في تاريخ حركات التحرر الوطني، لم تكن القيادة يومًا مجرد موقع تنظيمي أو مكافأة على تاريخ نضالي طويل، بل كانت دائمًا تعبيرًا عن القدرة على قراءة اللحظة التاريخية وصياغة مشروع سياسي قادر على حماية القضية وإعادة إنتاج أدوات النضال بما يتناسب مع التحولات الكبرى. من هنا تكتسب انتخابات اللجنة المركزية في حركة فتح أهمية استثنائية، ليس فقط لأنها تعيد تشكيل البنية القيادية والمؤسسية للحركةوتحدد أسماء من سيقودها، بل لأنها ترسم شكل العقل السياسي الذي سيقود الحركة الوطنية الفلسطينية في مرحلة شديدة التعقيد والخطورة.

ففتح ليست تنظيمًا سياسيًا عاديًا أو عابراً يمكن التعامل مع قيادته بمنطق العلاقات الداخلية أو التوازنات التنظيمية المحدودة، بل تمثل، تاريخيًا وسياسيًا، العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية، والحاضنة الأساسية للمشروع الوطني الفلسطيني منذ انطلاقتها. وعلى امتداد عقود طويلة، لم تكن اللجنة المركزية مجرد إطار تنظيمي، بل كانت المؤسسة التي تصوغ رؤية الحركة، وتحدد طبيعة علاقاتها الداخلية والإقليمية والدولية، وترسم تصوراتها تجاه إدارة الصراع مع الاحتلال ومستقبل القضية الفلسطينية. وفي ضوء هذه المكانة، يصبح السؤال حول طبيعة القيادة ومعاييرها سؤالًا وطنيًا يتجاوز الحسابات الشخصية أو التنظيمية الضيقة. فهل يكفي لأي عضو يمتلك تاريخًا نضاليًا أو حضورًا تنظيميًا أن يترشح لعضوية اللجنة المركزية؟ أم أن طبيعة المرحلة تفرض معايير أكثر تعقيدًا ترتبط بالكفاءة الفكرية والخبرة السياسية والقدرة الاستراتيجية؟

إن طرح هذا السؤال لا ينتقص من قيمة التاريخ النضالي لأي مناضل، ولا يقلل من أهمية التضحيات الوطنية التي شكلت جوهر التجربة الفلسطينية، بل على العكس، فإن احترام هذا التاريخ يبقى قيمة وطنية وأخلاقية لا يمكن المساس بها. لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في الخلط بين شرعية النضال وشرعية القيادة السياسية في مرحلة تتطلب مستويات عالية من التفكير الاستراتيجي وإدارة الأزمات وإعادة بناء المشروع الوطني.

فالمشهد الفلسطيني اليوم يختلف جذريًا عن المراحل السابقة. نحن أمام تحولات عميقة في بنية النظام الدولي، وصعود غير مسبوق لليمين الإسرائيلي، وتراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية، وتحولات إقليمية معقدة، فضلًا عن أزمات داخلية فلسطينية تتعلق بالشرعية والانقسام ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني نفسه. وفي ظل هذه البيئة شديدة التعقيد، تصبح القيادة السياسية بحاجة إلى ما هو أبعد من الرمزية الثورية أو التاريخ التنظيمي.

إن عضوية اللجنة المركزية في حركة بحجم فتح يجب أن تُقرأ بوصفها موقعًا لإنتاج الرؤية السياسية لا مجرد موقع تمثيلي أو تكريمي. فالمطلوب ليس فقط مناضلين يمتلكون تاريخًا وطنيًا مشرّفًا، بل قيادات قادرة على:فهم التحولات الدولية والإقليمية، إدارة العلاقات السياسية والدبلوماسية،إنتاج خطاب سياسي وطني حديث، امتلاك أدوات التفاوض وإدارة الصراع، والتعامل مع التحديات الفكرية والسياسية التي تواجه القضية الفلسطينية.

لقد أثبتت تجارب حركات التحرر في العالم أن الشرعية الثورية وحدها لا تكفي دائمًا لقيادة المراحل المعقدة. ففي لحظات التأسيس قد تكون الرمزية النضالية عنصرًا حاسمًا في تعبئة الجماهير وتوحيدها، لكن في مراحل إعادة بناء المشروع الوطني وإدارة الصراع تصبح المعرفة السياسية والخبرة الفكرية جزءًا أساسيًا من عناصر القوة الوطنية. ومن هنا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في تعدد المرشحين أو اتساع دائرة التنافس، بل في احتمال تحوّل المواقع القيادية إلى مساحات للمحاصصة التنظيمية أو المجاملة التاريخية، بدل أن تكون مواقع لإنتاج استراتيجية وطنية قادرة على التعامل مع التحديات الوجودية التي تواجه الشعب الفلسطيني.

إن الحاجة إلى التغيير داخل حركة فتح لا ينبغي النظر إليه بوصفه إجراءبروتوكولي أو استحقاق تنظيمي داخلي، بل باعتبارها ضرورة وطنية تتجاوز حدود الحركة ذاتها. ففتح، ليست مجرد فصيل فلسطيني، بل العنوان الأبرز للنظام السياسي الفلسطيني الرسمي في امتداده العربي والدولي. ولهذا فإن أي اهتزاز في بنية فتح أو تراجع في قدرتها على التجدد وإعادة إنتاج قيادتها ورؤيتها السياسية لا ينعكس على الحركة وحدها، بل يمتد أثره إلى موقع القضية الفلسطينية داخل النظام الرسمي العربي والإقليم الدولي.

إن التغيير الحقيقي الذي تحتاجه فتح ليس مجرد تبديل أسماء أو إعادة توزيع مواقع، بل بحاجة إلى قيادات مركبة تجمع بين الشرعية الوطنية والكفاءة الفكرية والقدرة التنظيمية والحضور السياسي، لأن الحركة لا تواجه مجرد أزمة داخلية عابرة، بل تقف أمام سؤال يتعلق بمستقبل المشروع الوطني الفلسطيني كله. فالقضية الفلسطينية تمر بمرحلة إعادة تشكل عميقة، تتطلب عقلًا سياسيًا قادرًا على قراءة العالم الجديد، وفهم أدوات القوة الحديثة، وإعادة تعريف أشكال النضال والاتصال والعمل السياسي بما يحفظ الثوابت الوطنية ويمنع انزلاق القضية نحو مزيد من التهميش.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح داخل أروقة المؤتمر ليس: من يملك تاريخًا أطول؟ بل: من يمتلك القدرة على قيادة المرحلة القادمة؟فحركة حركة فتح لا تمثل نفسها ولا تواجه مجرد أزمة تنظيمية داخلية، بل تواجه تحديًا وجوديًا يتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية، وبقدرتها على إعادة إنتاج مشروع وطني قادر على الصمود والتأثير. فالأمم لا تُدار فقط بذاكرة الماضي، مهما كانت عظيمة، بل بقدرتها على إنتاج قيادة تفهم الحاضر وتصنع المستقبل.

شاركها.