في الحروب، لا تكون المعلومة أخطر ما في المشهد. الأخطر هو توقيت إخراجها، والغاية السياسية التي يراد لها أن تخدمها.

منذ أسابيع، اشرنا إلى أنه تتوالى من إسرائيل تسريبات عن تحركات إيرانية في المشروع النووي، بما يوحي بأننا لسنا أمام معلومات متفرقة، بل أمام بناء متدرج لرواية أو سردية تقول إن الحرب السابقة لم تُنهِ الخطر، وإن إيران استطاعت نقل أجزاء حساسة من مشروعها إلى مكان أكثر حصانة.

ما نشرته “وول ستريت جورنال”اليوم يضيف المعطى الأكثر دراماتيكية: تقديرات استخبارية إسرائيلية بأن إيران نقلت آلاف أجهزة الطرد المركزي، في خريف عام 2025، أي قبل الحرب الماضية لا هذه ،إلى أنفاق جبل الفأس قرب نطنز، في منشأة يُقدَّر أن أجزاءها تقع على عمق يتجاوز مئة متر تحت الصخور.

أهمية المعلومة ليست فقط في عدد أجهزة الطرد، بل في أمرين أخطر: متى نُقلت، وإلى أين نُقلت.

لقد جرى النقل قبل الحرب السابقة بأشهر، لا بعدها. أي أن إيران ربما دخلت تلك الحرب وقد وضعت بالفعل جزءًا مهمًا من قدرتها على التخصيب في مكان بالغ التحصين، وكانت إسرائيل والولايات المتحدة على الأرجح تعرفان أصل هذه المعطيات عندما اتُّخذ قرار الحرب.

أما المكان، فهو الذي يغير المعادلة.

إذا كانت آلاف أجهزة الطرد قد وصلت فعلًا إلى منشأة تقع تحت أكثر من مئة متر من الصخور، فإن إيران لا تكون قد أخفت معداتها فحسب، بل ربما تكون قد نقلت جزءًا أساسيًا من مشروعها النووي إلى مستوى جديد من الحصانة العصية على التدمير .

إسرائيل لا تملك ذخائر معروفة تضمن اختراق هذا العمق وتدمير ما فيه. وحتى الولايات المتحدة، التي تمتلك أقوى القنابل الخارقة للتحصينات، لا تملك قدرة معلنة تضمن تدمير منشأة مدفونة بهذا العمق تحت كتلة جبلية من الصخور.

يمكن ضرب المداخل، وقطع الكهرباء والاتصالات، وتدمير المنشآت السطحية وربما تعطيل الموقع فترة من الزمن. لكن هناك فارقًا استراتيجيًا هائلًا بين تعطيل منشأة وتدمير قدرتها النووية المدفونة في جوف الجبل.

وهنا تكمن دراماتيكية المعطيات فعلًا.

إذا صحت المعلومات، فإن الحرب السابقة لم تترك وراءها مجرد برنامج نووي إيراني لم يُحسم، بل برنامجًا قد يكون الجزء الأكثر حساسية منه قد أصبح أكثر حصانة أمام القوة العسكرية التقليدية، بما فيها القدرة الأميركية الخارقة للتحصينات.

وهذا يقود إسرائيل إلى مأزق استراتيجي جديد: إذا كانت القنبلة لم تعد تضمن تدمير المشروع، فهل يصبح إسقاط النظام الذي يديره هو الضمانة الوحيدة لتفكيكه؟

عند هذه النقطة يصبح النووي مرشحًا لأن يتحول إلى Casus belli (ذريعة حرب )لحرب أوسع.

قد تحاول إسرائيل إقناع دونالد ترامب بأن المشكلة لم تعد مجموعة منشآت يمكن قصفها، وإنما نظامًا استطاع أن ينقل قدراته الأكثر حساسية إلى أعماق يصعب الوصول إليها، ويستطيع مواصلة تشغيلها أو إعادة بناء ما يُدمَّر منها وبالتالي طريقه يبقى معبدا نحو القنبلة النووية متى أراد .

إذا اقتنع ترامب بهذه المعادلة، فإن هدف الحرب قد يتغير جذريًا: من ضرب البرنامج النووي إلى ضرب النظام القادر على إبقائه حيًا.

