بعد هزيمة عام 1967 كتب نجيب محفوظ رائعة من روائع مجموعاته القصصية تحت عنوان ( خمارة القط الاسود ) مُستلهِمًا من صدمة الهزيمة حالةَ العبث واليأس التي تسرَّبت إلى نسيج النص، لتصبح مرآةً تعكس أزمات الإنسان الفرد والجماعة تحت وطأة الهزيمة السياسية والوجودية.

خمارة القط الاسود كانت حكايةُ المكان الذي احتضن أشباح الهزيمة واسبابها فالهزيمة لا تنحصر في قوة الاخر بقدر ارتباطها بالاوضاع التى اوصلت للضعف .

في زقاقٍ ضيقٍ من أزقة القاهرة القديمة، حيث يختلط عبق التاريخ برائحة الخمر الفاسدة، تقف “خمارة القط الأسود” شاهدًا على عالمٍ موازٍ يلتقي فيه المنهزمون، العاشقون، والهاربون من قبضة الواقع. 

يدخل القارئ إلى هذا الفضاء الغامض عبر بابٍ خَشَبيٍّ مُتشقق، ليصطدم بأنفاس السكارى المتدلية مثل أطيافٍ تبحث عن خلاصٍ لن يأتي. هنا، حيث يتربع القط الأسود على عرشه المُطلِّ على الطاولات البالية، تبدأ الحكاية…  

تبدأ الأحداث بوصول رجلٍ غامض إلى الخمارة، يرتدي بلوفرًا أسود وبنطلونًا رماديًا غامقًا، يحمل في يده حقيبةً جلديةً باهتة. 

يَجلس في زاوية مُظلمة، يحدق في الزبائن بعينين لا تُظهران سوى البرود، بينما تنساب أصواتُ صراخٍ خافتة من الحقيبة، كأنها تنتمي إلى عالمٍ آخر. 

سرعان ما يلاحظ الحاضرون أن الباب الرئيسي للخمارة قد أُغلق، وأن ساقي الخمر، الذي كان يُنظف الطاولات بلُؤْمٍ معتاد، قد اختفى، ليحل محله صوتٌ مجهولٌ يهمس: “لن يغادر أحدٌ الليلة”.  

وسط هذا الحصار الغامض، تتداخل حكايات الزبائن مع حاضرهم المُرهق: هناك “المعلم حندس”، الرجل العجوز الذي كان يومًا زعيمًا للعصابة، والآن يروي بحسرة كيف خانته يداه فقتلت ابنه خطأً. 

بجواره تجلس “فردوس”، المرأة التي باعت جسدها لسنوات، وتحلم بطفلٍ لم تنجبه، بينما تشرب كأسًا تلو الأخرى كي تنسى أن الجسد الذي تحتكره السلطة لم يعد ملكًا لها. 

وفي الزاوية الأبعد، ينفجر “السيد بهجت”، المُدرس السابق، في ضحكةٍ هستيرية كلما تذكر كيف أُعدم تلميذه الأفضل بتهمةٍ سياسية، بينما نجا هو بالصمت.  

لكن القط الأسود، الذي يتحرك بين الأرجل كشبحٍ صامت، يبدو الوحيد الذي يَعرف الحقيقة الكاملة. 

عيناه المُتوهجتان تُراقبان كل حركة، وكأنه يحمل في ذاكرته أسرارَ كل من دخل هذا المكان. 

في لحظةٍ مُفاجئة، يقفز القط فوق طاولة الرجل الغريب، لتنفتح الحقيبة الجلدية وتَسقط منها صورةٌ بالية لامرأةٍ ميتة، كانت ذات يوم زوجة الرجل، انتحرت بعد أن فقدت أبناءها في الحرب. 

هنا، تبدأ الخيوط تتشابك: هل هذا الرجل هو شبحٌ من الماضي؟ أم هو قاضٍ سماوي أتى ليعاقب السكارى على ذنوبهم؟  

مع تقدم الليل، تتصاعد الأحداث بإيقاعٍ مَجنون: يَكتشف الزبائن أن الخمارة مُحاصرة من الخارج بقوةٍ غير مرئية، وأن الساعات توقفت عند منتصف الليل. 

تتحول النوافذ إلى جدرانٍ عمياء، ويختفي الخمر من الأقداح، ليحل محلَّه سائلٌ أسودٌ كالقطران. 

يحاول “المعلم حندس” اقتحام الباب بالفأس، لكن الفأس تذوب في الهواء، بينما تتحول “فردوس” إلى تمثالٍ من الملح حين تلمس النافذة. 

في هذه الأثناء، يَظهر الساقي القديم مجددًا، لكنه الآن يرتدي نفس ملابس الرجل الغريب، ويَهمس بكلماتٍ تُعيد الجميع إلى ذكرياتهم الأليمة: “كل واحدٍ فيكم سيبقى هنا حتى يعترف”.  

الاعترافات تتدفق كالسيل: يعترف “بهجت” بأنه شهد زورًا ضد تلميذه وانه السبب وراء اعدامه، ويعترف “حندس” بأنه تعمد قتل ابنه انتقامًا من زوجته، وتكشف “فردوس” أنها ألقت برضيعها في النيل خوفًا من الفضيحة. 

مع كل اعتراف، يختفي أحد الزبائن، تاركًا وراءه أثرًا من الغبار، بينما يزداد حجم القط الأسود، حتى يملأ الخمارة بجسده العملاق.  

في المشهد الأخير، يبقى الرجل الغريب وحيدًا مع القط، في حوارٍ صامت. تُفتح الأبواب فجأة، لتدخل أشعة شمس الصباح، لكن الخمارة تتحول إلى ركام، والزبائن إلى أسماء منسية في صحفٍ قديمة. 

يغادر الرجل الغربي حاملاً الحقيبة، بينما يتبع القط الأسود ظله في شوارع القاهرة، وكأن شيئًا لم يحدث… أو كأن كل شيءٍ حدث في عقلٍ جماعيٍّ منهك.  

 “خمارة القط الأسود” حكايةً عن ذاكرةٍ مُثقلة بالخطايا، حيثُ لا خلاص إلا بالمواجهة، ولا فضاء للهروب إلا في قاع الكأس الفارغة .

وفي الحالة الفلسطينية الحالية نحن لا نعاني من اثار هزيمة كتلك التى منينا بها في النكسة ، نحن نعاني من ” انكسار ” عميق كحالة ممتدة ونهاية طبيعية لزمن ” الوكسة” التى لاحق الفلسطيني بالملهاة والعبث بالمشهد الوطني وكل السنوات التى سبقت الابادة الجماعية في غزة .

لم يغادر ابطال زمن ” الوكسة ” المشهد وما زال هناك اصرار عنيد على انهم هم ” المشكلة والحل ” في آن واحد ويجد كلا منهم اعذار وقصة فيها شيء صغير من الحقيقة ، لا احد يعترف باخطائه ، والجميع يريد ان يصب البنيان الجديد على اعمدة متصدعة وكأننا نستشرق زمن قادم ” للانهيار الجمعي ” ، فكلهم حندس بطريقة ما ويخفي شيء اوصلنا لما نحن فيه .

المشهد الفلسطيني كله يعيش في خمارة القط الاسود الان لكن الرجل الغريب الذي يحمل الحقيبة السوداء التى تُجبر على الاعتراف لم يصل بعد ولم تُفتح ابواب الخمارة لتدخلها الشمس .

خمارة القط الاسود 

لؤي ديب

شاركها.