دعونا نفكر بصوت مرتفع، بعيدًا عن الانفعال والتخوين والاصطفافات الجاهزة، وبعيدًا أيضًا عن اللغة العاطفية التي تمنع أحيانًا القدرة على رؤية الواقع كما هو لا كما نتمنى أن يكون. فالقضايا الوطنية الكبرى لا تُدار بالشعارات وحدها، بل بالمراجعة والنقد وطرح الأسئلة المؤلمة مهما كانت قاسية ، لأن أخطر ما يمكن أن تصل إليه الشعوب في لحظات الكارثة هو أن تفقد قدرتها على مساءلة نفسها ومساءلة من يتخذون القرارات باسمها.
في غزة، يبدو المشهد وكأنه يدور داخل حلقة مغلقة. جولات تفاوض لا تنتهي، ووسطاء يتنقلون بين العواصم، وأحاديث متكررة عن اتفاقات وهدن ومبادرات، بينما تستمر الوقائع على الأرض في السير باتجاه مختلف تمامًا. فالاغتيالات والقصف والتجويع والتدمير لم تتوقف، وإسرائيل ما زالت تفرض وقائع جديدة يومًا بعد يوم، وتحتفظ بحرية شبه كاملة في تحديد شكل الحرب وحدودها وإيقاعها ومآلاتها.
ما تريده إسرائيل لا يبدو غامضاً. فالمسألة لم تعد مجرد رد عسكري أو محاولة لاستعادة الردع، بل مشروعاً متكاملاً لإعادة تشكيل غزة سياسياً وديموغرافياً وأمنياً. هناك عمل واضح على خلق بيئة طاردة للسكان، تدفع نحو الهجرة الطوعية، أو على الأقل نحو تفكيك قدرة المجتمع على الصمود والبقاء. وفي الوقت ذاته، يجري استثمار الحرب لتكريس واقع جديد يقوم على القضم التدريجي للقطاع وتحويله إلى مساحة منهكة، مفككة، وعاجزة عن إنتاج أي بنية سياسية أو اجتماعية مستقرة. لكن السؤال الأكثر تعقيداً والذي بات بحاجة لنقوله بصوت عالي، ليس: ماذا تريد إسرائيل؟ فهذا بات واضحاً إلى حد بعيد. السؤال الحقيقي هو: ماذا تريد حماس؟ وهل ما زالت تقرأ المشهد باعتباره معركة تحرر وطني، أم معركة تتعلق ببقائها كقوة حاكمة وأمر واقع داخل غزة؟ ليس المقصود من هذا السؤال التشكيك في النوايا أو تقديم خدمة للرواية الإسرائيلية، بل ممارسة حق طبيعي في المساءلة السياسية. فحين تتعلق القرارات بمصير أكثر من مليوني إنسان، يصبح السؤال واجبًا وطنيًا لا ترفًا فكريًا.
لقد كانت حماس، منذ سيطرتها على قطاع غزة، الفاعل الفلسطيني الأكثر تأثيرًا في صناعة القرار السياسي والعسكري داخل القطاع. ولذلك فإن التركيز عليها في لحظة المراجعة ليس تجاهلًا لمسؤوليات الآخرين، ولا إعفاءً للسلطة الفلسطينية أو الفصائل الأخرى أو النخب السياسية من أدوارها وإخفاقاتها، وإنما اعتراف بحقيقة بسيطة مفادها أن من يمتلك القرار الأكبر يتحمل النصيب الأكبر من المساءلة.
هنا يبرز سؤال جوهري: إذا كانت حماس، وهي في ذروة قوتها العسكرية والتنظيمية، لم تستطع إنهاء الحصار، أو فرض معادلة ردع مستقرة، أو تحقيق تحول استراتيجي في ميزان الصراع، فكيف يمكن لها أن تحقق ذلك اليوم بعد حرب مدمرة ألحقت بغزة ما لم تشهده في تاريخها الحديث، وأصابت المجتمع والبنية التحتية والاقتصاد والنسيج الاجتماعي بأضرار هائلة؟ هذا ليس سؤالًا عدائيًا، بل سؤالًا سياسيًا مشروعًا يتعلق بفعالية الاستراتيجية نفسها. ففي العلوم السياسية لا تُقاس السياسات بالنوايا، بل بالنتائج. ولا تُقاس الحركات السياسية بقدرتها على الصمود التنظيمي فقط، بل بقدرتها على تحقيق الأهداف التي أعلنتها، وبحجم الكلفة التي يتحملها المجتمع الذي تعمل باسمه.
