يعود السابع من أكتوبر ليطرح اليوم تساؤلات غاضبة مستفزة فرضها الثمن الهائل الذي دفعه الشعب الفلسطيني من أبنائه ومن بنائه، وخصوصا في “غزة”، برغم أنه استطاع وحده تدمير أسطورة الكيان الصهيوني المثالية المزعومة في غابة دكتاتوريات مشرقية، طبقا لما كان يُروّج منذ الأربعينيات.
لكن “طوفان الأقصى” وما نتج عنه وترتب عليه استطاع أن يحول إسرائيل إلى دولة منبوذة، أصبحت مثل بيت سيئ السمعة، يخشى المحترمون مجرد الوقوف أمام بابه.
ويكفي أن حزبا بريطانيا أعاد إطلاق صفة العنصرية على الصهيونية، بعد أن ساهمنا نحن في إنقاذ إسرائيل منها إثر ما قيل إنها اتفاقية سلام.
غير أننا، في الوقت نفسه، يجب أن نعترف بأن التقاعس العربي الإسلامي في نصرة الصمود الفلسطيني كلل بالعار أمة أخلفت موعدها مع التاريخ.
ولا بد من الإقرار بأن أي وطني يعرف قيمة الدم العربي الغزير الذي سفحه العدو على الأرض العربية وحجم الأشلاء الهائل الذي ما زال تحت الأنقاض والشهداء الذين مازالوا يرتقون يوما بعد يوم والعدد المهول من الأرامل واليتامى والمعطوبين الذين يرتجفون في برد أكتوبر سيحس بالخجل إذا فوجئ أن أهم التساؤلات التي تفرض نفسها اليوم، من منطلق مراجعة المواقف ونقد الذات، هو التساؤل حول الأخطاء المرتكبة في مواجهة العدوّ.
ويتذكر بعض الرفاق أنني قلت في نوفمبر 2024 متسائلا: هل أخطأ “يحيى السنوار” في حساباته؟.
المؤكد أن عملية “7 أكتوبر 2023” التاريخية قد حققت أهدافا كانت تبدو مستحيلة حتى في أكثر الأحلام مراهقة وعاطفية.
كان أول وأهم الأهداف التي تحققت هو إحياء القضية الفلسطينية بعد أن كانت، قبل ذلك التاريخ الذي سجله التاريخ، قضية هلامية لا يتذكرها أحد إلا كمن يتذكر عجوزا راحلا منذ عشرات السنين، بابتسامة رثاء ومصمصة شفاه، وبعد أن أصبحت الأرض الفلسطينية قطعة من الجبن تتناوب عليها قوارض المستوطنين، وذلك في غياب تام لكل المؤسسات الإقليمية والدولية التي تفاعلت إيجابيا مع ما تم في “أوسلو” في أكتوبر 2015، والذي اعترف “ياسر عرفات” في أواخر أيامه بأنه كان فخّا وقعت فيه المقاومة الفلسطينية، وإن كانت دوافع العرّاب “محمود عباس” لم تكن وقتها واضحة أو مؤكدة، وحتى ولو كان هناك من يتطرف إلى حد التساؤل عن خلفيات “أبو عمار” نفسه، والذي تناولته بعض الشكوك منذ اغتيال “ناجي العلي” في لندن..
وكان ثاني الأهداف التي تحققت هو تعرية الكيان الصهيوني وسقوط هيبته الدولية والإقليمية، حيث ظهر جليا أنه كيان عنصري وحشي، وأن قوته هي قوة هشة مفبركة لم تصمد أمام قلة من رجال “القسام” إلا بفضل ما تهاطل عليه من أسلحة هائلة كانت مُعدّة لمواجهة قوى عُظمى، وبفضل الأغذية والاحتياجات المدنية بل والعنصر البشرية التي تولت بعض الدول العربية تزويده بها.
وكان ثالث الأهداف التي تحققت استيقاظ شعوب الشمال من غيبوبة المخدرات اليهودية، والتي كان وراءها، من جهة، التعاطف مع اليهود الذين قيل أن النازية فعلت بهم الأفاعيل، ومن جهة أخرى التغطية على عقدة الذنب لدى شرائح كبيرة في المجتمع الأوربي، والفرنسي على وجه التحديد، تواطأت مع “الغستابو” الألماني.
