلبشكل كبير داخل جيش الاحتلال”، وهو ما انعكس، بحسب قوله، على سلوكالجنود في الميدان.

ويوضح داوود أنّ العلاقة بين الجيش والمستوطنين لم تعد علاقة منفصلة، بلباتت قائمة على “تبادل وظيفي” في تنفيذ السياسات، حيث يعمل الطرفانضمن سياق واحد يخدم الأجندات الكبرى. هذا التداخل، كما يصفه، يجعل منالصعب النظر إلى اعتداءات المستوطنين بمعزل عن دور المؤسسة العسكرية، وهو ما يعزز، في قراءتي، من فهم ما يجري كمنظومة متكاملة لاكحوادث فردية.

تصاعد الأرقام ودلالاتها الميدانية

تعكس البيانات الصادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان حجمالتصعيد بشكل واضح، حيث أعلنت الهيئة أنّ المستوطنين نفذوا 443 اعتداءخلال شهر واحد فقط وهو شهر آذار الماضي، ما أسفر عن استشهاد 9 فلسطينيين وتهجير 6 تجمعات بدوية. 

وتوضح الهيئة أنّ موجة هذه الاعتداءات أدت إلى تهجير قسري طال 58 عائلةتضم 256 فرداً، بينهم 79 امرأة و166 طفلاً، في مؤشر خطير على استهدافالبنية المجتمعية الفلسطينية.

كما تشير المعطيات إلى محاولات إقامة 14 بؤرة استيطانية جديدة، إلى جانبتنفيذ 123 عملية تخريب، و18 اعتداء تسببت في إشعال حرائق في ممتلكاتالمواطنين، فضلاً عن 3 اعتداءات طالت أماكن دينية.

ولا يتوقف التصعيد عند هذا الحد، إذ تذكر الهيئة أنّ سلطات الاحتلالأصدرت خلال الفترة ذاتها 12 أمراً عسكرياً لوضع اليد على نحو 225 دونماً من أراضي المواطنين، لأغراض عسكرية، إلى جانب 27 أمراً لإزالة الأشجارعن مساحة 1391 دونماً في عدة محافظات. 

وفي هذا الإطار، يؤكد داوود أنّ هذا التصعيد لا يتوقف عند حدود الأرقام، بليعكس تحولاً نوعياً في طبيعة هذه الاعتداءات، حيث أصبحت أكثر تنظيماً وخطورة، وهو ما يشير، في تقديري، إلى سياسة ممنهجة تهدف إلىفرض وقائع جديدة على الأرض.

غياب الحماية: من يحمي أبناء شعبنا؟

يؤكد داوود أنّ شعبنا “لا يتعرض لهجوم من مستوطنين أفراد ومعزولين، بل منمنظومة جُنّدت لها كافة الإمكانيات”، في إشارة إلى الدعم المؤسسي الذي تقفخلفه هذه الممارسات. 

وفي ظل هذا الواقع، يشير إلى أنّ المؤسسات الرسمية الفلسطينية تعمل علىتعزيز لجان الحماية المحلية، رغم محدودية إمكانياتها، إلى جانب تطوير آلياتالإنذار المبكر لرصد تحركات المستوطنين ومحاولة إفشال مخططاتهم. 

ويعتبر داوود أنّ هذه الأدوات، رغم أهميتها، تبقى غير كافية أمام حجمالتحدي، وهو ما يعزز الانطباع بأنّ الفلسطيني يواجه منظومة اعتداءاتمتكاملة بأدوات حماية محدودة، في ظل غياب تدخل فعلي يوفر له الأمان.

تفكيك بيئة الإفلات من العقاب: مدخل الحل

يضع داوود جوهر المشكلة في “البيئة المتحررة من المساءلة والعقاب” التيوفرتها دولة الاحتلال، موضحاً أنّ هذه البيئة تم تكريسها عبر منظومة منالقوانين والقرارات التي تمنح غطاءً لمرتكبي الانتهاكات. ويشدد على أنّ مواجهةهذه الظاهرة تتطلب تفكيك هذه البنية، من خلال التعاون مع المنظمات الدوليةالمختصة بمساءلة مرتكبي الجرائم، وتعزيز التوثيق القانوني المنهجي لضمانالمتابعة القضائية، إضافة إلى تعرية العلاقة بين الجيش والمستوطنين أمامالمجتمع الدولي. 

ومن خلال هذا الطرح، يتضح أنّ الحل لا يكمن في معالجة الأعراض، بل في استهداف البنية التي تنتج هذه الممارسات وتسمحباستمرارها.

الدور الدولي بين القدرة والغياب

يؤكد داوود أنّ الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يمتلكان القدرة على إنهاءهذه الظاهرة “إذا قرّرا التدخل بشكل جدي”، إلا أنّه يشير إلى أنّ مواقفهماخلال السنوات الماضية بقيت ضمن حدود التنديد والاستنكار، دون اتخاذخطوات عملية.

ويصف هذه المواقف بأنّها لم تتجاوز “التمارين الكلامية”، ما ساهم، في نظره، في استمرار الاعتداءات دون رادع. 

ومن خلال هذه القراءة، يتضح أنّ غياب الإرادة السياسية الدوليةيشكل أحد أبرز أسباب تفاقم الوضع، وهو ما يتقاطع مع انطباعيبأنّ عدم فرض كلفة حقيقية على هذه الانتهاكات ساهم في اتساعنطاقها.

آفاق إنهاء الظاهرة

وفيما يتعلق بإمكانية إنهاء هذه الظاهرة، يشير داوود إلى أنّ جيش الاحتلال”بإمكانه في وقت قصير وقف اعتداءات المستوطنين”، إلا أنّه لا يقوم بذلك؛ بسبب الترابط الوظيفي بين الطرفين، معتبراً أنّ ما ينفذه المستوطنون يأتيضمن مخططات أوسع. 

كما يرى أنّ التصريحات التي تدين هذه الاعتداءات لا تتجاوز كونها “إدانةخطابية لا تحدث أثراً”، وهو ما يعكس فجوة بين الخطاب والممارسة. 

وبناءً على ذلك، فإنّ إنهاء هذه الظاهرة، كما يظهر من المعطيات، يتطلب ضغطاً دولياً حقيقياً، ومحاسبة قانونية فعلية، وتفكيكاً للعلاقة البنيوية التي تربط بينمختلف مكونات هذه المنظومة.

في المحصلة، يقدم هذا التقرير صورة متكاملة لواقع يتسم بتصاعدخطير في اعتداءات المستوطنين، مدعوماً ببيئة قانونية وسياسيةتفتقر إلى المساءلة. وبينما تعكس الأرقام حجم المأساة على الأرض، تكشف تصريحات مدير عام التوثيق والنشر في هيئة مقاومةالجدار والاستيطان أمير داوود عن البنية العميقة التي تغذي هذهالظاهرة. 

وفي ظل محدودية أدوات الحماية المحلية وغياب تدخل دولي فاعل، يبقى الفلسطيني في مواجهة واقع معقد ومفتوح على مزيد منالتصعيد. إلا أنّ كسر هذه المعادلة يتطلب تحولاً حقيقياً في آلياتالتعامل مع هذه القضية، يبدأ بالمحاسبة ولا ينتهي عند توفيرحماية فعلية للمدنيين، وإلا فإنّ هذا المسار سيبقى مرشحاً للاستمرار والتفاقم.

شاركها.