كصحافي من الشرق الأوسط قدّر له أن يشهد جولة انتخابية في الولايات الأميركية ويسأل المواطن الأميركي مباشرة عن أولوياته ودوافعه الانتخابية يمكن أن أفهم كيف ينتخب الأميركيون شخصية كاريكاتورية مثل دونالد ترامب، فالأميركيون يعيشون في عزلة جغرافية بين محيطين منفصلين عن العالم وخرائطه وصراعاته ـ ولا يعرفون أسماء معظم دول العالم وليسوا معنيين بما يجري خلف الأسوار والشواطئ.
قال لي أميركي في ذروة الجولة الانتخابية وهو يرتب أولوياته من واحد لعشرة: رقم سبعة المرشح الذي يهتم بكلبي، ورقم ثمانية الشؤون الخارجية. 
هكذا هو الأمر كل العالم أقل أهمية من كلب المواطن الأميركي.
ذات مرة كتب الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل عن اختيار جورج بوش الابن عندما كان قادة الحزب الجمهوري يجتمعون في بيت بوش الأب للبحث عن مرشح الحزب بعدما أصابهم اليأس من اختيار منافس للمرشح الديمقراطي الوسيم آل غور 
وهم يستبعدون رامسفيلد وكوندوليزا رايس وكولن باول، وبالمصادفة يدخل بوش الصغير الذي لم يكن جزءا من الاجتماع وهو يصفر فتلمع فكرة في ذهن أحد الحاضرين متسائلاً: لماذا لا نرشح «دوبيا»؟ وهو لقب الاستخفاف بجورج بوش الابن. 
وهنا ينقل هيكل أن الحاضرين كادوا يسقطون عن مقاعدهم لشدة الضحك قائلين: دوبيا ؟ ثم يضحكون مرة أخرى … في مناظرته الانتخابية سألته المذيعة عن طالبان فأجاب: أعتقد أنها فرقة موسيقية … وهكذا أصبح بوش الصغير رئيساً وهو ابن أمه الذي بكى لها وهو يسمع خبر الحادي عشر من أيلول ويسألها: أمي ماذا أفعل ؟ 
كان دوبيا يعلن الحرب كجنرال بل حربين، واحدة في أفغانستان تختلط عليه تسميتها قبل أن يقول له مساعدوه كيف تسميها العدالة المطلقة، فبالنسبة للمسلمين تلك صفة إلهية ليستبدلها بسطحيته المعروفة جيداً لدى قادة الحزب … وعندما سأل والده حينها بعد أن أصبح ميالاً لترشيحه في ذلك الاجتماع قائلاً: «ابني لا يعرف شيئاً أنا أعرفه كيف سيقود أميركا» ليكون الرد حاضراً «نحن سنحيطه بأفضل المستشارين وعندما تم ذكرهم قال الأب ساخراً: لم تتركوا وظيفة لابني».
ولكن بوش كان أكثر أدباً من ترامب إذ نشأ في عائلة احترفت السياسة، فوالده جورج الرئيس الحادي والأربعون وأخوه جيب حاكم فلوريدا وهو حفيد السيناتور بريسكوت بوش وهو نفسه كان حاكم تكساس، أما ترامب فقادم من عالم لا علاقة له بالسياسة معرفته بالإعلام تتعلق بالفكاهة والسخرية، حتى أن زوجته ميلانيا التي أشفقت علينا  بكت لحظة سماعها خبر فوزه في الانتخابات قبل عشر سنوات ليقوم بتهدئتها فيعدها بأنه سيتغير وسيكون أهدأ لكنه لم يكن كذلك.
كنت قبل أسبوع في باريس وكان الصديق أحمد عمرو يقوم بدور العارف بتفاصيل المدينة وعراقتها ليختار لي سكناً بجوار أبرز حدث تاريخي، وهو المكان الذي دفنت فيه جثتا لويس السادس عشر وزوجته الملكة ماري أنطوانيت بعد إعدامهما على يد الثورة ويحكي لي تاريخاً هائلا كانت المدينة مسرحه الواسع عندما سقطت عروش وانهزمت جيوش. 
وعندما أتجول في لندن أشعر بتاريخ كان يتحرك بين جنبات المدينة لإمبراطورية لم تغب عنها الشمس يوماً، أتأمل الأماكن التي تحركت منها الحملات والسيوف والفرسان، الحروب الصليبية، وفي العربية السعودية ومكة حيث أحد أبرز محركات التاريخ وأعمقها تأثيراً حيث ظهور الإسلام فاصلاً بين زمنين، وكيف تحرك التاريخ شرقاً وغرباً من حدود الصين إلى غرناطة وبين تلك المدن التي تكفلت بكتابة الفصول الأطول في التاريخ أتساءل كيف يجرؤ رئيس على التهجم على زعماء ورثة تلك الحضارات العريقة.
لقد مر على التاريخ كثير من الزعماء غير المتزنين أو الذين أضفوا قدراً من السخرية على أحداثه لكن لم يمر أحدهم بتلك البذاءة المخجلة.
كيف يهاجم من لم ينساقوا خلفه دون أن يميز بين خلفاء وخصوم فالجميع تحت الهجوم البذيء.
من المخجل أن تسمعه وهو يتحدث باحتقار عن الرئيس الفرنسي ماكرون وعائلته أو أن يهاجم كير ستارمر رئيس وزراء بريطانيا، وهؤلاء ورثة أمبراطوريات كبرى ودول نووية كبرى وشعوب كبرى يغضبها كثيراً هذا الاستخفاف بقادتها لأنهم جزء من رموز الدول. فهو يهين تلك الرموز بلا حساب بل يصيب الجميع بصدمة فكيف يمكن أن يتم الرد على هذا المستوى من الخلاف ؟
لم يحدث أن نزل مستوى خلاف بين زعماء إلى هذا المستوى من الانحطاط … ذات مرة هاجم ترامب حاكم ولاية كاليفورنيا الديمقراطي غافن نيوسوم وهو أحد أبرز المرشحين للرئاسة عام 2028 قائلاً: «إن زوجة نيوسوم تخونه» ما هذا ؟ فهناك حدود للخلاف وهناك خطوط حمراء وقواعد وما يعرف بأخلاق الاختلاف، لكن ترامب يقدم للبشرية نموذجاً» إبستينيا» لم تشهده السياسة من قبل. 
وهنا نسأل كيف للشعب الأميركي أن يقدم لنا تلك النماذج التي تدفع البشرية ثمن حماقتها، فالاقتصاد العالمي على وشك الانهيار والعالم يدخل حالة طوارئ إن استمرت الحرب وترامب لديه مساحات من الترف والسخرية والوقت كي يقلد ماكرون …!
في مقالي أول من أمس بعنوان: نهاية ترامب، كنت أشير للرئيس الأميركي فقط وليس للدولة الأميركية فالبعض من الحالمين اعتقدوا أن المقصود أفول الدولة الأميركية ولكن الحقيقة أننا أمام هيمنة أميركية قادمة بعد أن تتخلص من ترامب لأن النظام الأميركي مهما اختل فهو يحمل عوامل إصلاحه، فهو لا يقبل أن يحرك الذيل الكلب كما يحدث.

شاركها.