وهنا نفهم لماذا فرضت “باريس”، بدافع عقدة الذنب، قانونا يعاقب من يشكك، لا فيما تعرض له اليهود، بل في صحة رقم الستة ملايين ضحية من اليهود.
كان هذا بعض ما قلته منذ نحو عامين، لكن ما عشناه من مواقف منذ انطلق طوفان الأقصى منذ ثلاث سنوات وما تسرب من معلومات خلال الشهور الماضية كشف أمورا أخرى عانينا منها منذ عقود، ولم يعد من الممكن التستر عليها أو الالتفاف حولها، لأنها هي السرطان الذي امتص قوانا ووصل بنا إلى ما نحن عليه.
أول الأمور هو أن معظم القيادات الوطنية التي تناوبت على مواقع السلطة السياسية والحزبية بل والفكرية في الوطن العربي، وأكاد أقول…بدون أي استثناء، مسؤولة عن حالة البرود التي تصرفت بها الأمة تجاه مأساة غزة، وهي حالة شبهتها يوما بوضعية البرود الجنسي الناتج عن خيبات أمل عاطفية متتالية، بعد أن تساقطت الشعارات الرائعة في الوحدة والحرية والعدالة الاجتماعية والديموقراطية السياسية كأحجار “الدومينو” في المثال المعروف.
وكانت النتيجة، وبغض النظر عن انتفاضات عاطفية لبعض الشرائح الشعبية في بعض البلدان، ومع تجاهل ما يقوله البعض من أن كثيرا منها كان انتفاضات مفبركة لرفع العتب وترويج التطبيع بل ولتبرير التآمر، فإن الوطن العربي في معظمه جسّد سقوطا أخلاقيا لا سابق له ولا مثيل، خصوصا مقارنة بمواقف اتخذتها شعوب الغرب وتألق بها كثير من سياسييه ومثقفيه وفنانيه.
وهنا يمكن القول، بدون خوف من الاتهام بالمبالغة أو التجاوز، أن التشخيص الحقيقي لمرض الأمة العربية هو غياب الديموقراطية، وتحكم السلطات في صياغة الممارسات السياسية المتاحة للجماهير، بحيث أصبحت هذه كمجموعات “الكومبارس” في فيلم مصري أو هندي قديم.
وفي معظم الأحيان لم يعد المناضل الحزبي أو الكاتب الصحفي أو المثقف المتميز ذلك النجم الذي كان يوما يحرك الجماهير، فقد تحول من عبد “الله” إلى عبد “المهماز”.
وكانت قمة السقوط هي مواقف أنصار “أوسلو”، التي نتحمل مسؤولية عدم التنديد بها منذ اليوم الأول لارتكابها، والتي يرى البعض أنه كان يجب أن نستنج منها نهاية أسطورة “ياسر عرفات”، حيث وصل البعض إلى الادعاء بأن الزعيم التاريخي أصيب بالملل من الصراع، وراح يردد العبارة التي نسبت للزعيم المصري “سعد زغلول”.
وأعود هنا إلى السؤال الذي أعيدُ طرحه: هل أخطأ “يحيى السنوار” في حساباته؟
المؤكد أن الشهيد العظيم، بحكم خبرته في التعامل مع الصهاينة وإدراكا منه لمدى شراسة الضبع الجريح، كان يعرف أن الانتقام سيكون رهيبا، ولكن المؤكد أيضا أنه لم يكن ينتظر أن تهُبّ بعض جيوش الطوق لمواجهة الجيش الإسرائيلي، ولا أظن أنه كان يريد ذلك، فهو يعرف أن دخول الجيوش العربية الكسيحة إلى الأرض الفلسطينية في 1948 كان خطأ تاريخيا لا يمكن نسيانه.
وأنا أتصور أن قائد كتاب القسام لم يُخطر “حزب الله” بانطلاقته حرصا منه على السرية المطلقة التي تحقق المفاجأة وتضمن النجاح، خصوصا وأن الحزب كان، في نظر البعض، “ملوثا” بدعم نظام “بشار الأسد”.
