لقد تبدى واضحًا بعد حرب الإبادة على قطاع غزة، أنه إذا سقط ميزان العدالة، لم يبقَ للضعفاء سوى صدى صرخاتهم، ولا للأقوياء سوى وهم الخلود.

ففي لحظات التحول الكبرى في تاريخ النظام الدولي، لا تُقاس الأحداث بحجم ما يجري على الأرض فحسب، بل بما تتركه من تصدّعاتٍ في منظومة القيم التي حكمت العلاقات بين الدول لعقود. وما نشهده اليوم—في ظل سياسات كلٍّ من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو—ليس مجرد انحرافٍ عابر، بل تحوّل عميق يُهدد ما تبقى من احترامٍ للقانون الدولي، ويضع أخلاقيات السياسة العالمية على حافة الانهيار.
لقد مثّلت مرحلة ترامب في الحكم، وما رافقها من قرارات صادمة—كاعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، والتغاضي عن سياسات الضم والاستيطان—إشارةً واضحة إلى أن الخطاب القيمي الذي طالما تباهت به الولايات المتحدة لم يعد سوى أداة انتقائية تُستخدم حين تخدم المصالح، وتُهمل حين تتعارض معها. أما نتنياهو، فقد ذهب أبعد من ذلك، حين أسّس لنهجٍ يقوم على شرعنة القوة بوصفها بديلاً عن القانون، وع لى تحويل الاحتلال إلى واقعٍ دائم لا يخضع للمساءلة.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ماذا أبقى هذان النموذجان من احترامٍ للقانون الدولي؟ وأي مصداقية بقيت لخطابٍ أمريكي يتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما تُرتكب الجرائم على مرأى العالم، دون رادعٍ أو مساءلة؟
إن ما نشهده ليس فقط ازدواجية في المعايير، بل إعادة تعريفٍ لمفهوم القوة في العلاقات الدولية، حيث لم تعد الشرعية تُستمد من القانون، بل من القدرة على فرض الأمر الواقع. وهنا، تتحول “العربدة السياسية” إلى سلوكٍ مقبول، بل ومكافأ أحيانًا، في ظل صمتٍ دوليٍّ مريب، وعجزٍ واضح للمؤسسات التي أُنشئت أصلًا لضبط هذا الانفلات.
فإذا انهارت منظومات مثل الأمم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية، وغيرها من الهيئات الحقوقية، فإن العالم لن يدخل مرحلة “اللا نظام” فحسب، بل سينزلق إلى فوضى مفتوحة، حيث تصبح القوة هي اللغة الوحيدة، ويغدو الضعفاء وقودًا دائمًا لصراعات لا تنتهي. إن هذه المؤسسات—على ما فيها من قصور—تمثل آخر ما تبقى من مظلةٍ أخلاقية تحاول أن تُبقي على حدٍّ أدنى من التوازن، وغيابها يعني إطلاق العنان لقانون الغاب.
وفي هذا السياق المتقلب، برزت إيران بوصفها لاعبًا استطاع—بحسب قراءاتٍ واسعة في الرأي العام العالمي—أن يعيد تشكيل صورته خارج الإطار التقليدي الذي صُوِّر فيه لسنوات. فقد نجحت، إلى حدٍّ ملحوظ، في كسب تعاطفٍ شعبيٍّ دولي من خلال إبراز مظلوميتها في مواجهة ما يُنظر إليه كتحالفٍ صهيوأمريكي ضاغط، وفي إظهار قدراتها على الصمود والثبات رغم العقوبات والضغوط. ولم يقتصر الأمر على البعد الرمزي، بل تجلّى أيضًا في قدرتها على الردّ السياسي والعسكري بشكلٍ محسوب، بما أعطى انطباعًا لدى قطاعات من الرأي العام بأنها قادرة على فرض معادلات ردع، ومخاطبة خصومها—وفي مقدمتهم نتنياهو—بمنطق الندية، إن لم يكن “الصاع صاعين”، وهو ما عزّز حضورها في معادلة التوازنات الإقليمية، وفرض على كثير من الفاعلين الدوليين إعادة النظر في كيفية التعاطي معها.
في ظل هذا المشهد، تتعاظم مخاطر “الإفلات من العقاب”، حيث لم يعد مرتكبو الجرائم يخشون محاسبة، بل ربما يجدون دعمًا سياسيًا أو حمايةً دولية. وهذا ما يهدد بتكريس سابقة خطيرة: أن الجرائم الكبرى يمكن أن تمرّ بلا عقاب إذا ما ارتُكبت تحت غطاء القوة أو بدعمٍ من قوى كبرى.
أما مستقبل القضية الفلسطينية، فيبدو أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. فمع صعود اليمين الصهيوني المتطرف في إسرائيل، وتراجع فرص الحل السياسي، تتعرض فكرة “حل الدولتين” لتآكلٍ متسارع. لم يعد الحديث عن دولة فلسطينية قابلة للحياة سوى شعارٍ دبلوماسي يُردَّد في المحافل الدولية، بينما تُقضم الأرض على نحوٍ يومي، وتُفرغ السلطة الفلسطينية في رام الله من مضمونها السياسي، لتتحول تدريجيًا إلى كيانٍ إداري محدود الصلاحيات، يفتقر إلى أدوات التأثير.
إن استمرار هذا المسار يضع الفلسطينيين أمام خيارات صعبة: إما إعادة تعريف مشروعهم الوطني بما يتجاوز الأطر التقليدية، أو مواجهة واقعٍ مفروض تُدار فيه حياتهم تحت سقف الاحتلال دون أفقٍ سياسي واضح. وفي كلتا الحالتين، فإن غياب العدالة الدولية، وتآكل النظام العالمي القائم على القواعد، سيجعلان من أي مسارٍ مستقبلي أكثر كلفةً وتعقيدًا.
ختامًا، لا يبدو أن العالم يتجه نحو نظامٍ أكثر عدالة، بل نحو مرحلة انتقالية تتسم بالاضطراب وإعادة التشكل. والسؤال الأهم ليس فقط: إلى أين يتجه العالم؟ بل: من يملك القدرة على إعادة الاعتبار للقيم التي ضاعت بين حسابات القوة ومصالح السياسة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مصير فلسطين وحدها، بل ملامح النظام الدولي بأسره في العقود القادمة.

شاركها.