تعد حرب أكتوبر المجيدة علامة مضيئة في تاريخ العسكرية المصرية، فقد تضافرت خلالها جهود مختلف التشكيلات والقيادات في ملحمة عسكرية خاض فيها المصريون معركة استعادة الأرض والكرامة، ودفعوا من أجلها أثمانا غالية من دمائهم، حتى استعادوا جزءا عزيزا من أرض الوطن، وهي سيناء.

ولم تكن حرب أكتوبر مجرد مواجهة عسكرية، وإنما كانت اختبارا حقيقيا لقدرة مصر على تحويل إرادة التحرير إلى واقع، وإعادة بناء القوة المسلحة بعد سنوات من الصراع، وصولا إلى لحظة العبور التي أعادت للجيش المصري ثقته وقدرته على المبادرة وتحقيق أهدافه.

وفي قلب هذه الملحمة برزت أسماء عدد من القادة الذين أسهموا في الإعداد للمعركة وإدارتها، وكان من بينهم المشير محمد عبد الغني الجمسي هو آخر وزراء الحربية في مصر، والتي تم استبدالها بوزارة الدفاع، إذ شغل الجمسي كافة المناصب القيادية داخل القوات المسلحة، مرورا بالمناصب العليا، كرئيس هيئة تدريب، ثم رئيس هيئة عمليات، ثم رئيس أركان حرب، حتى وصل إلى وزير الحربية المصري، والتي تغير اسمها إلى وزارة الدفاع المصرية.

نشأة المشير الجمسي

المشير محمد عبد الغني الجمسي من مواليد 9 سبتمبر عام 1921 في محافظة المنوفية، وكان الجمسي مميزا جدا منذ نشأته، حتى إنه كان الوحيد بين أبناء أسرته الذي حصل على تعليم نظامي قبل أن تعرف مصر مجانية التعليم، وأتم تعليمه النظامي في مدرسة المساعي المشكورة بشبين الكوم بالمنوفية.

التحاق الجمسي بالقوات المسلحة

التحق المشير الجمسي بالكلية الحربية في سن الـ17 عاما، وتخرج فيها عام 1939 في سلاح المدرعات، ومع اشتعال الحرب العالمية الثانية عين كضابط في صحراء مصر الغربية، حيث كان من قلائل القادة الذين شاهدوا تلك الحرب، حيث دارت أمامه أعنف معارك المدرعات بين قوات الحلفاء بقيادة مونتجمري والمحور بقيادة روميل.

وعقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، واصل مسيرته العسكرية، فعمل ضابطا بالمخابرات الحربية، ثم مدرسا بمدرسة المخابرات، حيث تخصص في تدريس التاريخ العسكري لإسرائيل، الذي كان يضم كل ما يتعلق بها عسكريا، من التسليح إلى الاستراتيجية إلى المواجهة.

وبعد ذلك، تلقى عددا من الدورات التدريبية العسكرية في كثير من دول العالم، وحصل على إجازة كلية القادة والأركان عام 1951، كما حصل على إجازة أكاديمية ناصر العسكرية العليا عام 1966، كما اشترك المشير الجمسي في كل الحروب العربية الإسرائيلية، باستثناء حرب فلسطين عام 1948 التي كان خلالها في بعثة عسكرية خارج البلاد.

مناصب الجمسي القيادية داخل القوات المسلحة

تقلد الجمسي عددا من الوظائف الرئيسية بالقوات المسلحة المصرية، منها قيادة اللواء الخامس مدرعات بمنطقة القناة في معركة السويس عام 1956، وتولى رئاسة أركان المدرعات في 1957.

كما كان قائد اللواء الثاني مدرعات في 1958، ثم التحق ببعثة المدرعات في أكاديمية فرونزي بالاتحاد السوفيتي في 1960، وفي عام 1961 أصبح قائد مدرسة المدرعات، وبعدها بأربع سنوات رقي إلى رتبة لواء في يوليو 1965، ورئيسا لأركان الجيش الثاني في 1967.

وتولى رئاسة هيئة تدريب القوات المسلحة في 1971، وفي عام 1972 أصبح رئيسا للمخابرات الحربية، ثم رئيسا لهيئة عمليات القوات المسلحة في يناير 1972، وفي عام 1973 أصبح رئيسا لأركان القوات المسلحة ورقي إلى رتبة فريق، كما رقي إلى رتبة فريق أول في 1974، وفي 1980 رقي إلى رتبة مشير.

