لم يعد المشهد الخليجي كما كان في السابق؛ فمع تصاعد التوترات الإقليمية ومحاولات الدفع نحو مواجهة مفتوحة مع إيران، برزت حالة من الوعي السياسي المتقدم داخل دول الخليج، يمكن وصفها بـ”الصحوة الاستراتيجية”، عبّرت عن نفسها برفضٍ واضح للانجرار إلى حرب لا تخدم مصالح شعوب المنطقة، بل تُهدد استقرارها وتفتح أبواب الفوضى على مصراعيها.
هذه الصحوة لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج تراكم تجارب مع سياسات الهيمنة والتوظيف السياسي للصراعات، حيث أدركت النخب الخليجية أن كلفة الارتهان الكامل للقرار الأمريكي باتت أعلى من أي وقت مضى، وأن التحالفات التقليدية لم تعد توفر الضمانات التي طالما رُوّج لها. ومن هنا، بدأت أصوات خليجية وازنة تعبّر عن موقف أكثر استقلالية، يوازن بين ضرورات الأمن ومخاطر الانخراط في صراعات كبرى.
في هذا السياق، جاء حديث وزير الخارجية العماني بدر بن حمد البوسعيدي ليكشف بوضوح عن طبيعة المشهد، مؤكدًا أن الحرب لا ترتبط فعليًا بالملف النووي الإيراني، بل بأهداف أوسع تتعلق بإعادة تشكيل المنطقة، والدفع بمشاريع التطبيع، وإضعاف القوى التي تدعم قيام الدولة الفلسطينية. كما شدّد على أن سلطنة عُمان تتمسك بخيار الدبلوماسية، وترى أن استمرار الحرب سيُلحق أضرارًا جسيمة بالمنطقة والاقتصاد العالمي على حد سواء.
ولم تكن هذه الرؤية حكرًا على الموقف الرسمي العماني، بل وجدت صداها في مواقف شخصيات خليجية بارزة، من بينها الأمير تركي الفيصل، الذي وصف التصعيد بأنه “معركة نتنياهو”، في إشارة إلى الدور الإسرائيلي في دفع الولايات المتحدة نحو المواجهة، مؤكدًا أن دول الخليج كانت قد حذّرت واشنطن مسبقًا من مخاطر هذا المسار وتداعياته.
وفي السياق ذاته، عبّر الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني عن قلقٍ عميق من الانزلاق إلى حرب شاملة، مؤكدًا أن تجارب المنطقة تُثبت أن الحروب لا تُنتج حلولًا، بل تفتح أبوابًا طويلة من الفوضى وعدم الاستقرار، داعيًا إلى تغليب منطق الحوار وبناء منظومة أمن إقليمي قائمة على التفاهم.
أما الدكتور عبد الله النفيسي، فقد كان صريحًا في تحذيراته من الانخداع بالمظلة الأمنية الأمريكية، معتبرًا أن الاعتماد المطلق عليها لم يعد يضمن الحماية، بل قد يُحوّل دول الخليج إلى ساحات صراع، وهو ما يستدعي إعادة قراءة المصالح بعيدًا عن الإملاءات الخارجية.
ويأتي هنا ما طرحه المحلل الكويتي فهد الشليمي ليضيف بُعدًا مهمًا لهذا النقاش، إذ أشار بوضوح إلى أن القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج لا تقوم—كما يُروّج—بحماية دول المنطقة بقدر ما تعتمد هي ذاتها على بيئة الاستقرار التي توفرها هذه الدول. بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين عبّر عن خيبة أمل من محدودية الدعم الأمريكي، مؤكدًا أن واشنطن تُركّز في أولوياتها على حماية إسرائيل، بينما تُترك دول الخليج لمواجهة التحديات الأمنية بمفردها. وهي قراءة تعكس تحوّلًا لافتًا في فهم طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، وتفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول جدوى هذه الترتيبات الأمنية.
وفي زاوية أخرى، قدّم رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور خطابًا يعكس روحًا مختلفة، تقوم على الدفاع عن نموذج التنمية والاستقرار في الخليج، مؤكدًا أن دول المنطقة ليست أدوات في صراعات الآخرين، بل مشاريع بناء قائمة على العمل والانفتاح والتنوع، وهو ما يعزز فكرة أن الحفاظ على المكتسبات التنموية يتطلب تجنب المغامرات العسكرية.
لقد انكشف، مع تصاعد الأحداث، أن جزءًا من الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة يرتبط بحماية إسرائيل وتأمين تفوقها، أكثر مما يرتبط بأمن دول الخليج. وهو ما يفسر حالة التردد، بل والرفض، التي أبدتها العديد من العواصم الخليجية تجاه الانخراط في أي عمل عسكري مباشر.
في المحصلة، يمكن القول إن محاولات توريط الخليج في الحرب على إيران لم تحقق أهدافها، بل جاءت بنتائج عكسية، حيث أسهمت في تعزيز هذا الوعي الجماعي بخطورة هذه السياسات، ودفع دول المنطقة إلى تبني مواقف أكثر توازنًا واستقلالية. إن الخليج اليوم لا يبحث عن حرب، بل عن استقرار؛ ولا يريد أن يكون وقودًا لصراعات الآخرين، بل شريكًا في صناعة السلام. وتلك، في زمن الاضطراب، هي الحكمة بعينها.

شاركها.