رأت دراسة صادرة عن مركز أبحاث الأمن القوميّ الإسرائيليّ أنّ السعودية والإمارات، وإلى حدٍّ أقل قطر، تعتبر الذكاء الاصطناعيّ رصيدًا استراتيجيًا يمتلك القدرة على استبدال النفط والغاز في المستقبل كمصدرٍ للنمو الاقتصاديّ، واستقرار الأنظمة، والنفوذ العالميّ، والأمن.

وتابعت: “من خلال إنشاء مراكز حوسبة وبنية تحتية سحابية، وعقد شراكات مع عمالقة التكنولوجيا العالميين، وتدريب الكوادر البشرية، تسعى دول الخليج إلى السيطرة على جزءٍ كبيرٍ من إنتاج وتشغيل الذكاء الاصطناعيّ في العالم، بما يضاهي القوى الكبرى، مع بناء قدرةٍ تكنولوجيّةٍ مستقلةٍ”.

وأوضحت: “اعتماد دول الخليج على الرقائق الأمريكيّة، إلى جانب حاجة الولايات المتحدة والصين المتزايدة للكهرباء التي تستطيع دول الخليج توفيرها، يضعها في قلب المنافسة التكنولوجيّة والطاقة بين القوتين، ممّا يسمح لها باستغلال هذه المنافسة لاكتساب التكنولوجيا والنفوذ”.
أمّا بالنسبة لإسرائيل، فشدّدّت الدراسة على أنّ ” تعزيز دول الخليج يُقوّض بسرعةٍ مزاياها التاريخيّة، ولكنه يفتح أيضًا الباب أمام التعاون، الأمر الذي يتطلب استراتيجيّةً وطنيّةً للذكاء الاصطناعي واستثمارًا كبيرًا في رأس المال البشريّ”.
ومضت قائلةً: “يشكّل الصعود السريع لدول الخليج في مجال الذكاء الاصطناعيّ تحديًا غير مسبوق لتفوق إسرائيل التكنولوجيّ الإقليميّ، الذي اعتمد لعقودٍ على نظامٍ بحثيٍّ محدودٍ ولكنّه عالي الجودة، وقدرة دول الخليج على استقطاب الكفاءات العالميّة، بما في ذلك من إسرائيل، إلى جانب امتلاكها لبنيةٍ تحتيةٍ حاسوبيةٍ متطورةٍ على نطاق لا مثيل له في إسرائيل، تُسهم في تضييق فجوة الكفاءات البشرية في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات مقارنةً بإسرائيل، مما يُضعف الميزة النسبية لإسرائيل”.
ولفتت إلى أنّه “من المتوقع أنْ يُحوّل هذا التوجه تدفقات رأس المال من وإلى إسرائيل نحو الرياض ودبي، اللتين تُصبحان بشكلٍ متزايدٍ مركزين تنافسيين لـ (وادي السيليكون) في الشرق الأوسط، ويتفاقم خطر فقدان إسرائيل لتفوقها التكنولوجيّ بسبب الفجوة بين الاستراتيجيات الوطنيّة طويلة الأجل التي تبنتها دول الخليج الثلاث في العقد الماضي، وتأخر إسرائيل المستمر في صياغة استراتيجيّةٍ متعددة السنوات للذكاء الاصطناعيّ”.
وأشارت إلى أنّه “على الصعيد الأمنيّ، ستُمكّن البنى التحتية السيادية للذكاء الاصطناعيّ دول الخليج من تطوير قدراتٍ عسكريّةٍ واستخباراتيّةٍ متقدمةٍ، على مستوى كان حكرًا على إسرائيل في المنطقة، وسيُمكّن الذكاء الاصطناعيّ السياديّ قطر من تشغيل أنظمة تأثير أكثر تطورًا، ما يُحتّم على إسرائيل الاستعداد لحرب وعيٍ قائمةٍ على الذكاء الاصطناعيّ من منظورٍ عدائيٍّ”.
وحذّرت الدراسة من أنّه “إضافةً إلى ذلك الأهمية الجيوسياسية الأوسع لإسرائيل: إذ ستُمثّل الأصول المتنامية لدول الخليج في البنية التحتية والتكنولوجيا ثقلًا موازنًا للمزايا النسبية التي تتمتع بها إسرائيل في مجاليْ الاستخبارات والأمن السيبراني للولايات المتحدة، ما يُعزز مكانة دول الخليج كشريكٍ استراتيجيٍّ مُفضّلٍ لواشنطن”.
ونبهّت الدراسة من أنّ “هذا التوجه قد يُؤدي إلى مزيدٍ من تآكل مكانة إسرائيل التاريخيّة في المنطقة باعتبارها (طريقًا إلى واشنطن)، بل وقد يُلحق الضرر بالعلاقة الخاصّة بينها وبين الولايات المتحدة في حال تعارض مصالحها مع مصالح دول الخليج”.
وأردفت أنّه “من المتوقع أيضًا أنْ تبذل دول الخليج جهدًا مماثلًا في مجال الدفاع الجويّ، بهدف حماية البنية التحتية الحاسوبية في حال وقوع هجومٍ خارجيٍّ، وفي هذا السياق، تُعرف الخبرة الإسرائيليّة في هذا المجال جيدًا في الإمارات والسعودية، ممّا يُتيح فرصةً لتوسيع نطاق التعاون القائم”.
لذا، فإلى جانب التحديات، يُتيح صعود دول الخليج كقوى في مجال الذكاء الاصطناعيّ فرصًا لإسرائيل: إذ يُمكن أنْ يُسهم الاندماج الذكيّ في النظام التكنولوجيّ الإقليميّ المتنامي في تعزيز التعاون العلميّ والاقتصاديّ، والذي من خلاله يُمكنها العودة إلى مسارها الصحيح لتعزيز التطبيع”.
وشدّدّت على أنّ “صناعة التكنولوجيا المتقدمة الإسرائيليّة تُكمّل إلى حدٍّ كبيرٍ نظيرتها السعودية والإماراتية، فهي تفتقر إلى المرونة البيروقراطية والتنظيمية، والإدارة المركزية، والظروف المادية الملائمة، والاستثمارات الحكومية الضخمة، لكنها تتفوق فيما تفتقر إليه دول الخليج: رأس المال البشريّ، الابتكار، المبادرة، والقدرات البحثيّة، التي يمكن أنْ تُكمّل، بتناغمٍ، القوة الماليّة والبنية التحتية للسعودية والإمارات”.
“في الوقت نفسه”، أضافت، “ستفقد هذه المعادلة، التي شكّلت حتى الآن أساسًا متينًا للعلاقات بين إسرائيل ودول الخليج، أهميتها تدريجيًا مع تقدّم دول الخليج في تراكم المعرفة السيادية، وبالتالي فإنّ إسرائيل في سباقٍ مع الزمن للاستفادة القصوى من ميزتها النسبية ما دامت قائمةَ”.
واختتمت: “في ضوء ذلك، ينبغي على إسرائيل صياغة استراتيجيةٍ طويلة الأجل للذكاء الاصطناعيّ تُركّز على تنمية رأس المال البشريّ والحدّ من هجرة العقول، والاستفادة من مزاياها الحالية في البرمجيات والعلوم والتنظيم لبناء أطر تعاونٍ مع الإمارات، ومع السعودية قدر الإمكان في ظلّ غياب العلاقات الدبلوماسيّة، وتعميق الحوار الاستراتيجيّ مع الولايات المتحدة.”

شاركها.