لم يكتفِ الفنان السوري فارس الحلو بالمرور العابر على القضية الفلسطينية، بل غاص في عمق العلاقة الجدلية بين وعي الشعب السوري بها، واستغلال النظام السوري لها كأداة للمشروعية السياسية.
وأوضح في حوارية ضمن فعاليات مهرجان المسرح الحر الدولي بالعاصمة الأردنية عمّان، مساء أول من أمس، أن السوريين، كشعب، لم تكن فلسطين بالنسبة إليهم يوماً قضية خارجية أو عابرة، بل قضية مركزية كبروا وتربّوا عليها في مدارسهم، وبيوتهم، وحياتهم اليومية، وعلاقاتهم مع أصدقائهم وزملائهم، لكنه وضع خطاً فاصلاً وواضحاً بين الوجدان الشعبي السوري وبين سلوك النظام البائد في سورية، حيث أكد بصراحة أن نظام الأسد اتخذ من القضية الفلسطينية “شعاراً للمتاجرة” والتربّح السياسي الداخلي والإقليمي، مستخدماً إياها كغطاء لفرض سياساته وقمع الداخل تحت دعاوى “المواجهة والمقاومة”، وفق تعبيره.
وأشار الحلو إلى أن أحداث الثورة السورية والمآلات الصعبة التي وصلت إليها البلاد اليوم، كانت بمثابة نقطة تحوّل كاشفة أسقطت الكثير من الأقنعة والشعارات الزائفة التي دأب النظام على ترويجها لعقود، مضيفاً: إنه بات واضحاً اليوم، خاصة بعد تجربة الثورة، أن المصالح والتحركات السياسية أثبتت حقائق مغايرة للشعارات، واصفاً بشار الأسد ونظامه بأنهما كانا يخدمان مصالح تثبّت وجودهما في السلطة على حساب دماء الشعبين السوري والفلسطيني.
تفاعل فارس الحلو بشكل مباشر وعميق مع سؤال لـ”الأيام” حول زيارة فلسطين، فكشف عن رغبة شخصية قديمة وعميقة لديه بتحقيق هذه الزيارة، مؤكداً أنه بمجرد حصوله على الجنسية الفرنسية وجواز سفرها، سيبدأ بالتنسيق لها بالفعل، معرباً عن أمله بأن تلك الزيارة ستتحقق قريباً.
وأكد الحلو أن العلاقة بين الفن والحرية علاقة تلازمية لا تنفصم؛ فالفن بلا حرية ناقص، والحرية بلا فن لا يمكنها أن تُنتج إبداعاً حقيقياً، موضحاً أنه يفضّل وصف موقف الفنان بالموقف الإنساني وليس الموقف السياسي أو الحزبي، لأن موضوع الفنان الأساسي هو الإنسان وعدالته ومواطنته، مشيراً إلى أنه من غير الممكن لفنان حقيقي أن يرى ظلماً يقع على البشر ويقف محايداً.
في لفتة لغوية ذات دلالة عميقة، رفض الحلو استخدام مصطلح “المنفى” لوصف إقامته في باريس، مفضلاً تسمية الرحلة بـ”المنجى”، مبيناً أن السوريين الذين غادروا بلادهم لم يخرجوا للبحث عن فرص عمل أو حياة أفضل فحسب، بل كانوا “ينجون” بأنفسهم من الملاحقات، والاعتقالات، والظلم، والقتل.
وتحدث أيضاً عن تأسيسه مع مجموعة من المثقفين والمفكرين والفنانين السوريين لمنظمة “الناجون من المعتقلات السورية” في فرنسا، موضحاً أن المنظمة تُعنى بقضايا الحرية والعدالة ومحاربة ثقافة الإفلات من العقاب، ومن أبرز إنجازاتها صناعة ونصب تمثال الفيلسوف والشاعر أبو العلاء المعري في باريس، وهو عمل أُنجز بتمويل وجهود سورية ذاتية بحتة دون تدخل حكومات أو مؤسسات، ليكون شاهداً على المعاناة، على أن يُنقل إلى سورية حال تحقق العدالة والسلام والدستور الضامن للحريات.
وبيّن الحلو أن الممثل قد يندم على بعض الأدوار التي قدمها، لكنّ هناك أدواراً تظل علامة فارقة، واختار دور “ربيع” في مسلسل “خان الحرير” كواحد من أفضل الأدوار المكتوبة بحرفية والتي ساعدته كممثل على تقديم تجربة إنسانية عالية، إلى جانب اعتزازه بدوره الأخير في “مولانا”.
وعن دوره في مسلسل “مولانا”، وتجسيده لشخصية أَمنية في نظام بشار الأسد، أشار بأسلوب ساخر إلى أن الدور لم يتطلب منه مجهوداً خرافياً في البحث لأن السوريين خبروا وعاشوا “الذهنية العسكرية والأمنية” وتفاصيلها لعقود، مؤكداً أن الصعوبة الحقيقية تكمن في تجسيد شخصية الإنسان العادي البسيط المنزوي الذي يحلم بصمت.
خلال فترة غيابه عن الشاشة العربية، أوضح الحلو أنه لم ينقطع عن الفن، بل شارك في عدة أعمال سينمائية وتلفزيونية فرنسية وأوروبية وأميركية، من بينها فيلم فرنسي يناقش قضية “العنصرية المخفية” في فرنسا.
وأكد ابن “المعهد العالي للفنون المسرحية” أن المسرح يمنح الفنان مساحة حرية أوسع بمراتب من التلفزيون المحكوم برقابات سياسية واجتماعية صارمة. ووصف المسرح بأنه يخلق حالة تواصل دافئة ومباشرة مع الجمهور، ويترك بصمة حية في ذهن المتلقي عبر جملة أو موقف يبني عليها مواقفه اللاحقة، مشدداً على أن أولويته لو امتلك القرار والتمويل ستكون تفعيل “المسرح المدرسي”، والتركيز على الأطفال والشباب لغرس القيم الإنسانية النبيلة فيهم قبل أن تلوّثهم سلبيات المجتمع.
