في حوار جمعني بزميلة صحفية ايرانية  تعيش في ايران حول الثورة الايرانية تقول هذه الصحفية نتحفظ عن ذكر اسمها أن ما بقي في ذاكرتها عن الثورة يجعل مجرد ذكر كلمة  “الثورة الايرانية “مزعج بالنسبة لها والسبب أنها ولدت لابوين انتصرا  للحركات الاحتجاجية الشعبية في ايران وكانا  من الطلبة الايرانيين المتحمسين في الجامعة الذين عارضوا فساد وظلم  واستبداد نظام الشاه وعائلته وعايشا كالاف الايرانيين الاحتجاجات الشعبية وحلما بواقع جديد في ايران ولكن بعد الثورة تقول هذه الصحفية أن والدها ظل على القيم والمبادئ المنفتحة التي دفعته للانخراط ضد نظام الشاه و التطلع لدولة مدنية يعيش في ظلها كل الشعب الايراني بمختلف مكوناته فيما  تم استقطاب والدتها التي ستتخلى عن حياتها السابقة و تتحول الى مدافعة شرسة عن الثورة الإسلامية.
 وطبعا كان لهذا الانقسام الايديولوجي داخل العائلة تأثيره السلبي على  حياة الجميع  في ايران  ليتحول الامر الى صراع يومي .. وقد لا يكون هذا المثال سوى واحد من أمثلة كثيرة عن الانقسام  والتمزق النفسي الحاصل في المجتمع الايراني بين الاصلاحيين والمتشددين  بين أنصار ايران الاسلامية وانصار ايران الملكية ..
وسيستمر الامر على مدى سبع وأربعين عاما من عمر الثورة وسلطة الملالي في ايران و كلما حدثت موجة احتجاجية وتواترت الدعوات الخارجية لإسقاط النظام في ايران الا و تمكن النظام القائم من تجاوز العاصفة وضمان بقاءه واستمراره و لكن ليس من دون أزمات تختفي احيانا وتتأجج أحيانا أخرى..

وظلت ايران بين مطرقة تحركات واحتجاجات الداخل و ضغوط  و ابتزازات الخارج و مسلسل العقوبات و الحصار الذي لا ينتهي وهو ما جعل النظام الايراني يراهن على تطوير قدراته العسكرية و البحوث النووية كأولوية  ..و سيكون لحرب الاثني عشر يوما بين طهران و تل ابيب و معها واشنطن  في 2025 مؤشر اضافي  في حسابات واشنطن و تل ابيب على أن ما تحقق لايران عسكريا و نوويا لا يجب أن يستمر و قد يكون فيما يحدث اليوم من حرب كلامية و تهديدات متواترة لايران من الرئيس الامريكي ترامب مؤشر على الفصل الثاني لحرب الاثني عشر يوما بعد أن تخلص ترامب من الاتفاق النووي الذي سبقه اليه الرئيس أوباما …
وربما جاز القول أن المظاهرات الاحتجاجية في ايران ليست بالأمر الجديد في المشهد الايراني الذي شهد عدة موجات من التحركات الاحتجاجية التي كانت تقودها النساء الايرانية مرات عديدة و اخرها ما حدث بعد حادثة مقتل الناشطة مهسا أميني في أحد مراكز الاعتقال في 2022 ..عودة الاحتجاجات في الشارع الايراني في الايام الاخيرة من العام المنقضي 2025 و بداية 2026 لم يقتصر على فئة دون غيرها فقد فاقمت الازمة الاقتصادية والركود والتضخم  مشاعر الاحتقان لدى التجار الذين أعلنوا الاضراب احتجاجا على الاوضاع لتتسع بذلك الازمة و تكتسي صبغة اجتماعية وسياسية  ترفع خلالها شعارات مناهضة للسلطة القائمة الامر الذي دفع بنجل الشاه رضا بهلوي الذي أطيع بوالده منذ نحو خمسة عقود للخروج من عزلته و صمته وتقديم نفسه كمنقذ يمكن ان يتولى قيادة المرحلة الانتقالية و قبل ذلك خرجت والدته الزوجة الثالثة لشاه ايران السابق فرح ديبا حثت المحتجين على مواصلة التحركات حتى الاطاحة بالنظام القائم ..وتلى ذلك دعوات و تصريحات من عديد العواصم الغربية بدعم المتظاهرين في ايران بل ان هولاندا استدعت السفير الايراني احتجاجا على ما يجري ودعت دول اوروبية الى فرض مزيد العقوبات على طهران وسارع الرئيس السابق للمخابرات البريطانية M16 الى الاعلان عن قرب نهاية النظام الايراني..
