مع بداية العام الدراسي الجديد، لم تُفتح أبواب مئات المدارس فيقطاع غزة، ليس بسبب العطل أو الإجازات، بل لأنها ببساطة لم تعدموجودة. مبانٍ دُمرت بالكامل، وأخرى تضررت بشكل يمنعاستخدامها، تاركة آلاف الطلاب في حالة تيه تعليمي، يعيشون بينفقدان الكتب وضياع الصفوف.
في أحد شوارع غرب غزة، يجلس طلاب من المرحلة الإعدادية فوق كتلإسمنتية متشققة، يحاولون متابعة درس تطوعي نظمه بعض المعلّمين. المشهد يختصر حجم الفجوة التي خلّفتها الحرب في التعليم، بعد أنتحولت العديد من المدارس إلى مراكز إيواء أو إلى أنقاض صامتة.
يقول المعلّم سامر، وهو يشرح لطلابه وسط ركام مدرسة “أحمدالشقيري”: “التعليم مش مبنى، التعليم روح. بس الروح كمان بدهامكان تعيش فيه. ما بنقدر نكمل هيك طويلًا”.
تقديرات أولية لوزارة التربية تشير إلى أن أكثر من 70% من المدارسفي القطاع تضررت بدرجات متفاوتة، فيما فقد عشرات آلاف الطلابدفاترهم وكتبهم وملابسهم المدرسية خلال النزوح المتكرر.
ورغم الظروف القاسية، يحاول الأهالي والمعلّمون الحفاظ على الحدالأدنى من المسار التعليمي. مجموعات تطوعية تنظم فصولاً بديلة تحتالخيام، وأخرى توفّر نسخة رقمية من الكتب عبر الهواتف، رغم ضعفالكهرباء والاتصال بالإنترنت.
معاناة الطلاب لا تتوقف عند فقدان المباني؛ فالكثير منهم يعاني آثاراًنفسية عميقة. بعضهم يتشتت بمجرد سماع صوت مرتفع، وآخرونفقدوا القدرة على التركيز بعد تجربة النزوح والعيش في أماكنمزدحمة. مختصون نفسيون يحذرون من أن أي عملية إعادة إعمارللتعليم يجب أن تبدأ من إعادة ترميم الثقة والأمان داخل الأطفال، قبلترميم الجدران.
الجهود الدولية لإعادة تأهيل المدارس ما تزال في بدايتها، وسطإجراءات معقدة لدخول المواد وغياب تمويل كافٍ. وبينما تنتظر الخططالكبيرة الضوء الأخضر، يستمر الغزيون في صناعة حلولهم الصغيرة؛لوح خشبي يتحول إلى سبورة، وخيمة تصبح صفاً، وكتب مصوّرة علىالهواتف تعوض النقص.
لكن رغم كل التحديات، تظهر إرادة التعليم قوية. فالطلاب الذينيجلسون بين الركام يكتبون بأقلام قصيرة، لكنهم يكتبون بإصرارطويل… كأنهم يقولون إن المستقبل يبدأ من هنا، حتى لو كان المكانمجرد أرضٍ بلا سقف.