وفي الفترة من 1974 وحتى أكتوبر 1978، عين وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة، وتدرج في المناصب حتى عين نائب رئيس الوزراء ووزير الحربية والإنتاج الحربي والقائد العام للقوات المسلحة في 1975.

كما تدرج المشير الجمسي في العديد من المناصب، حيث عين رئيسا للوفد العسكري المصري في مباحثات الكيلو 101، ثم رئيسا للوفد العسكري المصري في المفاوضات العسكرية المصرية الإسرائيلية، وتقاعد بناء على طلبه في 11 نوفمبر 1980.

ومن أشهر إسهاماته “كشكول الجمسي”، وهو دراسة أشرف عليها الجمسي للإعداد لحرب أكتوبر، وقد أطلق السادات عليها هذا الاسم، ورحل المشير الجمسي في صمت بعد معاناة مع المرض في 7 يونيو 2003 عن عمر ناهز 82 عاما، عاش خلالها حياة حافلة.

المناصب العليا داخل القوات المسلحة

عين المشير محمد عبد الغني الجمسي رئيس هيئة العمليات للقوات المسلحة في يناير 1972 للاستعداد لحرب أكتوبر، ثم رئيس الأركان للقوات المسلحة خلفا للفريق سعد الدين الشاذلي في ديسمبر 1973، ثم وزيرا للحربية والقائد العام للقوات المسلحة في ديسمبر 1974 حتى أكتوبر 1978.

رفض عبد الناصر استقالة الجمسي

عقب عدوان 5 يونيو 1967، تقدم المشير محمد عبد الغني الجمسي باستقالته من القوات المسلحة، ليفسح للجيل الجديد الفرصة لاسترداد الأرض المحتلة، ورفض الرئيس جمال عبد الناصر الاستقالة، وأسند له مهام الإشراف على تدريب الجيش المصري مع عدد من القيادات المشهود لهم بالاستقامة والخبرة العسكرية، استعدادا للثأر.

وكان من أكثر قيادات الجيش دراية بالعدو، فساعده ذلك على الصعود بقوة، فتولى رئاسة هيئة تدريب القوات المسلحة، ثم رئاسة هيئة عمليات القوات المسلحة، وهو الموقع الذي شغله عام 1972، ولم يتركه إلا أثناء الحرب لشغل منصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة.

اقترب موعد الهجوم لتحرير سيناء 1973، وكان الجمسي وقتها يرأس هيئة عمليات القوات المسلحة، وإلى جانب تخطيط تفاصيل العمليات للحرب، قامت هيئة عمليات القوات المسلحة برئاسته بإعداد دراسة عن أنسب التوقيتات للقيام بالعملية الهجومية، حتى توضع أمام الرئيس أنور السادات والرئيس حافظ الأسد لاختيار التوقيت المناسب للطرفين.

واعتمدت على دراسة الموقف العسكري للعدو وللقوات المصرية والسورية، وسميت تلك الدراسة “كشكول الجمسي”، وتم اختيار يوم 6 أكتوبر بناء على تلك الدراسة.

وأطلق على المشير الجمسي لقب مهندس حرب أكتوبر، وقد تم تصنيفه ضمن أبرع 50 قائدا عسكريا في التاريخ، كما ذكرت أشهر الموسوعات العسكرية العالمية.

التفاوض مع إسرائيل

اختار الرئيس الراحل محمد أنور السادات المشير عبد الغني الجمسي قائدا للمفاوضات مع الإسرائيليين بعد الحرب، ورُقّي وقتها إلى رتبة الفريق أول مع توليه منصب وزير الحربية عام 1974 وقائدا عاما للجبهات العربية الثلاث عام 1975.

الأوسمة والأنواط والميداليات

حصل المشير محمد عبد الغني الجمسي على 24 نوطًا وميدالية ووسامًا من مصر والدول العربية والأجنبية، ومنها:

وسام نجمة الشرف العسكرية.

وسام التحرير عام 1952.

وسام ذكرى قيام الجمهورية العربية المتحدة عام 1958.

شاركها.