في محاضر الجنود، قد تُسجَّل امرأة اعتُدي عليها بالضرب أثناء قطف الزيتون، أو منزل هاجمه مستوطنون، أو حجارة أُلقيت باتجاه النوافذ. قد تُختصر الحكاية في سطر، وتُحفظ الواقعة في ملف، ثم يُطوى كل شيء كأن ما حدث تفصيل عابر. لكن ما لا يُكتب في تلك المحاضر هو ما يحدث داخل قلب امرأة حين تسمع الخطر يقترب من باب بيتها، وتدرك أنّ المسافة بين أطفالها والخطر قد لا تتجاوز عتبة المنزل. ما لا يُكتب هو ارتجافة قلبها حين تحاول أن تخفي خوفها عن أطفالها، ونظراتهم التي تبحث في وجهها عن طمأنينة قد تكون هي نفسها أحوج الناس إليها.
في المغير شمال شرق رام الله، ركَل جنود الاحتلال سيدة بأقدامهم، وطالبوها بالعودة وعدم مواصلة طريقها إلى أرضها أثناء قطف الزيتون. لكنها رغم الاعتداء لم تتراجع، وأصرّت على الوصول. كانت تتلقى الركلات، لكنها لم تمنح الخوف حق تقرير وجهتها؛ فبعض الطرق لا تقود إلى الحقول وحدها، بل إلى حق الإنسان في أرضه، وإلى كرامته التي لا ينبغي أن تُسلب بالقوة. لم تكن تتمسك بطريق فحسب، بل بحقها في الوصول إلى أرضها، وممارسة حياتها دون أن يتحول وجودها فيها إلى سبب للعقاب. كم من القهر يمكن أن تحتمله امرأة قبل أن يُطلب منها، فوق ألمها، أن تتخلى أيضا عن حقها؟ وكم من قوة تحتاجها لتواصل السير، فيما يحاول الاعتداء أن يقنعها بأن الطريق ليس لها؟
لكنّ الحكاية لا تتوقف عند هذه السيدة، بل تمتد إلى نساء أخريات وجدن أنفسهن في مواجهة الخطر داخل بيوتهن.
حين اقتحم المستوطنون محيط منزل إحدى نساء المغير، هرعت هي وبناتها، وجمعت الحجارة فوق سطح المنزل، ثم راحت تدافع عن بيتها برميها باتجاه المستوطنين المهاجمين، حتى تراجعوا.
في هذا المشهد: أم تجمع الحجارة كما لو أنها تجمع ما تبقى لها من وسائل الحماية، وبنات يشاركنها الخوف والقرار، وبيت يتحول في لحظة إلى خط دفاع أخير عن حياة أصرت أن تبقى في مكانها. تحت ذلك السطح، لم تكن هناك جدران وأبواب فقط؛ كانت حياة كاملة تحاول النجاة، وقلوب ترتجف، وأم تعرف أن عليها أن تقف في وجه الخطر، حتى لو كان قلبها يرتجف بقدر ما ترتجف قلوب بناتها.
لم تكن الحجارة مجرد حجارة؛ كانت ما استطاعت تلك الأم أن تضعه بين أطفالها والخطر. لم تملك سلاحا يوازي ما يحمله المهاجمون، لكنها امتلكت إرادة ألا تسلّم بيتها لمن جاء ليزرع فيه الرعب. ولعل أقسى ما في تلك اللحظة أن الأم لم تكن تعرف ما الذي سيحدث في اللحظة التالية؛ كل ما تعرفه أن بناتها معها، وأن عليها أن تفعل شيئا، أي شيء، كي لا يصل الخطر إليهن. أحيانا لا تمنح الحياة الأم وقتا لتفكر في خوفها؛ تضع أمامها أبناءها، وتترك لقلبها مهمة الارتجاف، فيما تتحرك يداها للدفاع عنهم.
وفي المغير، في مشهد آخر، كانت نساء أخريات وحيدات في منازلهن الواقعة على أطراف القرية، حين هاجمها المستوطنون. حملت بعضهن العصي، وأمسكت أخريات بما تيسر من أدوات المطبخ، دفاعا عن أطفالهن ومنازلهن.
