فتحت بلدية برلين باب مواجهة سياسية وقضائية واسعة بعدما فرضت في حي نويكولن قواعد جديدة تربط استمرار التمويل العام للمنظمات الاجتماعية بالتزامها تعريفاً محدداً لمعاداة السامية، يشمل حظر تشبيه سياسات إسرائيل الحالية بسياسات النظام النازي، في خطوة تهدد بوقف ملايين اليوروهات من المساعدات عن مؤسسات الرعاية وتضع أحد أكثر أحياء العاصمة الألمانية حساسية في قلب جدل يتجاوز حدوده المحلية.

وبحسب تقرير للصحافي دانيال أرازي في موقع “ماكو” الإسرائيلي، يقف خلف الخطوة هانس ريفيلد، عضو مجلس حي برليننويكولن عن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي “CDU”، والمسؤول عن ملفي الصحة والرعاية الاجتماعية، والذي قرر اعتماد سياسة أكثر تشدداً ووضع ما وصفه التقرير بـ”خط أحمر” واضح يقوم على خفض الميزانيات وتجميد الدعم البلدي لأي منظمة اجتماعية تُسجّل فيها خطابات تُعرّف على أنها معادية للسامية أو تتضمن، من وجهة نظر السلطات، تشكيكاً غير مبرر بحق دولة إسرائيل في الوجود.

ودخل التوجيه الجديد حيز التنفيذ بصورة فورية، ويشمل 40 موافقة تمويل تبلغ قيمتها الإجمالية نحو 5.13 ملايين يورو، ما ينعكس مباشرة على 24 منظمة اجتماعية تعمل في الحي وتوفر خدمات تشمل مراكز لمعالجة الإدمان، ومشاريع للدعم النفسي، وملاجئ للمشردين، ومراكز للمساندة المجتمعية.

وبموجب القواعد الجديدة، يتعين على كل جهة تطلب الحصول على تمويل بلدي أن تلتزم رسمياً بتعريف “التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست” المعروف اختصاراً بـ”IHRA” لمعاداة السامية، وهو التعريف الذي اعتمدته الحكومة الفيدرالية الألمانية عام 2017.

وينص هذا التعريف على أن معاداة السامية قد تكون موجهة أيضاً ضد دولة إسرائيل عندما يُنظر إليها باعتبارها جماعة يهودية، كما يعتبر بصورة صريحة أن مقارنة السياسات الإسرائيلية الحالية بسياسات النظام النازي تندرج ضمن مظاهر معاداة السامية.

وما يثير قلق المنظمات، وفق التقرير، هو النطاق الواسع الذي يمكن أن يشمله هذا الشرط. فواجب الالتزام لا يقتصر على ساعات عمل المشروع الذي يحصل على التمويل، بل يمتد إلى “مجمل سلوك الجهة المتلقية للدعم”.

وبذلك، قد تواجه منظمة اجتماعية احتمال خسارة تمويلها، بل وإلزامها بإعادة أموال حصلت عليها سابقاً، إذا صدر عن موظفيها كلام أو نشاط يتعارض مع تعريف “IHRA”، حتى إذا حصل ذلك خلال مناسبات خاصة، أو في تظاهرات سياسية خارج ساعات العمل، أو في منشورات خارج إطار المؤسسة.

ورفضت إدارة الحي توضيح ما إذا كانت قد تلقت في السابق شكاوى محددة تتعلق بسلوك معادٍ للسامية داخل المنظمات التي يشملها القرار، فيما نقل التقرير عن مصادر في المنطقة قولها إنها لا تعرف بوجود حوادث من هذا النوع، وهو ما عزز لدى منتقدي الخطوة الانطباع بأنها تحمل طابعاً عقابياً.

في المقابل، يدافع ريفيلد بقوة عن القرار، مؤكداً أن الأموال العامة يجب أن تبقى ملتزمة بقيم الدستور وباحترام كرامة الإنسان.

ويرى أنه لا يمكن القبول بأن تحافظ منظمة على خطاب منضبط داخل مشروع ممول من المال العام، بينما يجري، بحسب تعبيره، نشر دعاية معادية للسامية في غرفة أخرى داخل المؤسسة نفسها.

