تمثل العلاقات المصرية الفرنسية نموذجا ممتدا للتعاون الاستراتيجي القائم على الإرث الحضاري والتفاهم السياسي والمصالح المشتركة، حيث ارتبط البلدان بعلاقات تاريخية وثيقة أسهمت في تعزيز التعاون في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية.
وعلى مدار عقود طويلة، حافظت القاهرة وباريس على شراكة متميزة اتسمت بالتنسيق المستمر إزاء القضايا الإقليمية والدولية، بما يعكس عمق الروابط بين البلدين وخصوصية العلاقات التي تجمعهما، كما شهدت السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا في مسار العلاقات الثنائية، في ظل حرص القيادتين السياسيتين على تعزيز أطر التعاون والتشاور المستمر تجاه القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما يدعم الاستقرار الإقليمي ويخدم مصالح الشعبين الصديقين.
وفي هذا الصدد، أجرى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، مساء أمس، جولة تفقدية بمدينة الإسكندرية، اصطحب خلالها الرئيس إيمانويل ماكرون، رئيس الجمهورية الفرنسية، وذلك بحضور رؤساء وفود الدول المشاركة في افتتاح المقر الجديد لجامعة سنجور، إلى جانب لويز موشيكيوابو، الأمينة العامة للمنظمة الدولية للفرانكفونية.
وصرح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية حينها، بأن الرئيسين أجريا جولة على الممشى السياحي بكورنيش الإسكندرية، وصولا إلى المدخل الخاص بقلعة قايتباي التاريخية.
ومن خلال هذا التقرير، يرصد “”، الجذور التاريخية للعلاقات المصرية الفرنسية.
- تقوم العلاقات المصرية الفرنسية على أسس تاريخية وحضارية وثقافية راسخة، حيث كان للبعثة العلمية التي صاحبت الحملة الفرنسية على مصر دور بارز في فك رموز حجر رشيد وقراءة اللغة المصرية القديمة، الأمر الذي أسهم في اكتشاف أسرار الحضارة الفرعونية وفهم النقوش والكتابات المصرية القديمة.
- شكلت البعثات التعليمية المصرية إلى فرنسا إحدى الركائز الأساسية في بناء الدولة المصرية الحديثة خلال عهد محمد علي وخلفائه من الأسرة العلوية، بما ساهم في نقل الخبرات العلمية والثقافية والإدارية إلى مصر.
- حافظت مصر وفرنسا على علاقات متميزة في العصر الحديث على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية، بما عزز من استمرارية التعاون بين البلدين.
- اتسمت العلاقات المصرية الفرنسية بخصوصية واضحة على مدار القرنين الماضيين، في ظل التقارب السياسي والدبلوماسي والاقتصادي الذي جعل من التعاون بين القاهرة وباريس ركيزة أساسية لاستمرار قوة العلاقات الثنائية.
الهجرة غير الشرعية
- لعبت مصر دورا محوريا، من خلال تعاونها مع الاتحاد الأوروبي وفرنسا، في الحد من ظاهرة الهجرة غير الشرعية ومواجهة مخاطرها عبر البحر المتوسط، وما تفرضه من تحديات أمنية واجتماعية متزايدة.
- اضطلعت مصر بدور مهم في وقف موجات الهجرة غير الشرعية المتجهة إلى أوروبا، خاصة بعد معاناة فرنسا وعدد من الدول الأوروبية من تدفقات الهجرة عبر المتوسط خلال عام 2015، سواء عبر الأراضي المصرية أو الليبية.
- انتهجت القاهرة منذ عام 2016 سياسة حاسمة لمواجهة الهجرة غير الشرعية، عبر تشديد الرقابة على الحدود والتصدي لشبكات التهريب والإتجار بالبشر.
الجهود المصرية لمكافحة الهجرة غير الشرعية
- حظيت الجهود المصرية في مكافحة الهجرة غير الشرعية والإتجار بالبشر بتقدير فرنسي وأوروبي واسع.
- أسست الحكومة المصرية اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية والإتجار بالبشر في يناير 2017، باعتبارها امتدادا للجهود والمؤسسات القائمة سابقا، مع تطوير آليات عملها لتواكب التحديات الراهنة.
- تتبع اللجنة رئاسة مجلس الوزراء، وتتخذ من وزارة الخارجية مقرًا لها، بما يعكس اهتمام الدولة المصرية بملف مكافحة الهجرة غير الشرعية على المستويين المحلي والدولي.
العلاقات المصرية الفرنسية في العصر الحديث
- تستند العلاقات المصرية الفرنسية الحديثة إلى مبادئ الاحترام المتبادل وتحقيق المصالح المشتركة سياسيا واقتصاديا وتجاريا.
- شهدت العلاقات بين البلدين تطورا ملحوظا منذ عهد الجنرال شارل ديجول، الذي تبنى مواقف داعمة للعرب عقب عدوان عام 1967، واستمرت مسيرة التعاون خلال عهود الرؤساء الفرنسيين المتعاقبين، وصولا إلى الرئيس إيمانويل ماكرون.
