من أخطر ما تفعله الصراعات الممتدة أنها لا تدمر المدن والبنية التحتية فحسب، بل تعيد تشكيل السياسة ذاتها. فمع مرور الزمن، قد لا يصبح الهدف الرئيس لبعض الفاعلين إنهاء الصراع، بل إدارة استمراره، لأن الحرب نفسها تخلق بيئة جديدة تتكون فيها شرعيات، وتتبدل فيها الأولويات، وتنشأ مصالح يصعب التخلي عنها. هذه ليست تهمة سياسية، بل ملاحظة تناولتها أدبيات الصراع والعلاقات الدولية. فالباحثون في الصراعات الممتدة يشيرون إلى أن الحروب الطويلة قد تنتج ما يمكن تسميته بـ”إعادة الإنتاج المتبادل للصراع”، حيث يصبح كل طرف، من حيث النتائج لا النوايا، عاملاً يساعد الطرف الآخر على تعزيز خطابه وشرعيته وتبرير سياساته.

ولا يعني ذلك وجود تنسيق بين الخصوم أو تطابق في أهدافهم، بل يعني أن السياسات التي ينتهجها كل طرف قد تمنح خصمه، موضوعياً، أدوات إضافية للدفاع عن مواقفه وتحقيق بعض أهدافه.ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة جانب من العلاقة بين حكومة نتنياهو وحركة حماس خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد السابع من أكتوبر. فقد بنى نتنياهو، طوال سنوات، جزءاً كبيراً من مشروعه السياسي على ثلاث ركائز أساسية: لا يوجد شريك فلسطيني موحد، والأولوية المطلقة للأمن، وأي انسحاب أو تسوية سياسية قد تكرر “نموذج غزة”. وقد وجد في استمرار الانقسام الفلسطيني، وفي بقاء حماس القوة المهيمنة في القطاع، ما يعزز هذه السردية أمام الداخل الإسرائيلي وأمام جزء من المجتمع الدولي.

وفي المقابل، وجدت حماس في صعود اليمين الإسرائيلي المتطرف، ورفضه المتكرر للتسوية السياسية، واستمرار الاحتلال والاستيطان، ما يدعم خطابها القائم على أن المسار التفاوضي وصل إلى نهايته، وأن خيار المقاومة هو البديل الوحيد. وهكذا، أصبح كل طرف يستخدم وجود الآخر لإثبات صحة روايته وسرديته السياسية. لكن السؤال الأهم لا يتعلق بما يريده نتنياهو أو بما تريده حماس، بل بما آلت إليه النتائج على المجتمع الفلسطيني. فالسياسة لا تُقاس بالنوايا وحدها، وإنما أيضاً بمخرجاتها. وقد يكون الفاعل مدفوعاً بقناعة وطنية، لكن حصيلة سياساته تمنح خصمه مكاسب استراتيجية لم يكن ليحصل عليها لولا هذه السياسات.

وهنا تبرز مسؤولية المراجعة. إذا كانت النتيجة العملية هي استمرار الانقسام الفلسطيني، وتعثر إعادة بناء المؤسسات الوطنية، وإضعاف المشروع الوطني الجامع، ومنح إسرائيل فرصة لتسويق روايتها حول غياب الشريك الفلسطيني، فإن من المشروع أن نتساءل: هل تحتاج هذه السياسات إلى مراجعة؟ ليس لأنها سيئة في ذاتها بالضرورة، وإنما لأن نتائجها تستحق التقييم. وفي هذا السياق، يبرز سؤال أكثر حساسية، لكنه أكثر أهمية أيضاً. هل أصبحت الأولوية هي حماية المجتمع الفلسطيني، أم حماية أدوات النفوذ السياسي؟

فحين تصبح ملفات الحكم، والموظفين، والإدارة، وترتيبات السلطة، جزءاً أساسياً من العقدة السياسية، فمن حق الناس أن تسأل: أين يقع الإنسان الفلسطيني في سلم الأولويات؟ وهل أصبحت قضايا البقاء التنظيمي تتقدم، ولو من حيث النتائج، على قضية بقاء المجتمع نفسه؟ إن هذا السؤال لا يخص حماس وحدها، بل ينبغي أن يوجه إلى كل قوة سياسية فلسطينية، لأن التجربة التاريخية تعلمنا أن حركات التحرر قد تقع، إذا غابت عنها المراجعة، في فخ الخلط بين بقاء التنظيم وبقاء القضية.

والحقيقة أن حركات التحرر لا تُقاس بعدد السنوات التي بقيت فيها في السلطة، ولا بعدد موظفيها، ولا بحجم نفوذها، وإنما بقدرتها على حماية المجتمع الذي نشأت للدفاع عنه. فالتاريخ لا يسأل: كم بقي التنظيم؟ بل يسأل: كم بقي الوطن؟ كم بقي المجتمع؟ كم بقيت المؤسسات؟ وكم بقي الإنسان؟

إن الشعب الفلسطيني لا يحتاج اليوم إلى انتصار فصيل على آخر، ولا إلى إعادة إنتاج الانقسام بصيغ جديدة، وإنما يحتاج إلى إعادة تعريف الأولويات الوطنية. فالقيمة العليا في أي مشروع تحرري ليست بقاء القيادة، ولا بقاء الحكومة، ولا بقاء التنظيم، وإنما بقاء الشعب نفسه، وصموده، ووحدته، وقدرته على استعادة مؤسساته وبناء مستقبله.

لقد نجح نتنياهو، سياسياً، في استثمار كثير من الانقسامات الفلسطينية، كما نجحت حكومات إسرائيل المتعاقبة في تحويل هذا الانقسام إلى أحد أهم مبرراتها لرفض التسوية السياسية. وهذه حقيقة ينبغي أن تدفع الفلسطينيين إلى مراجعة أنفسهم، لا إلى تبادل الاتهامات.

فالمراجعة ليست اعترافاً بالهزيمة، بل شرط من شروط البقاء.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل الأسئلة الأخرى:

هل أصبح المشروع الوطني الفلسطيني هو الذي يوجه الفصائل؟

أم أن الفصائل، بحكم الأمر الواقع، أصبحت هي التي ترسم حدود المشروع الوطني؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط شكل النظام السياسي الفلسطيني في المستقبل، بل ستحدد أيضاً قدرة الشعب الفلسطيني على الصمود واستعادة زمام المبادرة.

فالأوطان لا تبقى لأن التنظيمات بقيت، وإنما تبقى عندما تدرك التنظيمات أن وجودها يستمد شرعيته من خدمة المجتمع، لا من بقائها هي.

وإذا كانت الحروب تعلمنا شيئاً، فهو أن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تضمن استمرار القوى السياسية، بل تلك التي تضمن استمرار الشعوب.

شاركها.