واستعاد التقرير في هذا السياق تجربة سابقة لوزير الثقافة السابق في برلين جو تشيالو، الذي حاول فرض قواعد مشابهة في قطاع الفنون، قبل أن يفشل المسعى ويُلغى خلال 3 أسابيع فقط بسبب مخاوف مرتبطة بحرية التعبير.

لكن ريفيلد شدد على وجود فارق جوهري بين الحالتين، قائلاً: “نحن لا نتحدث هنا عن حرية الفن والعلم، بل عن خدمات دعم اجتماعية محددة جداً يجب أن تكون متاحة للجميع من دون تمييز. لذلك يجب تقييمها وفق معايير مختلفة”.

وأشعل القرار فوراً ردود فعل حادة لدى أحزاب اليسار والخضر في برلين، التي اتهمت ريفيلد بفرض ما وصفته بـ”أمر إسكات” بدوافع سياسية.

وهاجم أحمد عابد، رئيس كتلة حزب “دي لينكه” اليساري في مجلس الحي والمرشح لرئاسة البلدية في الانتخابات المقبلة في برلين المقررة في 20 أيلول، الخطوة في مقابلة مع صحيفة “تاتس”، معتبراً أنها محاولة قسرية لإسكات منتقدي ما وصفه بجرائم الحرب الإسرائيلية.

ووصف عابد القرار غير المعلن بأنه خطوة “غير ديمقراطية بصورة واضحة”، معتبراً أنها تكشف بشكل علني، وفق موقفه، تحالف جهات داخل الحي مع الحكومة اليمينية في إسرائيل.

وكان عابد نفسه قد أثار أزمة دبلوماسية كبيرة في تشرين الأول الماضي عندما وصف رئيس بلدية بات يام، المدينة التوأم لنويكولن، تسفيكا بروت، بأنه “مجنون إبادة جماعية”، وذلك خلال زيارة الأخير إلى ألمانيا.

وازداد التوتر بعد زيارة رئيس بلدية نويكولن مارتن هيكل، المنتمي إلى الحزب الديمقراطي الاجتماعي “SPD”، إلى إسرائيل أخيراً بمناسبة احتفالات مرور 100 عام على تأسيس بات يام، حيث التقط صوراً إلى جانب بروت ووزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، الذي تعمل وزارته بصورة نشطة على دفع دول وجهات حول العالم إلى تبني تعريف “IHRA”.

كما احتج ممثلو حزب الخضر بشدة على القرار، معتبرين أن اعتماد تعريف “IHRA” بهذه الطريقة يخلق حالة عميقة من عدم اليقين القانوني لدى المنظمات الاجتماعية، وقد يضر، بحسب موقفهم، بالمواجهة الفعلية لمعاداة السامية.

واتهم الخضر حزب “CDU” باعتماد “مقاربة أداتية” في التعامل مع ملف معاداة السامية، واستخدام القانون لأغراض دعائية وسياسية.

وأشاروا إلى أنه “في الوقت الذي تعاني فيه مشاريع ممتازة، مثل مبادرة كرويتسبيرغ لمواجهة معاداة السامية، من خفض الميزانيات، يجري توزيع ملايين اليوروهات المخصصة لمكافحة معاداة السامية بصورة قسرية ومن دون مراجعة مهنية من الخبراء”.

كذلك، يقول ممثلو المعارضة إن تعريف “IHRA” لا يحظى بإجماع، ويواجه تعريفات أكاديمية أخرى مثل “إعلان القدس” المعروف بـ”JDA”، مشيرين إلى أن بنوداً مشابهة أُسقطت سابقاً أمام محاكم مختلفة في ألمانيا بسبب تعارضها مع حرية التعبير.

ولا يأتي هذا السجال المالي والسياسي في فراغ، إذ يقع في قلب واحد من أكثر أحياء أوروبا تعقيداً وحساسية.

فحي نويكولن، الواقع جنوب برلين، معروف بتنوعه الثقافي ووجود أعداد كبيرة من المهاجرين والفنانين والسكان القدامى، لكنه تحول خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أبرز ساحات النقاش في ألمانيا حول تعثر الاندماج والتطرف الديني ونشوء مجتمعات موازية.