حين تُحاصر الأمومة، تتغير وظيفة الأشياء؛ تصبح العصا وسيلة دفاع، وأداة المطبخ حاجزا أخيرا، ويغدو الجسد نفسه درعا يقف بين الأطفال والخطر. تأملوا قسوة أن تضطر امرأة إلى التفكير في الدفاع عن منزلها بأدوات مطبخها، فيما يفترض أن تكون تلك الأدوات جزءا من يومها العادي، وأن يكون بيتها المكان الذي تغلق فيه الباب لتستريح، لا المكان الذي تترقب فيه اقتراب المعتدين.
هؤلاء النساء لم يخترن ساحة المواجهة، ولم يذهبن بحثا عن بطولة. كنّ في بيوتهن، في المكان الذي يفترض أن يمنح الإنسان الأمان. لكن حين وصل الاعتداء إلى أبوابهن، أصبح الدفاع عن البيت دفاعا عن الأرض والوجود والحياة. لم يكن أمامهن وقت لانتظار النجدة، ولا مساحة للانسحاب من خوفهن. كان عليهن أن يواجهن ما يقترب، فيما تظل أعينهن معلقة بأطفالهن، وقلوبهن معلقة بأمنية واحدة: أن تنتهي اللحظة من دون أن يُصاب أحد منهم بأذى.
لا أكتب عنهن بوصفهن نساء لا يخفن؛ فمن حقهن أن يخفن، وأن يجدن من يحميهن من أمام المعتدين. فشجاعتهن لا تبرر قسوة الواقع الذي فرض عليهن هذه المواجهة، بل تكشفه: امرأة تُركَل لأنها تصر على الوصول إلى أرضها، وأم تجمع الحجارة لتحمي أطفالها، ونساء يحملن العصي وأدوات المطبخ كي لا تُنتهك بيوتهن. لا أريد لبطولتهن أن تحجب عنا وجعهن، ولا أن يجعلنا الإعجاب بصمودهن ننسى حقهن في الأمان. فليس من العدل أن نصف المرأة بالقوة ثم نتركها وحدها في مواجهة الخطر؛ وليس من الإنصاف أن نحتفي بما فعلته كي تحمي أطفالها، وننسى أن هؤلاء الأطفال يستحقون طفولة لا تضطر فيها أمهاتهم إلى التحول إلى خط دفاع.
أنا ابنة المغير، وهؤلاء نساء قريتي اللواتي أفخر بهن. لا أكتب عن مشاهد بعيدة، بل عن نساء واجهن الاعتداء في الحقول، ودافعن عن بيوتهن وأطفالهن بما امتلكته أيديهن من وسائل، حين اقترب الخطر ولم يكن أمامهن متسع للانتظار. أكتب عنهن وفي داخلي شيء من الغضب لأن نساء قريتي يُدفعن إلى هذه المواجهات، وشيء من الوجع لأن البيت لم يعد دائما قادرا على منح أهله الطمأنينة، وشيء عميق من الفخر لأنهن، رغم كل ما يواجهنه، لا يتخلين عن أرضهن ولا عن حق أطفالهن في البقاء. هؤلاء لسن أسماء في حكاية بعيدة عني؛ إنهن وجوه قريتي، ونساء أعرف أن خلف كل واحدة منهن قلبا له ما يخشاه، وحياة تريد أن تعيشها بسلام.
هؤلاء نساء سيكتب التاريخ عن شجاعتهن، وسيقدمن للأجيال دروسا لا تُلقّنها الكتب، بل تصنعها لحظات المواجهة. وربما غابت بعض أسمائهن عن الصفحات، لكن الأرض التي دافعن عنها ستظل شاهدة على أن نساء المغير لم ينتظرن أحدا ليكتب حكايتهن؛ كتبنها بالإصرار على الوصول، وحجرا حجرا، وبيتا بيتا. وأثبتن أن الشجاعة ليست غياب الخوف، بل أن تواجهه المرأة بكل ما يسكن قلبها من قلق على أطفالها وتعلّق بأرضها وتمسّك ببيتها، وأن تواصل الدفاع عن كل ما تحب، حتى حين لا تملك سوى إرادتها وما تستطيع يداها أن تفعلا.