ومن هنا يصبح من الضروري التمييز بين بقاء التنظيم وبقاء المجتمع. فالحركات السياسية وُجدت لخدمة المجتمعات لا العكس. والمقاومة ليست قيمة مجردة قائمة بذاتها، بل وسيلة لتحقيق أهداف سياسية ووطنية وأخلاقية محددة. وحين يصبح المجتمع نفسه هو الخاسر الأكبر، فإن السؤال لا يعود متعلقًا فقط ببطولة المواجهة أو شرعيتها، بل بجدوى المسار كله، وبمدى قدرته على خدمة القضية التي انطلق من أجلها.
في تجارب التحرر الوطني الكبرى، لم تكن المقاومة مجرد فعل عسكري، بل مشروعًا متكاملًا لحماية المجتمع وتعزيز صموده وبناء قدرته على الاستمرار. وكانت القيادة الناجحة هي تلك التي تعرف متى تقاتل، ومتى تفاوض، ومتى تعيد تقييم استراتيجيتها، ومتى تعترف بأن البيئة التي تعمل فيها قد تغيرت بصورة تفرض مراجعات مؤلمة ولكن ضرورية.
أما الإصرار على الأدوات نفسها والرهانات نفسها رغم التحولات الجذرية التي شهدتها غزة والمنطقة والعالم، فقد يتحول من تعبير عن الصمود إلى تعبير عن العجز عن التكيف مع الواقع الجديد. فالمراجعة ليست هزيمة، والاعتراف بالأخطاء ليس استسلامًا، بل شرط أساسي لأي مشروع سياسي يريد الاستمرار.
وفي المقابل، فإن إسرائيل تبقى المسؤول الأول عن الجرائم التي ارتكبت وما زالت ترتكب بحق الفلسطينيين بوصفها قوة احتلال تمتلك آلة حرب هائلة وتستخدمها ضد مجتمع محاصر. لكن هذه الحقيقة لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لإلغاء النقاش الداخلي الفلسطيني أو تعطيل حق المجتمع في مساءلة قياداته وخياراته. فالمجتمعات الحية لا تخشى الأسئلة، بل تخشى تحويل الأسئلة إلى محرمات.
يمكن فهم تمسك حماس بمواقفها من زاوية خوفها من أن يؤدي أي اتفاق نهائي إلى إنهاء وجودها السياسي والعسكري. ويمكن أيضًا فهم ذلك في إطار رهانات إقليمية أوسع مرتبطة بتحولات المنطقة وصراعاتها. لكن المشكلة تظهر عندما يصبح مستقبل غزة ومستقبل الفلسطينيين معلقًا على حسابات خارجية أو على رهانات لم تتضح نتائجها بعد، بينما يدفع المجتمع الفلسطيني ثمن الانتظار يومًا بعد يوم.
وفي الوقت الذي تستفيد فيه إسرائيل من استمرار الاستنزاف وإعادة تشكيل الواقع الميداني، تبدو حماس وكأنها تدير معركة منع السقوط أكثر مما تدير مشروعًا لإحداث تحول استراتيجي في الصراع. وبين هذين المسارين يبقى الفلسطيني العادي هو الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر: مجتمع يُستنزف، وأرض تُقضم، وقضية وطنية يجري اختزالها تدريجيًا إلى ملف أمني وإنساني.
إن أزمة غزة اليوم ليست أزمة حرب فقط، بل أزمة رؤية سياسية أيضًا. إسرائيل لا تريد حلاً سياسيًا بقدر ما تريد إدارة دائمة للتفوق والسيطرة. وحماس تبدو، في كثير من الأحيان، وكأنها منشغلة بإدارة شروط بقائها أكثر من انشغالها بإعادة تعريف مشروعها السياسي في ضوء المتغيرات الجديدة. أما بقية النظام السياسي الفلسطيني، فقد فشل بدوره في إنتاج استراتيجية وطنية جامعة تستطيع توحيد الفلسطينيين وتوفير بدائل حقيقية للخروج من المأزق.
وفي النهاية، لا يمكن لأي حركة سياسية، مهما كانت شعاراتها أو تاريخها، أن تجعل بقاءها التنظيمي هدفًا يتقدم على بقاء المجتمع نفسه. فالقضية الفلسطينية ليست قضية سلطة ولا قضية فصيل، بل قضية شعب يريد الحرية والكرامة والحياة على أرضه. وأي سياسة لا تجعل الإنسان الفلسطيني معيارها الأول، تتحول مع الوقت، مهما كانت نواياها، إلى جزء من الأزمة لا جزء من الحل.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: كيف نصمد؟ بل إلى أين يقودنا هذا الصمود؟ وهل نحن أمام مشروع تحرر وطني يعيد بناء القوة الفلسطينية ويعيد تعريف أهدافه وأدواته، أم أمام إدارة طويلة للهزيمة تحت شعارات كبرى؟ دعونا نفكر بصوت مرتفع… لأن التاريخ لا يرحم الشعوب التي تتوقف عن طرح الأسئلة، ولا يرحم القيادات التي تجعل بقاءها هدفًا يتقدم على بقاء مجتمعها.
