في السياسة، ليست كل انتخابات دليلًا على التغيير، كما أن تداول المواقع لا يعني بالضرورة مراجعة التجربة. فالانتخابات تكتسب مشروعيتها الحقيقية عندما تكون أداة للمحاسبة والتصحيح، لا مجرد آلية لإعادة توزيع المواقع داخل المنظومة نفسها. فالانتخابات التي تنتهي بإعادة إنتاج السياسات نفسها، بعد تجربة أثبتت كلفتها الباهظة، لا تُحدث تحولًا حقيقيًا، بل تمنح الماضي فرصة جديدة ليعيد إنتاج نفسه. من هنا، لا ينبغي النظر إلى نتائج انتخابات حركة حماس، التي انتهت بانتخاب خليل الحية رئيسًا للمكتب السياسي، بوصفها حدثًا تنظيميًا داخليًا فقط، وإنما باعتبارها مناسبة لطرح سؤال أكبر: هل جاءت هذه الانتخابات لمراجعة النهج الذي قاد إلى واحدة من أكبر المآسي في التاريخ الفلسطيني المعاصر، أم لتجديد الثقة به؟
لقد عرف العالم، بعد الحروب والأزمات الكبرى، أن أول ما تفعله المجتمعات والدول هو البحث عن المسؤولية. تُشكَّل لجان التحقيق، وتُراجع القرارات، ويُساءل أصحابها، ليس بدافع الانتقام، وإنما لحماية المستقبل من تكرار الأخطاء. فالمساءلة ليست عقوبة، بقدر ما هي شرط من شروط التعلم السياسي. أما عندما تتحول الانتخابات إلى وسيلة لتجاوز الأسئلة الصعبة، والهروب إلى الأمام، كما يبدو من نتائج انتخابات حماس، فإنها تفقد إحدى أهم وظائفها.
لقد دخل الشعب الفلسطيني واحدة من أكثر مراحل تاريخه مأساوية. ومهما اختلفت التفسيرات السياسية، يبقى سؤال المسؤولية مشروعًا، لأن حجم الكارثة لا يسمح بالتعامل معها بوصفها مجرد محطة عابرة في تاريخ الصراع. إن تحميل الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن الحرب وجرائمها، وهو أمر لا خلاف عليه من منظور القانون الدولي، ولكنه لا يلغي سؤالًا آخر لا يقل أهمية: هل خضعت القرارات الفلسطينية التي سبقت الحرب وأدارتها لأي تقييم أو مراجعة داخلية؟ فمسؤولية الاحتلال عن أفعاله شيء، ومسؤولية أي قيادة عن قراراتها شيء آخر، ولا تعارض بين الأمرين.
ولهذا، فإن الانتخابات التي تأتي بعد مأساة بهذا الحجم كان يُفترض أن تبدأ بالمراجعة قبل اختيار القيادة، وبالمساءلة قبل تجديد الثقة، وبطرح الأسئلة قبل توزيع المناصب. لأن المجتمعات التي لا تسأل قادتها بعد الكوارث، تفتح الباب لتكرارها.
لا يتعلق الأمر بشخص بعينه، ولا باسم الفائز أو الخاسر. فالأشخاص يأتون ويغادرون، أما النهج فهو الذي يبقى. وإذا بقيت الاستراتيجية، والأدوات، والخطاب، وطريقة اتخاذ القرار كما هي، فإن الانتخابات لن تكون سوى عملية لتبديل المواقع داخل البنية نفسها، لا لتغيير الاتجاه.
في السياسة، لا تُمنح الشرعية على أساس الصمود وحده، ولا على أساس القدرة التنظيمية وحدها، وإنما على أساس النتائج أيضًا. وفي التجارب السياسية الراسخة، كلما كانت الكارثة أكبر، كانت المساءلة أعمق. تُشكَّل لجان تحقيق، وتُراجع القرارات، ويُسأل أصحابها أمام الرأي العام، لأن الديمقراطية لا تبدأ من صناديق الاقتراع، بل من حق المجتمع في معرفة كيف اتُخذت القرارات التي غيّرت مصيره.
أما في الحالة الراهنة، والمتمثلة بانتخابات حماس، ورأينا الكثيرين من يتغنى بها، فإن الانطباع الذي تتركه الانتخابات مختلف. فبدل أن تكون بداية لمراجعة شاملة، تبدو أقرب إلى إعادة إنتاج القيادة التي كانت جزءًا من منظومة اتخاذ القرار خلال السنوات التي قادت إلى هذا الواقع. وهنا لا يتعلق الأمر بشخص القائد الجديد بقدر ما يتعلق بالسؤال عن المنهج. فإذا كانت القيادة الجديدة تضم شخصيات شاركت في صياغة الاستراتيجية السابقة، فأين هي المراجعة التي يفترض أن تسبق تجديد الثقة؟
إن المشكلة ليست في الأشخاص وحدهم، بل في غياب الاعتراف بأن حجم المأساة يستدعي مراجعة استثنائية. فلا يمكن لأي حركة سياسية أن تطلب من مجتمع دفع أثمانًا غير مسبوقة أن يكتفي بتغيير العناوين التنظيمية، بينما تبقى الأسئلة الكبرى بلا إجابات.أما حين يصبح بقاء النهج هدفًا بحد ذاته، فإن الانتخابات تتحول إلى أداة للحفاظ على البنية القائمة، لا لإصلاحها. كان من الطبيعي أن يسأل الفلسطينيون المكلومون: ماذا تعلمت الحركة من هذه الحرب؟ ما الذي ستغيره في رؤيتها السياسية؟ كيف ستتعامل مع مستقبل غزة؟ وما هي الدروس التي استخلصتها من التجربة؟ لكن هذه الأسئلة بدت أقل حضورًا من سؤال: من فاز بالقيادة؟
ولهذا، فإن السؤال الذي سيبقى حاضرًا، مهما تبدلت الأسماء، هو: هل كان من الأولى انتخاب قيادة جديدة، أم مساءلة القيادة التي كانت جزءًا من صناعة القرار في المرحلة التي انتهت بهذه المأساة؟فالانتخابات ليست مكافأة، إذا كانت القيادة الجديدة تتكون، إلى حد كبير، من شخصيات شاركت في رسم السياسات واتخاذ القرارات خلال المرحلة التي انتهت إلى هذه المأساة، فإن الانتخابات تبدو أقرب إلى تجديد الثقة بالنهج، لا إلى مراجعته. وفي مثل هذه الحالات، يصبح غياب المساءلة أكثر حضورًا من نتائج الانتخابات نفسها. فالأمم لا تتقدم بتبديل الوجوه، وإنما بتصحيح المسارات.