- اتسمت السياسة الخارجية الفرنسية، منذ عهد ديجول، بالتعاون الاقتصادي والتجاري والتقني مع مصر، إلى جانب تبني مواقف داعمة للاستقرار الإقليمي، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي.
- شهدت العلاقات الثنائية بين القاهرة وباريس تطورا كبيرا خلال السنوات الأخيرة، لا سيما منذ تولي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون السلطة عام 2017.
- شهدت العلاقات المصرية الفرنسية تقاربا ملحوظا منذ تولي السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي المسؤولية، حيث تجاوز عدد الزيارات الرسمية المتبادلة بين الجانبين أكثر من 20 زيارة على مستوى الرؤساء والوزراء وكبار المسؤولين منذ نوفمبر 2014.
- عكست الزيارات الرسمية المتبادلة توافقا في وجهات النظر بشأن العديد من القضايا الإقليمية والدولية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، والأزمة الليبية، وتعزيز التعاون الاقتصادي والعسكري والثقافي بين البلدين.
الزيارات واللقاءات والاتصالات الرئاسية
- تقوم العلاقات المصرية الفرنسية على روابط قوية تستند إلى الصداقة والثقة المتبادلة، وقد شهدت هذه العلاقات تطورا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة في ظل التنسيق السياسي المستمر بين قيادتي البلدين.
- تحرص مصر وفرنسا على التشاور المستمر بشأن مختلف القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها تطورات الشرق الأوسط، والأوضاع في ليبيا وسوريا، إلى جانب ملفات الأمن ومكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية.
- تعد مصر شريكا رئيسيا لفرنسا في جهود مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، وهو ما انعكس في وتيرة الزيارات الثنائية رفيعة المستوى بين البلدين.
وعلى المستوى الرئاسي:
- في 8/3/2026 تلقى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي اتصالا هاتفيا من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تناول تطورات الأوضاع الإقليمية والتصعيد العسكري بالمنطقة وتداعياته على أمن واستقرار الإقليم.
- في 7/4/2025 استقبل السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بقصر الاتحادية، حيث عقد الجانبان جلسة مباحثات موسعة أعقبها توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، إلى جانب عقد قمة ثلاثية مصرية أردنية فرنسية بالقاهرة.
- في 5/2/2024 استقبل السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي وزير الخارجية الفرنسي ستيفان سيجورنيه، لبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية والتشاور بشأن القضايا الإقليمية.
- في 16/10/2023 استقبل السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، وزيرة خارجية فرنسا كاترين كولونا، بحضور وزير الخارجية آنذاك سامح شكري.
- في 10/9/2023 التقى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، على هامش قمة مجموعة العشرين بنيودلهي.
- في 22/6/2023 التقى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمدينة بريست الفرنسية.
- في 22/7/2022 التقى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي برونو لومير في باريس.
- في 28/3/2022 قام وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي برونو لومير بزيارة إلى مصر، حيث استقبله السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي.
- في 24/2/2022 قام الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي بزيارة إلى مصر، استقبله خلالها السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي.
- في 11/2/2022 قام السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بزيارة إلى فرنسا للمشاركة في قمة “محيط واحد” تلبية لدعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
- في 11/11/2021 شارك السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في مؤتمر باريس الدولي حول ليبيا.
- في 11/11/2021 التقى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي برونو لومير.
- في 11/11/2021 التقى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الوزراء الفرنسي جان كاستكس، حيث تناول اللقاء تعزيز الاستثمارات والتعاون الثنائي.
- خلال يومي 17 و18 مايو 2021 قام السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بزيارة إلى باريس للمشاركة في مؤتمر باريس لدعم المرحلة الانتقالية في السودان وقمة تمويل الاقتصاديات الأفريقية.
- في 10/3/2021 استقبل السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي برنارد إيمييه رئيس جهاز الاستخبارات الخارجي الفرنسي.
- في ديسمبر 2020 قام السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بزيارة إلى باريس التقى خلالها عددا من كبار المسؤولين الفرنسيين.
- في 8/11/2020 قام وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان بزيارة إلى مصر، حيث استقبله السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي.
- في 8/1/2020 استقبل السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، لبحث عدد من ملفات التعاون المشترك.
- خلال الفترة من 24 إلى 26 أغسطس 2019 قام السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بزيارة إلى فرنسا للمشاركة في قمة مجموعة الدول السبع.
- في 28 و29 يناير 2019 قام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بزيارة إلى مصر، حيث عقد مباحثات موسعة مع السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي.
- خلال الفترة من 23 إلى 25 أكتوبر 2017 قام السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بزيارة رسمية إلى باريس.
- في 8/6/2017 قام وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان بزيارة إلى مصر لبحث سبل دعم العلاقات الثنائية.
- خلال الفترة من 17 إلى 19 أبريل 2016 قام رئيس الجمهورية الفرنسية بزيارة إلى مصر.
