قبل أن ينتصف الليلة الماضية ، داهمت قطاع غزة موجة من العواصف الماطرة، فغرقت الخيام، وجرفت السيول ما تبقى من طرقات وشوارع، فيما انهار مبنى متهالك في مدينة غزة، وكأن ما لم تدمره حرب الإبادة على امتداد ثلاثة أعوام، جاءت الأمطار والرياح لتكشف هشاشته وتضاعف معاناة من تبقى من أهل القطاع .
في تلك الليلة، لم يكن المطر مجرد زخات ماء، ولا الرياح مجرد عاصفة عابرة. كانا اختباراً جديداً لقسوة الحياة التي يعيشها النازحون. أطفال يرتجفون بين أحضان أمهاتهم، وأمهات يحاولن احتضانهم وتدفئتهم بما تبقى لديهن من أغطية، وآباء يشدون الحبال ويغرسون الأوتاد، ويحاولون تثبيت خيامهم في أرض تتشبع بالمياه وتتحول إلى برك من الوحل. وبين خيمة وأخرى، كان الناس يتفقدون جيرانهم، ويسارعون إلى مساعدة بعضهم بعضاً، فالمأساة واحدة، والوجع مشترك، والخطر لا يستثني أحداً.
ومع انبلاج الصباح، وبعد ليلة لم ينم فيها كثيرون، لم ينتظر الناس أن تتوقف الأمطار. بدأوا بترميم خيامهم، وإعادة تثبيت ما اقتلعته الرياح، وسد الفتحات التي تسربت منها المياه، ومحاولة إنقاذ ما تبقى من أمتعتهم وأغطيتهم، قبل أن تجرفها السيول أو تبتلعها المياه المتجمعة.
وقبيل ظهر اليوم السبت ، وفي جولة سريعة أجريتها في المحيط على عجل، شاهدت مشهداً يصعب أن يغادر الذاكرة. الناس يتحركون كخلية نحل، يغوصون في الوحل، وقد رفعوا سراويلهم إلى ما فوق الركبتين، يحملون المطارق ولفائف النايلون وبضعة مسامير، يتنقلون بين الخيام، يثبتون هذا الحبل، ويشدون ذاك الوتد، ويسدون ثقباً هنا، ويرفعون طرف خيمة هناك. كل واحد منهم يحاول إنقاذ مأواه المتواضع، وكأنما يخوض معركة جديدة كي لا يفقد آخر ما يستره ويحمي أطفاله من البرد والمطر.
كان المشهد أقرب إلى مفارقة موجعة؛ أناس يثبتون خيامهم وكأنهم يثبتون نعوشهم، في صيف غزة وشتائها، بعدما حُرموا من البيوت والأمان وأبسط مقومات الحياة. خيام لا تقي حر الصيف، ولا تصمد أمام برد الشتاء، ولا تحمي من رياح العواصف، ومع ذلك يتمسك بها أصحابها لأنها لم تعد مجرد خيمة، بل آخر ما تبقى لهم من مأوى، وآخر حاجز بينهم وبين العراء والمجهول.
إن ما يجري في غزة ليس كارثة طبيعية فحسب؛ فالأمطار ظاهرة طبيعية، لكن أن يجد مئات الآلاف من البشر أنفسهم في مواجهة العواصف داخل خيام مهترئة، وعلى أنقاض بيوتهم، وفي ظل غياب الحد الأدنى من مقومات الإيواء والحماية، فذلك نتيجة مباشرة لثلاثة أعوام من حرب الإبادة الشاملة، ولتعثر الجهود الجادة في توفير المأوى والمستلزمات الضرورية للناس. فالكارثة لم تبدأ مع أول قطرة مطر، بل بدأت حين دُمرت البيوت، وشُرد أصحابها، وتُركوا يواجهون مصيرهم في خيام لا تصمد أمام أبسط تقلبات الطقس.
