مرّ عامان على الحرب التي بدّلت ملامح غزة وغيّرت حياة أهلها؛ حربٌ لا يمكن وصفها إلا بأنها فصلٌ من فصول الإبادة والتطهير العرقي، وما جرّته من موجات نزوح لم تهدأ. وعلى الرغم من مرور الوقت، فإن ما عاشه الناس من صدماتٍ ومشاهد لن يغيب عن الذاكرة مهما طال العمر، فقد فاقت فظائعها كلَّ ما يمكن أن يتصوّره العقل.

كنتُ أقيم مع عائلتي وأقاربي في خيمتي المتواضعة التي نصبناها في منطقة المواصي غرب خانيونس. هناك، ومع ساعات الليل الطويلة، كنتُ أستعيد في ذهني تفاصيل الأيام الأولى بعد معركة (طوفان الأقصى)، حين أُعلنت الحرب على غزة بأعنف ما تكون من قوة، وبسياسات دفعت الناس نحو التهجير القسري. كانت الإشارات الأولى توحي بأن على النازحين من شمال القطاع التوجّه إلى رفح جنوبًا، فازدحمت المدينة بمئات آلاف النازحين، وتكدسوا في بيوت الأقارب والأصدقاء، وامتلأت بهم الساحات والشوارع ومنطقة المواصي المحاذية للبحر، بحثًا عن ملاذٍ آمن.

كانت حركة النزوح مشهدًا إنسانيًا قاسيًا؛ عائلاتٌ خرجت بما استطاعت حمله، وأخرى لم تجد معها شيئًا. وفي حي (تلّ السلطان) بمدينة رفح تحديدًا، بذلنا كلَّ ما نملك لتقديم العون والمساعدة. اجتهد أهل الحي بكل طاقة وأمانة وإخلاص في أداء واجبهم الإغاثي والإنساني، بعدما تعاظمت أعداد النازحين وبدأت تصل إلينا موجات كبيرة منهم منهكين من الجوع والتعب.

تمكّن ابني “يقين”، بجهده وعلاقاته الخاصة، من جلب كمية من الأغطية والبطانيات من الهلال الأحمر الفلسطيني، إضافة إلى كابونات تموينية وشوادر لكثير من تلك العائلات في مربعنا السكني. وعلى عجل، أنشأنا مركز إيواء في منتزه البلدية المجاور لبيتنا، ثم أقمنا مطبخًا صغيرًا لإعداد الوجبات اليومية بدعم كريم من هيئة الإغاثة الإنسانية التركية (IHH). واستمرت هذه الجهود سبعة شهور كاملة، كانت خلالها الحياة تتأرجح بين الخوف والمسؤولية، إلى أن جاءنا التحذير بإخلاء رفح بالكامل، بما في ذلك حي (تلّ السلطان)، والانتقال إلى منطقة المواصي في خانيونس باعتبارها “منطقة آمنة”.

كانت تلك الصدمة قاسية عليّ؛ إذ شعرت أن كل ما بذلناه لإعانة الناس سيتحوّل فجأة إلى تجربة نزوح جديدة نخوضها نحن هذه المرة.

ومن الجدير ذكره أنني، قبل مغادرتي حي تلّ السلطان بشهر، كنت قد شرعت مع عدد من طلابي الجامعيين في توثيق حكايات النازحين الذين أقاموا بيننا؛ ممن أثّرت الصدمة في نفوسهم ورأيت أن شهاداتهم لا يجوز أن تضيع. بدأ الفريق تسجيل روايات المختارين منهم بالصوت والصورة، وتمكّنا من توثيق نحو خمسين شهادة قبل أن يجبرنا الجيش الإسرائيلي على مغادرة الحي والرحيل إلى منطقة المواصي بخانيونس.

وبعد أيام قليلة، جاءني خبر آخر لا يقل ألمًا؛ إذ أبلغني صديق بأن شقتي في حي الصحابة بغزة قد تعرّضت للقصف والتدمير، وأن معهد (بيت الحكمة) الذي كنت أرأسه قد دُمّر بالكامل، مع البرج الذي كان يحتضن مقره. تركتُ الحي كآخر المغادرين، ولم أحمل معي شيئًا من متاع البيت؛ لا ملابس ولا ألبومات ذكرياتي التي رافقت عمري كله. كان الأملُ بعودةٍ قريبة يخفف من وطأة الرحيل.

حين وصلت إلى منطقة المواصي مع إخوتي وبعض الأقارب، أدركت أن ما كان لدينا من خيام قد تم توزيعه على من سبقونا من الأهل. لم يكن معي خيمة، ولم يكن بوسعي أن أطلب شيئًا لنفسي قبل الآخرين. لجأتُ إلى صديق طلبتُ منه أن يتدبر لي خيمة صغيرة، فاشترى واحدة بمساحة (2×2 متر) تكفيني وزوجتي. ومع أن الأيام الأولى كانت صعبة، فإنني ظللت أقول لنفسي: كنتُ أخدم النازحين، وها أنا اليوم واحدٌ منهم… فالصبر هو الزاد، والإيمان هو السند.

