كثر الحديث في الأسابيع الأخيرة عن الانتخابات الفلسطينية، ولم يعد الأمر مجرد حديث عابر عن استحقاق مؤجل منذ سنوات. ثمة حركة بدأت تظهر في المشهد؛ فصائل تتشاور، وأخرى تبحث عن تحالفات، وشخصيات ومستقلون يستكشفون فرصهم، وقوى سياسية تحاول إعادة ترتيب مواقعها قبل الوصول إلى صندوق الاقتراع. وكأن الجميع بدأ يدرك أن شيئًا ما قد يتغير في النظام السياسي الفلسطيني.

لكن المفارقة أن حركة فتح، وهي الحركة التي تمسك برأس النظام السياسي الفلسطيني، وتتحمل بحكم موقعها المسؤولية الأكبر عن مستقبله، تبدو أقل الأطراف استعجالًا في قراءة ما يجري. ليس المقصود هنا غياب الاجتماعات أو اللجان أو التحركات التنظيمية، وإنما غياب ذلك الشعور بأن المرحلة المقبلة قد لا تشبه ما سبقها، وأن الانتخابات، إذا جرت، لن تكون مجرد استحقاق تنظيمي يمكن التعامل معه بالأدوات القديمة ذاتها. المشكلة أن فتح قد تدخل الانتخابات وهي تنظر إلى ما تملكه، بينما ينظر الآخرون إلى ما يمكن أن يكسبوه.  تمتلك فتح السلطة، وحضورًا واسعًا داخل مؤسسات منظمة التحرير، وشبكة تنظيمية ممتدة، وتاريخًا سياسيًا لا يمكن تجاوزه. لكن الانتخابات لا تُحسم بما تملكه القوى السياسية من تاريخ ومؤسسات فقط، بل بما تستطيع إقناع الناس بأنها قادرة على تقديمه للمستقبل.

وهنا تبدأ المعضلة والتحدي الحقيقي. فالمجتمع الفلسطيني الذي قد يتوجه إلى الانتخابات المحتملة بنوفمبر القادم ليس هو مجتمع انتخابات عام 2006. غزة تغيرت بصورة تكاد تكون كاملة. حرب ودمار ونزوح وفقدان ومأساة إنسانية واجتماعية هائلة أعادت تشكيل أولويات الناس ونظرتهم إلى السياسة والفصائل والسلطة والمقاومة وحتى إلى فكرة الحكم نفسها. والضفة الغربية بدورها ليست الضفة التي عرفناها قبل سنوات. الاستيطان يتوسع، وعنف المستوطنين يتصاعد، والجغرافيا الفلسطينية تتعرض لمزيد من التفكيك، فيما تزداد المؤشرات على محاولات نقل السيطرة الإسرائيلية من صيغة الاحتلال العسكري المؤقت إلى أنماط أكثر رسوخًا من السيطرة المدنية والسياسية.

أي أننا قد نكون أمام انتخابات تجري فوق جغرافيا فلسطينية متحركة، وبين مجتمعين أنهكتهما تجربتان مختلفتان من المعاناة والقهر. في غزة سيكون سؤالها الحاضر: من يستطيع إخراجنا من الكارثة؟ وفي الضفة سيكون سؤالها المنتظر: من يستطيع منع الكارثة القادمة التي تتربص بها؟

وهذا الفارق بالغ الأهمية. لذلك فإن من يتعامل مع الانتخابات المقبلة باعتبارها منافسة تقليدية بين الفصائل قد لا يكون قد قرأ التحولات التي حدثت خلال السنوات الماضية. فالمزاج الفلسطيني تغير، والثقة بالفصائل تراجعت، والأجيال الجديدة لم تعد مرتبطة بالتنظيمات بالطريقة التي ارتبطت بها أجيال سابقة.

حتى حماس، التي تتحرك اليوم باتجاه الانتخابات وتبحث عن تحالفات واسعة، لا تفعل ذلك من الموقع الذي دخلت منه انتخابات 2006. فهي تأتي هذه المرة محملة بإرث سنوات طويلة من حكم غزة والانقسام، وبأسئلة ثقيلة حول الحرب ونتائجها وكلفتها ومستقبل سلاحها ودورها السياسي. لكن الفرق أن حماس تبدو مدركة لحاجتها إلى إعادة التموضع. وهي حين تتحدث عن ائتلاف واسع، فإنها لا تبحث فقط عن أصوات انتخابية؛ بل تحاول إعادة تعريف موقعها داخل النظام السياسي الفلسطيني بعد التحولات التي أصابت غزة والمنطقة.والفصائل الأخرى تفعل الشيء نفسه. كل طرف يحاول أن يجد لنفسه مكانًا في الخريطة المقبلة، لأن الجميع يدرك أن مرحلة ما بعد الحرب قد تعيد توزيع القوة والنفوذ والشرعية داخل الساحة الفلسطينية.