وثبت فيما بعد أن السنوار كان على حق في تخوفه، لكن المؤكد أنه لم يكن يتوقع وجود الاختراقات المعيبة التي قادت إلى عملية “البيجر”، ثم إلى اغتيال الشهيد “حسن نصر الله” وبعض رفاقه، بعد اغتيال “إسماعيل هنية”.
ولا أظن، في تصوري، أنه كان يريد أن يسارع حزب الله في الأيام الأولى لكي يقنبل الكيان الصهيوني بما يُخفف الضغط على غزة، لأن ذلك كان يمكن أن يؤلب العالم كله ضد المقاومة الفلسطينية، حيث سيؤكد مزاعم إسرائيل التي ظلت تقدم نفسها كحمل وديع يحيط به الذئاب، وسوف يحرم المقاومة من تضامن شعوب الشمال، وهي عنصر فاعل مؤثر لا يشبه معظم شعوبنا في شيء.
لكن السنوار لم يكن يتوقع أن يكون رئيس دولة عربية وقائد مخابرات دولة عربية أخرى وآخرون، لا أعرفهم الله يعرفهم، هم الذين سيتسابقون لتحذير “نتنياهو” من طوفان الأقصى.
هذا يطرح اليوم تساؤلا أراه بالغ الأهمية.
هل استهان السفاح الإسرائيلي بالتحذيرات التي جاءته، لأن غروره جعله يتصرف بحجم لا نهائي من التعالي بحيث أهمل تجنيد قواه للمواجهة، أم على العكس من ذلك، كان يريد أن تتم العملية فعلا لكي تكون فرصة ينتهي بها إلى الأبد من صداع غزة هاشم، بتدمير القطاع وتهجير مواطنيه ثم الانعطاف نحو الضفة الغربية ليواصل قضمها عبر المستوطنين، ورصيده في ذلك اطمئنانه إلى أن الرئيس الأمريكي هو طوع بنانه، والرأي العام الدولي منسجم مع الطروحات الصهيونية في حماية أسطورة “عداء السامية”، والعالم العربي نفسه ملّ من القضية الفلسطينية، ولن يواجَهَ منه إلا بعبارات العتاب المألوفة.
ولعل التحفظ الوحيد على هذا التحليل هو أن المجرم لم يكن يتوقع أن يكون “طوفان الأقصى” بمثل ذلك التنظيم المحكم والفعالية المؤثرة، وخصوصا عندما تحقق التلاحم الرائع مع المقاومة من المواطنين في القطاع، وهو ما يفسر واحدا من أسباب الحقد الإجرامي الصهيوني الذي حول القطاع إلى ما يقرب من صورة “هيروشيما” في أغسطس 1945.
ويبقى أن هناك فيما يتعلق بالمواجهة مع الكيان الصهيوني أمرا أعترف أنني لم أنجح في فهمه إلى يومنا هذا.
فقد استطاعت إسرائيل أن تمارس التصفية الجسدية لكل من رأت فيهم خطرا على وجودها، ولم يسلم من إجرامها وسيط دولي مثل الكونت “برنادوت” أو أدباء مثل “غسان كنفاني” أو شيخا مشلولا مثل “أحمد ياسين” أو سياسيا مثل “مشعل”، لكن ما لا أفهمه هو لماذا لم تتمكن المقاومة الفلسطينية بكل إمكانياتها من اصطياد مجرم واحد من عتاة الصهاينة، وبحيث أن اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي “إسحق رابين” تم بيد متطرف صهيوني.
ولقد سمعت الكثيرين من المناضلين الفلسطينيين يعتبرون الثورة الجزائرية ملهمة لكفاحهم، فكيف فاتهم معرفة قصة “محمد بن صدوق”، الذي اغتال خائنا جزائريا في حضور رئيس الجمهورية الفرنسية، وكيف لم يدركوا أثر ذلك الاغتيال الانتقائي على الساحة الفرنسية يمينا ويسارا، خدمة للقضية الوطنية.
وما زال هناك الكثير مما يجب أن يقال، إذا أردنا الخروج من مرحلة غثاء السيل.
كاتب ومفكر ووزير اعلام جزائري سابق
