رصد الملياردير مارك زوكربيرج، مؤسس شركة “ميتا”، ميزانية ضخمة تصل إلى 500 مليون دولار لتمويل مشروع طموح يستهدف دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في الأبحاث الطبية لعلاج الأمراض المستعصية. 

وتأتي هذه المبادرة عبر “مؤسسة تشان زوكربيرج” الخيرية، بهدف إنشاء واحدة من أكبر مراكز الحوسبة الفائقة في العالم المخصصة لعلوم الأحياء، حيث ستعمل هذه الأنظمة المتطورة على تحليل البيانات الحيوية المعقدة بمعدلات سرعة تفوق قدرات العقل البشري بآلاف المرات، مما يمهد الطريق لاكتشاف علاجات جذرية لأمراض ظلت لغزاً طبياً لعقود طويلة.

ثورة المعالجة

كشفت التقارير أن المبادرة تركز على بناء “نظام حوسبة عملاق” يعتمد على آلاف المعالجات الرسومية المتطورة (GPUs). 

ولتبسيط المصطلح، فإن هذه المعالجات هي “المحركات” التي تمنح أجهزة الكمبيوتر القدرة على معالجة الصور والبيانات الضخمة في وقت واحد؛ فبدلاً من أن يستغرق العلماء سنوات في مراقبة تفاعل الخلايا، سيقوم الذكاء الاصطناعي بمحاكاة هذه التفاعلات رقمياً في ثوانٍ معدودة. 

سيسمح هذا الابتكار للباحثين ببناء “أطالس رقمية” للخلايا البشرية، وهي خرائط دقيقة توضح كيف تعمل كل خلية في جسمنا وكيف تتأثر بالأمراض على المستوى الجزيئي.

توقع الأزمات

أعلنت المؤسسة أن الهدف النهائي هو “القضاء على جميع الأمراض بحلول نهاية القرن الحالي”. 

ورغم أن الهدف يبدو خيالياً، إلا أن الذكاء الاصطناعي التوليدي سيقوم بدور “المتنبئ الطبي”؛ حيث يمكنه تحديد الطفرات الجينية قبل وقوعها، واقتراح تركيبات دوائية جديدة لم تكن تخطر على بال الكيميائيين التقليديين. 

والمقصود بالذكاء الاصطناعي التوليدي هنا هو قدرة البرامج الذكية على ابتكار حلول وتصميمات جديدة بناءً على المعلومات التي تم تدريبها عليها، مما يقلل من تجارب الخطأ والصواب في المعامل الحيوية.

تحديات البيانات

حذرت بعض الأوساط العلمية من أن توفير التمويل وحده لا يكفي، بل يتطلب الأمر تعاوناً دولياً لمشاركة البيانات الطبية الحساسة مع ضمان خصوصية المرضى. 

ومن الناحية التقنية، فإن “تدريب النماذج” الطبية يحتاج إلى كميات مهولة من الصور والتقارير الطبية الدقيقة؛ وتدريب النموذج يعني تلقين البرنامج الذكي ملايين الحالات المرضية حتى يصبح قادراً على التعرف على أي خلل في جسم الإنسان بدقة تفوق أمهر الأطباء. 

وتسعى مبادرة زوكربيرج لجعل هذه البيانات متاحة للباحثين حول العالم لضمان تسريع وتيرة الاكتشافات العلمية.

مستقبل الطب

راهنت مؤسسة زوكربيرج على أن التكنولوجيا ستكون هي “المشرط” الجديد للقرن الحادي والعشرين. إن رصد نصف مليار دولار لهذا الغرض يعكس قناعة كبرى شركات التقنية بأن المستقبل ليس في وسائل التواصل الاجتماعي فحسب، بل في “التكنولوجيا الحيوية” التي تمس حياة الإنسان بشكل مباشر.

ومن المتوقع أن تبدأ ثمار هذا المشروع في الظهور خلال السنوات الخمس القادمة، مع ظهور جيل جديد من “الأدوية الذكية” المصممة خصيصاً وفقاً للتركيبة الجينية لكل مريض، مما ينهي عصر العلاجات التقليدية الموحدة للجميع ويبدأ عصر الطب الشخصي الدقيق.

شاركها.