وهنا يصبح السؤال عن فتح أكثر إلحاحًا. هل تدرك الحركة أن امتلاك مؤسسات السلطة لا يعني بالضرورة امتلاك المجتمع؟ وهل تدرك أن الانتخابات المقبلة، إذا جرت فعلًا، قد تكون محاكمة سياسية لجيل كامل من النظام الفلسطيني، وليس مجرد منافسة على عدد من مقاعد المجلس التشريعي؟

فتح تحتاج اليوم إلى ما هو أكبر من تشكيل قائمة انتخابية. تحتاج إلى استعادة السياسة. تحتاج إلى خطاب يستطيع أن يخاطب الفلسطيني الذي خرج من تحت الركام في غزة، مثلما يخاطب الفلسطيني الذي يرى الأرض تتغير من حوله في الضفة. تحتاج إلى أن تفسر للناس ضعف حضورها السياسي خلال الإبادة، وماذا تريد أن تفعل في السنوات المقبلة، لا أن تكتفي بالحديث عما فعلته خلال العقود الماضية. وتحتاج قبل ذلك كله إلى أن تفهم أن أكبر منافسيها ربما لن يكون حماس، وإنما فقدان الثقة، بها وبقيادتها، وبأي برنامج يعيد إنتاج العناوين ذاتها بالشخوص ذاتها.

فبعد سنوات طويلة من غياب الانتخابات وتراجع الحياة السياسية، لم يعد السؤال لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين: فتح أم حماس؟ بل أصبح السؤال أكثر قسوة: هل ما زالت هذه القوى قادرة أصلًا على تمثيل المجتمع الفلسطيني الجديد؟ وهذا المجتمع الجديد الذي يتشكل الآن أمام أعيننا.يتشكل في مخيمات النزوح في غزة، وفي المدن والقرى والمخيمات في الضفة، وفي أوساط الشباب الذين عاشوا سنوات طويلة دون أن يشاركوا في انتخابات وطنية، وفي أوساط كفاءات وشخصيات فلسطينية لم تجد لنفسها مكانًا داخل البنى التنظيمية التقليدية.

لذلك فإن الانتخابات، إذا جرت، قد تفتح الباب أمام شيء يتجاوز إعادة توزيع المقاعد. قد تكون بداية إعادة توزيع الشرعية نفسها. وهنا تكمن خطورتها وأهميتها بالوقت ذاته. فالمستقبل الفلسطيني لن يُحسم فقط بمن يسيطر على غزة أو بمن يدير الضفة، وإنما بقدرة الفلسطينيين على إعادة بناء نظام سياسي واحد يستطيع أن يعيد وصل الجغرافيا بالمؤسسة والشرعية بالتمثيل. وإذا بقيت غزة مشروعًا سياسيًا منفصلًا، والضفة مشروعًا آخر، فلن تنقذنا الانتخابات مهما كانت نتائجها. أما إذا تحولت الانتخابات إلى مدخل لإعادة توحيد النظام السياسي، وإعادة بناء المؤسسات، وإدخال جيل جديد من الفلسطينيين إلى المجال العام، فقد تكون بداية خروج من واحدة من أطول أزمات السياسة الفلسطينية. وهذا بالضبط ما يجعل اللحظة الحالية أخطر مما تبدو عليه.

الفصائل تتحرك. التحالفات تُبحث. القوائم يجري التفكير فيها. والكل تقريبًا يحاول أن يحجز موقعه في اليوم التالي. أما فتح، فلا يكفيها أن تكون صاحبة السلطة كي تكون صاحبة المستقبل. فالسلطة يمكن أن تمنح القوة، والمؤسسة يمكن أن تمنح النفوذ، والتاريخ يمكن أن يمنح الشرعية الرمزية، لكن شيئًا واحدًا فقط يمنح القوى السياسية القدرة على البقاء: أن تشعر بما تغير في مجتمعها قبل أن يخبرها صندوق الاقتراع بذلك.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغل فتح اليوم ليس: كيف نفوز في الانتخابات؟بل سؤال أكثر أهمية: أي فتح نريد أن تدخل الانتخابات، وأي مشروع تريد أن تقدمه للفلسطينيين في غزة والضفة بعد كل ما جرى؟ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لحركة سياسية كبيرة ليس أن تخسر انتخابات. بل أن يتغير المجتمع من حولها، بينما تظل هي تتصرف وكأن شيئًا لم يتغير.

شاركها.