الرئيس الامريكي من جانبه  لم يتأخر كثيرا  في اقتحام المشهد الايراني و تهديد  السلطات الايرانية  بالتدخل  العسكري الامريكي القادم في حال استمر قتل المتظاهرين ..تصريحات ترامب تأتي بعد أسبوعين على التدخل الامريكي في فينزويلا و اختطاف الرئيس مادورو مشهد لا يزال يثير الجدل حول امكانية تكرر عملية القرصنة في دول أمريكا الاتينية و ايران ..عموما لم يخرج موقف ترامب عن موقف حليفه ناتنياهو الذي أعلن بدوره عن دعمه للمتظاهرين  في ايران .ناتنياهو مجرم الحرب الذي قاد عملية الابادة في غزة قال “اننا نتضامن مع الشعب الايراني في نضاله و مع تطلعاته الى الحرية و العدالة “..ويمكن فهم تصريحات ناتنياهو بالعودة الى الحملة الرقمية للترويج لرضا بهلوي و اعتباره غودو ايران في وجه النظام القائم ..

ad

و ليس سرا أن رضا بهلوي حليف و صديق لناتنياهو وكا زار كيان الاحتلال سنة 2023 في غمرة  الحرب المسعورة لجيش الاحتلال الاسرائيلي في غزة .بما يعني صراحة أن كلمة  “اليوم التالي ” تبقى كلمة السر بين ترامب و ناتنياهو من غزة الى كاراكاس و طهران ..رضا بهلوي من جانبه الذي أطردت عائلته من طهران بسبب الفساد والاستبداد  يبدو و كأن الدعوات الامريكية والاسرائيلية المروجة لعودته قد اغرته وأحيت لديه الحنين للسلطة و زينت له أن العودة ستكون قريبة بعد اعلان  سلاح الجو الإسرائيلي، والاستخبارات الاسرائيلية  حالة التأهب تحسبا لهجوم أميركي على إيران، حيث  تعتقد إسرائيل أن التدخل بات وشيكا و أن ترامب أعلم ناتنياهو بذلك .. إذاعة الجيش الإسرائيلي أنه أصبح لدى المسؤولين في إسرائيل اقتناع بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن إيران بأن الضربة الأميركية “مسألة وقت”، وأن “الجيش يستعد دفاعا وهجوما، بما في ذلك رفع الجاهزية في منظومة الدفاع الجوي”…
هناك حقائق تاريخية لا يمكن تجاهلها و أن أمريكا لم تسقط من ذاكرتها أزمة الرهائن الامريكيين في طهران والتي استمرت 444 يوما و فشلت ادارة كارتر في عملية استعادة الرهائن التي عرفت بعملية “مخالب العقاب “وانتهت بمقتل ثمانية عسكريين أمريكيين و تلاها استقالة وزير الخارجية سيروس فانس و فشل ترامب في الانتخابات ..انتهت الاحتجاجات في ايران بتمكن الاسلاميين و عودة الخميني من باريس فيما اطرد الشاه ..الصورة اليوم انقلبت أو هذا ما تريده ادارة ترامب اسقاط النظام الايراني واعادة رسكلة ما بقي من نظام الشاه الموالي للغرب و لاسرائيل  ابن الشاه رضا بهلوي الذي قضى نصف قرن  من الحياة المرفهة متنقلا بين أمريكا و أوروبا و هو اليوم يجلس على عرشه الافتراضي منتظرا أن يقدم له الايرانيون السلطة على طبق من ذهب لقيادة البديل السياسي … و في ذلك أيضا ما يمكن أن يعزز توقعات ترامب  وناتنياهو باستعادة مقر السفارة الاسرائيلية  في طهران والتي لا يمكن أن تخطؤها أعين الزائر و قد تحولت الى سفارة فلسطين …