وفي “حوار نويكولن للاندماج”، الذي عقد أخيراً في مبنى البلدية تحت عنوان “الإخوان المسلمون في برلين”، ناقش المشاركون المخاطر المرتبطة بالإسلام السياسي.

وفي المحور الرئيسي للحي، شارع زوننآليه الشهير، يظهر هذا الواقع بوضوح، بحسب التقرير. فإلى جانب المخابز والمطاعم الشرق أوسطية، تنتشر على واجهات عدة الكوفيات والأعلام والرموز الفلسطينية، فيما عُلقت على بعض المتاجر لافتات باللغة العربية تفيد بأن اليهود غير مرحب بهم في المكان.

وتقول الناشطة الاجتماعية والمحامية الليبرالية سيران أتيش إن ازدياد الكتابات العربية على واجهات المتاجر يترافق، بحسب قراءتها، مع ارتفاع مستوى النزعة القومية والدينية.

وتحذر أتيش أيضاً من أن مظاهر التشدد تتسلل بقوة إلى النظام التعليمي، مشيرة إلى أن فتيات في المدارس يتعرضن للتنمر على خلفية دينية، ويُطلق عليهن أوصاف مهينة من بينها “عاهرة” بسبب ارتدائهن ملابس غربية، فيما يتحول أطفال صغار إلى ما وصفته بـ”منفذي قواعد دينية” عبر ممارسة ضغوط على زملائهم للصوم خلال شهر رمضان.

وبحسب التقرير، دفعت هذه الظواهر بعض العائلات إلى نقل أولادها إلى مدارس أخرى.

ويضيف التقرير أن البيانات الرسمية تدعم المخاوف من اتساع دائرة التطرف، إذ أظهر تقرير استخباري غير سري أن عدد الأشخاص المصنفين ضمن الطيف الإسلامي المتشدد في برلين ارتفع إلى 2590 شخصاً، أي بزيادة تقارب 20% خلال 5 سنوات فقط.

وللمقارنة، يبلغ عدد الناشطين المحسوبين على اليمين المتطرف في برلين نحو 1480 شخصاً.

ويرى خبراء في شؤون الجماعات المسلحة، من بينهم غيدو شتاينبرغ، أن برلين توفر “ظروفاً مثالية” لأن تصبح مركزاً للإسلام السياسي المتشدد في ألمانيا.

ووفق بيانات مكتب حماية الدستور في برلين، يخضع حي نويكولن لمراقبة استخبارية مكثفة بصورة خاصة.

وتعمل في الحي مؤسسات ربطتها السلطات بتيارات متشددة، بينها مسجد “النور” الذي صُنّف بيئة حاضنة لنشاط سلفي، ومسجد “الإمام رضا” الشيعي الذي أُقيمت فيه مراسم تأبين لعلي خامنئي، وتعرض لانتقادات بسبب صلات نُسبت إليه بالنظام الإيراني وحزب الله، إضافة إلى مسجد “دار السلام” الذي خضع بدوره لمراقبة استخبارية.

وفي الوقت نفسه، تحولت ساحات مركزية في الحي، مثل هيرمانبلاتس، إلى مسرح دائم لتظاهرات مؤيدة للفلسطينيين شهد بعضها، بحسب التقرير، مظاهر دعم علنية لحركة حماس واحتفالات عقب أحداث 7 تشرين الأول.

وتضع خطوة ريفيلد برلين الآن أمام اختبار سياسي وقانوني حاسم، في وقت تُطالب فيه منظمات الرعاية في نويكولن بالتوقيع على الملحق الجديد ضمن الجولة المقبلة من الموافقات على التمويل.

وفي المقابل، تعمل قوى المعارضة في برلين ومنظمات حقوق مدنية على إعداد طعون أمام المحكمة الإدارية بهدف وقف تنفيذ التوجيه، على غرار ما حصل مع مبادرات مشابهة في السابق.

ومع اقتراب الانتخابات المحلية في برلين في 20 أيلول، لم يعد ملف تمويل منظمات نويكولن مجرد قرار إداري محلي، بل تحول إلى اختبار سياسي على مستوى ألمانيا: هل يصمد النموذج الجديد أمام القضاء ويتحول إلى سابقة تتبناها سلطات محلية أخرى، أم تنتهي التجربة كما انتهت محاولات سابقة، عند أبواب المحاكم؟

شاركها.