وأمام اتساع حجم المأساة وتشابك الاحتياجات الإنسانية والإغاثية، لم يعد ممكناً الاكتفاء بالاستجابات المتفرقة أو المعالجات المؤقتة. ثمة ضرورة وطنية عاجلة لتشكيل لجنة وطنية عليا للإغاثة، يصدر بتشكيلها مرسوم رئاسي، وتضم الجهات الرسمية والمؤسسات الوطنية والبلديات ومؤسسات المجتمع المدني والهيئات الإغاثية، بما يضمن توحيد الجهود، وتنسيق الأولويات، وتوزيع المسؤوليات، ومتابعة تنفيذ خطة طوارئ شاملة تستجيب لاحتياجات الناس في مختلف مناطق القطاع. لجنة تكون لها صلاحيات واضحة وآليات عمل معلنة، وتعمل بشفافية ومساءلة، بعيداً عن الازدواجية والتنافس وتشتت المبادرات، وتضع إنقاذ الناس وحماية حياتهم فوق كل اعتبار.
إن المسؤولية الإنسانية والوطنية تقتضي ألا يُترك أهل غزة وحدهم في مواجهة المطر والبرد والسيول، وألا تتحول معاناة النازحين إلى مشهد موسمي يتكرر مع كل منخفض جوي. المطلوب تحرك عاجل لتوفير خيام صالحة ومستلزمات إيواء حقيقية، ومواد تدفئة، وفتح الطرق ومجاري تصريف المياه، وتأمين المأوى الآمن، إلى جانب إدخال المساعدات وإزالة آثار الدمار، والعمل على تهيئة الظروف لعودة الناس إلى بيوتهم ومناطقهم متى أمكن ذلك. كما أن المجتمع الدولي، الذي يشاهد هذه المأساة، مطالب بتحمل مسؤولياته وعدم الاكتفاء ببيانات القلق والتضامن.
في غزة، لم يعد الناس يطلبون الكثير؛ يريدون سقفاً لا يسقط فوق رؤوس أطفالهم، وأرضاً لا تتحول إلى بركة ماء تحت فراشهم، وخيمة لا تقتلعها أول عاصفة. يريدون حقهم البسيط في أن ينام أطفالهم ليلة واحدة دون خوف من قصف أو برد أو مطر. يريدون أن يستعيدوا شيئاً من الحياة التي سُلبت منهم، وأن يتوقف هذا الامتحان القاسي الذي يواجهونه في كل يوم وليلة.
ومع ذلك، ورغم كل هذا الوجع، لا يزال الناس يتفقدون جيرانهم، ويساعد بعضهم بعضاً، ويتقاسمون ما تبقى لديهم من إمكانات قليلة. إنها حكاية شعب يحاول أن يحمي الحياة بما تيسر له من حبال ومسامير وقطع نايلون، بينما العالم مطالب بأن يتجاوز الاكتفاء بمشاهدة المأساة، وأن يتحمل مسؤولياته في حماية الناس وإنقاذهم.
لكن أي وجع هذا الذي يجعل الأب يخرج في منتصف الليل ليشد وتداً كي لا تطير خيمة أطفاله، والأم تضم صغارها إلى صدرها فلا تجد ما تدفئهم به، والطفل الذي كان ينبغي أن يخاف من أحلامه المزعجة بات يخاف من صوت الريح والمطر؟ وأي حياة هذه التي يصبح فيها تثبيت الخيمة معركة، وتجفيف الفراش حلماً، والبحث عن مكان جاف للنوم مطلباً يفوق قدرة الإنسان؟
إنهم لا يثبتون خيامهم لأنهم اختاروا العيش فيها، ولا لأنهم اعتادوا هذا البؤس، بل لأن بيوتهم سُويت بالأرض، ولأنهم ينتظرون العودة إليها، ولأنهم رغم كل شيء ما زالوا يتمسكون بالحياة. يثبتون خيامهم وكأنهم يثبتون نعوشهم، لكنهم في الحقيقة يحاولون حماية ما تبقى من أعمارهم وأعمار أطفالهم.
في غزة، لم يعد المطر يغسل الأرض، بل يكشف حجم الجرح المفتوح فيها. ولم تعد الخيمة مجرد مأوى مؤقت، بل صارت شاهداً على عجز العالم عن حماية شعب تُرك عارياً في مواجهة الموت بأشكاله المختلفة. وما بين قصف الأمس ومطر الليلة، ما زال الفلسطيني يسأل السؤال ذاته: إلى متى علينا أن نموت ألف مرة كي نحصل على حقنا في حياة واحدة؟ 7112026

شاركها.