وفي ظل غياب أي جهة تنظّم الحياة، كان الجيش الإسرائيلي وحده يرسل التحذيرات والتعليمات. تشاورت مع إخوتي حول كيفية دعم بعضنا بعضًا ومن معنا من أهلنا وأقاربنا. الضرورة وحدها كانت ترسم أولوياتنا، فبدأنا بإعداد مكان للطهي يخدم العائلة ومن حولها من الجيران. أصبحت مهمتي تأمين المواد التموينية وتوفير المال اللازم لتشغيل “التكية”.

كانت المهمة شاقّة، لكن أهل الخير خارج فلسطين لم يقصّروا، وكان للمؤسسات الإنسانية دورٌ مقدّر، وعلى رأسها “مؤسسة الفارس الشهم” الإماراتية، واللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، وهيئة الإغاثة الإنسانية التركية (IHH).

وحاولنا أيضًا إنشاء مدرسة صغيرة لأطفال المخيم؛ وقد تبرّع أصدقاء من الخارج بتكاليفها، لكن القيود المشددة على التحويلات المالية وارتفاع العمولات التي تجاوزت 40% أعاقت تطوّر المشروع واستمراره.

ثم جاءت مرحلة أكثر قسوة، حين توقفت شاحنات المساعدات القادمة من الجانب المصري، وارتبط دخولها بترتيبات أميركية عبر وسطاء فلسطينيين، انتهت—للأسف—إلى مشاهد مأساوية راح ضحيتها مئات الفلسطينيين عند نقاط التوزيع. وفي مخيمنا، الذي أطلقنا عليه اسم “مخيم منتزه النخيل (2) للنازحين”، فقدنا عددًا من الجيران والأهل الذين طالهم الرصاص أثناء محاولاتهم جلب المساعدات.

ومع اشتداد الحصار وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، لم يعد أمامنا سوى الاعتماد على المعلبات، رغم ما تفتقده من قيمة غذائية. ومع الوقت ظهرت آثار التعب والمرض على الجميع، فاضطررنا إلى زيارة المشافي الميدانية لإجراء الفحوصات وشراء الأدوية. كنت أدرك أن ما أصابني لم يكن بسبب نقص الغذاء فحسب، بل أيضًا بسبب الثقل النفسي الذي فرضته المعاناة اليومية، وفقدان الأحبة من كرام الناس وخيرة شباب الوطن.

وبرغم حاجتنا الماسة لشمس “اليوم التالي”، لم يكن يلوح في الأفق سوى حديث غامض عن “وصاية دولية” قد تأتي بلباس جديد من أشكال الهيمنة والاستحواذ على مقدّرات المنطقة.

ولكي أهرب من ثقل الأيام، أوجدت لنفسي مساحة للعمل. تركت إدارة “التكية” لمن أثق بهم، وانصرفت إلى كتابة مذكراتي؛ استعدتُ فيها طفولتي ودراستي في مصر، ثم سنوات عملي في الإمارات، ورحلتي إلى الولايات المتحدة لإكمال تعليمي والعمل في أحد مراكز الأبحاث بواشنطن. ودوّنت لقاءاتي مع رؤساء وشخصيات عربية وإسلامية ودولية كان لهم أثر في مسيرتي.

شعرت بشيء من الارتياح؛ فقد وجدت عملًا يشغل وقتي ويمنحني معنى. كنتُ أكتب المقالات، وأجري اللقاءات مع الفضائيات العربية والأجنبية، وأشارك أصدقائي جلسات النقاش التي نستعيد فيها ذكريات الزمن الجميل، ونتساءل عن حاضرٍ موجوع ومشهدٍ عالمي لا يرحم. ومع ذلك كلّه، كنا نحاول أن نفتح بابًا للأمل، مهما كان ضيقًا، رغم أن يوميات الحرب وصرخات الناس كانت تقول بوضوح: يا أهل غزة… لا مقام لكم في هذا الامتحان إلا بالصبر والصمود.

بهذه التجربة، ووسط هذا الخراب الممتد، تعلمنا أن النجاة ليست جسدية فحسب، بل روحية أيضًا؛ فالبقاء في هذه الأرض موقف، والصمود فيها رسالة، وتوثيق حكاياتها واجب أخلاقي ووطني للأجيال القادمة. ورغم النزوح والألم، تأتي هذه الأبيات كترياقٍ للوجع:

مهما توارى الحُلمُ في عيني وأرقني الأجَلْ …
ما زلتُ ألمحُ في رمادِ العمر شيئًا من أمَلْ

شاركها.