واقع الحال أن المشهد الايراني ازاء أكثر من سيناريو في ظل رفع ترامب العصا الغليظة في وجه اعدائه من فينزويلا الى غرولاند و كوبا و الصين و روسيا  مهددا بفرض رسوم جمركية جديدة ب25 بالمائة على الدول التي تربطها علاقات تجارية بايران في محاولة لتشديد عزلة و حصار هذا البلد و دفع الشارع الايراني لمزيد التحركات .. خلاصة القول أن ما يجري اليوم كمقدمة لما سيكون عليه النظام العالمي الجديد الذي تؤسس له الامبريالية الامريكية و معها الامبريالية الاحتلالية الاسرائيلية يعزز القناعة بانعدام الفوارق  بين أنظمة تتدعي أنها ديموقراطية وتقوم على حقوق المواطنة واحترام الحريات و بين أنظمة ملاحقة من هذه الانظمة التي تدعي الديموقراطية بسبب  غطرستها وتسلطها .. و حيثما اجتمعت واشنطن و تل ابيب و حيثما توافق ترامب و ناتنياهو فانه الخراب ..رهان اسرائيل و امريكا على رضا بهلوي يؤكد أن الهدف ليس حرية الشعوب و حقها في تقرير المصير بل اصرار على التحكم في مصير تلك الشعوب ..
والرهان على رضا بهلوي و اعادة رسكلته ليكون نسخة من والده بعد اربعين عاما رهان بلا افاق و هو الذي ينحدر من أسرة دمرتها الازمات بعد انتحار شقيقه و شقيقته بعد سقوط الشاه مثال اخر على أنه لا ترامب و لا ناتنياهو يعرف الشارع الايراني أو قادرعلى مواكبة نبضه و أن عملية توريد أو تصدير ابن الشاه كبديل جاهز سيكون أخطر وأكثر دموية من استقدام بريمر للعراق و استقدام الجولاني في سوريا  …السلطات الايرانية ردت على طريقتها على التهديدات الامريكية و الاسرائيلية ووزارة الدفاع الايرانية تشدد على أن استهداف أي دولة تسهل الاعتداء على بلاده خيار جاهز ..نجزم أنه كلما تفاني ترامب و ناتنياهو في محاولات رسكلة واعادة تأهيل ابن الشاه و كلما تفاقمت التهديدات الامريكية للنظام الايراني و كلنا تعددت خطابات التضامن من ناتنياهو و كلما تكررت رسائل ترامب للشارع الايراني بالاستمرار في الاحتجاجات والتلويح بأن المساعدة قادمة كلما توسعت رقعة الرفض في الداخل الايراني ضد كل بديل جاهز من صنع ترامب و ناتنياهو و لعل الايام القادمة تزيل الكثير من الغموض المحيط بالمشهد الايراني ..حق الشعوب في تقرير المصير لا يمكن انكاره أو الغاؤه  وهو حق لا يقبل المساومات و الابتزازات و لا يمكن بأي حال من الاحوال أن يمنح رئيس البلد الاقوى في العالم نفسه حرية تعيين أو عزل الحكام و استبدالهم بما يروق له و يتماشى مع مصالحه ولا يمكن أن تتحول الاوطان الى مزادات علنية للبيع و الشراء لمن يدفع أكثر . .بعض المصادر تتحدث في الساعات الاخيرة عن اقناع دول الخليج السعودية و قطر و الامارات الرئيس الامريكي منح ايران فرصة ثانية …
صحفية و كاتبة تونسية

شاركها.