- في 6 أغسطس 2015 شارك رئيس الجمهورية الفرنسية، بصفته ضيف شرف، في مراسم افتتاح مشروع قناة السويس الجديدة.
- خلال الفترة من 25 إلى 27 نوفمبر 2014 قام السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بزيارة إلى باريس.
- في 7/4/2025 أجرى قادة مصر وفرنسا والأردن اتصالا هاتفيًا مشتركا مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لبحث سبل وقف إطلاق النار في قطاع غزة وضمان تدفق المساعدات الإنسانية.
- في 5/4/2025 تلقى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي اتصالا هاتفيا من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تناول سبل تعزيز العلاقات الثنائية والإعداد لزيارة الرئيس الفرنسي إلى مصر.
وفي هذا الصدد،
والجدير بالذكر، أن في ضوء التطور المتسارع للعلاقات المصرية الفرنسية، تؤكد المؤشرات والأرقام عمق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، حيث شهدت العلاقات الثنائية أكثر من 20 زيارة رفيعة المستوى منذ عام 2014، بما يعكس قوة التنسيق السياسي بين القاهرة وباريس.
كما تعد فرنسا واحدة من أبرز الشركاء الاقتصاديين لمصر داخل الاتحاد الأوروبي، إذ تنشط في السوق المصرية أكثر من 180 شركة فرنسية توفر آلاف فرص العمل في مجالات النقل والطاقة والبنية التحتية والاتصالات.
وعلقت الدكتوره جيهان جادو، عضو المجلس المحلى لمدينة فرساى الفرنسية، إن زياره الرئيس الفرنسي ماكرون للاسكتدريه أمس تحمل دلالات سياسية وثقافية عميقة لأن الإسكندرية ليست مجرد مدينة مصرية تاريخية بل تمثل رمزا للانفتاح الحضاري والتواصل بين ضفتي المتوسط.
وأضافت جادو خلال تصريحات لـ “”، أن اختيار هذه المدينة بالتحديد يعكس رغبة البلدين في التأكيد على أن الشراكة المصرية الفرنسية لا تقوم فقط على المصالح السياسية والاقتصادية، وإنما أيضا على الإرث الثقافي والمعرفي المشترك.
وأشارت، إلى أن الزيارة تؤكد اهتمام فرنسا بتعزيز حضورها في منطقة شرق المتوسط، بالتعاون مع مصر باعتبارها شريكا استراتيجيا محوريا في ملفات الأمن الإقليمي، والطاقة والهجرة والاستقرار في الشرق الأوسط وأفريقيا.
وتابعت: ” وفي المقابل، تنظر مصر إلى فرنسا باعتبارها أحد أهم شركائها الأوروبيين القادرين على دعم التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والتعليمي خلال المرحلة المقبلة، ومن الناحية الثقافية والأكاديمية فإن الزيارة تحمل رسالة مهمة حول دعم الفرنكوفونية والتعاون الجامعي والبحثي خاصة مع الاهتمام المتزايد بالمشروعات التعليمية المشتركة، وهو ما يعزز دور الإسكندرية كجسر ثقافي بين العالم العربي وأوروبا”.
واختتمت: “أما على مستوى المستقبل فأعتقد أن هذه الزيارة قد تفتح الباب أمام مرحلة أكثر عمقا في العلاقات الثنائية سواء عبر زيادة الاستثمارات الفرنسية في مصر، أو توسيع التعاون في مجالات النقل والطاقة والبنية التحتية، إلى جانب تعزيز القوة الناعمة والتبادل الثقافي بين الشعبين، فالعلاقة بين القاهرة وباريس أصبحت اليوم شراكة استراتيجية شاملة تتجاوز الإطار التقليدي”.
من جانبها قال عبد الحميد نقريش الأمين العام للاتحاد العام للجالية المصرية بفرنسا، إن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس عبدالفتاح السيسي إلى الإسكندرية تمثل رسالة سياسية مهمة تعكس عمق العلاقات المصرية الفرنسية، خاصة في ظل التحديات الإقليمية المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
وأضاف نقريش خلال تصريحات لـ “”: “فالزيارة تؤكد وجود حرص متبادل على استمرار التنسيق بين القاهرة وباريس في الملفات السياسية والاقتصادية، إلى جانب دعم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وشرق المتوسط”.
وأشار نقريش، إلى أن اختيار مدينة الإسكندرية يحمل دلالة رمزية مرتبطة بتاريخها الثقافي والحضاري وانفتاحها على البحر المتوسط، وهو ما يعكس رغبة الجانبين في تعزيز التعاون الثقافي والتعليمي بجانب الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية.
وتابع: “من المتوقع أن تسهم هذه الزيارة في دفع التعاون خلال المرحلة المقبلة، خاصة في مجالات الاستثمار والنقل والطاقة والتعليم، مع استمرار التشاور السياسي بين البلدين تجاه القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، وبصورة عامة تعكس الزيارة توجهًا نحو تعزيز الشراكة بين مصر وفرنسا على أساس المصالح المشتركة والتعاون طويل المدى”.