وفي سيناريو كهذا، يصبح استهداف رأس النظام وترتيبات الخلافة، بما فيها مجتبى خامنئي والحلقة القيادية المحيطة به، احتمالًا استراتيجيًا واردًا في حرب شاملة. ليس لأن هناك خطة معلنة بذلك، بل لأن منطق الحرب نفسه سيكون قد انتقل من تدمير المنشآت إلى تفكيك المنظومة السياسية والأمنية التي تحمي المشروع.

لكن هنا تظهر المفارقة التي يصعب تجاوزها.

كل ذلك، وفق التقدير المنشور، بدأ قبل الحرب السابقة.

آلاف أجهزة الطرد لم تُنقل ردًا على الحرب، بل في خريف 2025، قبلها بأشهر. وإذا كانت إسرائيل والولايات المتحدة تعرفان بذلك، فإن السؤال ليس فقط ماذا يوجد اليوم تحت جبل الفأس، بل لماذا تتحول معلومة كانت معروفة قبل الحرب السابقة إلى عنوان ملحّ لحرب جديدة؟

هذا هو السؤال السياسي الأهم.

الجديد قد لا يكون الخطر نفسه، بل توقيت إخراجه إلى المجال العام وتحويله من معلومة استخبارية إلى قضية تستدعي قرارًا.

نتنياهو يحتاج إلى إقناع ترامب بأن الحرب السابقة لم تحسم المسألة، وأن المشكلة أصبحت أصعب: ما كان يمكن ضربه بالأمس أصبح اليوم، أو كان أصلًا قبل الحرب، محميًا في عمق قد لا تصل إليه القنبلة بفاعلية مضمونة.

أما ترامب، فيعرف أن ضرب منشآت نووية شيء، والدخول في حرب هدفها إسقاط نظام شيء آخر تمامًا.

ثم هناك الداخل الإسرائيلي و صراع نتنياهو على البقاء.

نتنياهو يدخل مرحلة انتخابية حساسة بالتوازي مع سعي واضح لتعزيز سيطرته على الليكود. وقد أُدخل إلى قواعد الحزب مسار يسمح بتعيينه كامل قائمة المرشحين وبتجاوز الانتخابات التمهيدية إذا حالت الحرب أو القيود الأمنية على التجمعات دون إجرائها .

هذه الوقائع لا تثبت،بالضرورة، أن نتنياهو يريد إشعال حرب من أجل تأجيل الانتخابات أو إلغائها لكن السؤال يبقى واقعياً بناء على تجربة ثلاث سنوات لثلاث جبهات لم تحسم ، مكنته ، خلافاً للتوقعات، بإتمام الولاية القانونية للحكومة لاول مرة منذ نحو ثلاثين عاما والنموذج الناجح قد يعتمد مجددا : استدعاء الحروب.
لكن السياسة لا تسمح بتجاهل التوقيت.

فالحرب، إذا اندلعت، ستعيد ترتيب الأولويات داخل إسرائيل، وتضع العملية الانتخابية تحت ضغط الحالة الأمنية، وتمنح رئيس الحكومة مساحة استثنائية لإدارة الزمن السياسي والحزبي تحت عنوان الضرورة إلى حد الغاء الاستحقاق الانتخابي الذي يعد بخسارة نتنياهو .

وهكذا يلتقي جبل بعيد قرب نطنز بصندوق الاقتراع في إسرائيل.

إيران ربما نجحت، قبل الحرب السابقة، في وضع جزء بالغ الحساسية من مشروعها في عمق يصعب ضمان تدميره. إسرائيل تواجه اليوم حدود القوة العسكرية في الوصول إليه. ونتنياهو يحتاج إلى إقناع ترامب بأن المشكلة لم تعد بضعة آلاف من أجهزة الطرد تحت جبل، بل النظام الذي وضعها هناك ويستطيع تشغيلها وحمايتها وإعادة إنتاجها.

وهنا تكمن خطورة اللحظة.

ليس ضروريًا أن تكون ذريعة الحرب كذبة. قد تكون الوقائع صحيحة تمامًا.

لكن السؤال الذي يسبق الحرب دائمًا هو: لماذا تصبح المعلومة المعروفة بالأمس سببًا للحرب اليوم؟ وهل يلجم ترامب نتنياهو اليوم ، بعد أن جرّه مرتين للحرب على ايران بالأمس ؟!

شاركها.