تواجه فرنسا التي طالما عُرفت بوفرة إنتاجها الزراعي وتنوّع مائدتها أزمة غذائية غير مسبوقة، بعدما أتت موجات حر قياسية متعاقبة على محاصيل حيوية من الخضروات والفواكه.

وتقول صحيفة التليجراف في تقرير إن موجات حر قياسية ومتلاحقة في ألحقن أضرارا واسعة بمحاصيل رئيسية من الخضراوات والفواكه، ما أدى إلى تراجع الإنتاج وظهور مؤشرات على نقص بعض الأصناف، وفي مقدمتها البصل والطماطم، وسط مخاوف من ارتفاع الأسعار وتزايد الضغوط على الإمدادات الغذائية.

وتشير الصحيفة، إلى أنه لم يعد التغير المناخي مجرد تحذير علمي بعيد الأثر، بل بات واقعا يعصف بالحقول الفرنسية، في وقت تتضافر فيه عوامل مناخية عالمية أخرى، أبرزها ظاهرة “السوبر نينيو”، واستمرار غلق مضيق هرمز، الذي أسفر عن غلاء الأسمدة والطاقة، لتزيد من هشاشة منظومة الغذاء العالمية.

ونقلت الصحيفة تحذير مجموعة “خضروات فرنسا”، النقابة الممثلة لمنتجي الخضروات في البلاد، من تراجع حاد في المعروض من المنتجات الطازجة خلال الأسابيع المقبلة، عقب موسم وصفته بـأنه “كارثي”.

وأوضحت أن البصل والجزر والشمر والفجل والثوم، إلى جانب التوت الأزرق والفراولة، من أكثر المحاصيل تضررا، في موسم وصفته بـأنه “مشؤوم”.

ومنذ مايو الماضي، شهدت فرنسا ثلاث موجات حر قياسية متتالية بلغت فيها الحرارة 44 درجة مئوية في بعض المناطق، أحدثت ما تسميه المجموعة بـ”أثر مجفف الشعر”، إذ تتضافر الحرارة الشديدة مع الرياح الجافة في سحب رطوبة المحاصيل بمعدل يفوق قدرة جذورها على تعويضها من التربة، فتتلف كليا.

ووصف سيريل بوجو، الرئيس المشارك للمجموعة، احتراق حقل بأكمله خلال ثلاث ساعات بأنه ضياع لجهد موسم زراعي كامل، وتهديد مباشر لاستدامة المزرعة على المدى الطويل.

وتقدر المجموعة أن إنتاج بعض المحاصيل قد يتراجع بنسبة 50 % هذا العام، بخسائر تُقدر بعشرات الملايين من اليوروهات للمزارعين، في ظل جفاف الأجواء وشح المياه، وضغوط إضافية على سلاسل الإمداد جراء موجات حر مماثلة في دول أخرى تحول دون تعويض الواردات للنقص المحلي.

وأكدت المجموعة أن الأسواق ستشهد نقصًا قصير الأجل، مشيرة إلى تشكل نموذج اقتصادي جديد قوامه الندرة بعد عقود من الوفرة.

ولم يقتصر التأثر على البصل؛ فقد تراجع إنتاج الطماطم حتى 50 % هذا الموسم، بعدما كانت التوقعات في مايو تشير إلى 495 ألف طن قبل بدء الموجات.

كما ضربت الحرارة محاصيل الخس والخضروات الورقية دون أمل يُذكر في التعافي، وتعرضت محاصيل الملفوف والبروكلي والكراث لأضرار بالغة أطاحت بتوقعات الموسم بأكملها.

وجاءت هذه التطورات بعدما حذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة الشهر الماضي من أن ظاهرة “السوبر نينيو” قد تهدد الإمدادات الغذائية العالمية المتأثرة أصلًا بالتغير المناخي واضطرابات الشحن في مضيق هرمز، الممر الذي يمر عبره ثلث إمدادات الأسمدة عالميًا إلى جانب دوره بوصفه شريانًا رئيسي للنفط.

وتُعرَّف هذه الظاهرة بأنها تحول مناخي أقوى من المعتاد ترتفع خلاله حرارة سطح المحيط الهادئ أكثر من درجتين مئويتين، فتنتج عنه أنماط طقس متطرفة كالجفاف والفيضانات، وما يتبعها من فشل زراعي ومجاعات واضطرابات مائية.

وطالت الخسائر أيضا قطاعي الدواجن والألبان؛ إذ أودت الحرارة بحياة 700 ألف دجاجة في أنحاء البلاد، وباتت الناجية منها تبيض بمعدل أقل حجمًا وعددًا، أو تتوقف عن البيض كليًا.

وقال فريدريك شارتييه، أحد مربي الدواجن في بلدة سانجوفا قرب دينان، لقناة “فرانس 3 ” إن ما تشهده مزرعته غير مسبوق على الإطلاق.. كما أفاد مربو الأبقار بتراجع ملحوظ في إنتاج الألبان مع صعوبة تأقلم الماشية مع درجات الحرارة المتطرفة.

وكانت منطقة إيلدوفرانس، الأكثر كثافة سكانية في البلاد، من أشد المناطق تضررًا.. وأظهرت بيانات هيئة الصحة العامة الفرنسية تسجيل ثلاثة آلاف حالة وفاة بين 22 و28 يونيو في باريس الكبرى، أي أكثر من ضعف المعدل المعتاد لتلك الفترة.

وفي ظل التحذيرات من ازدحام المستشفيات، فرضت الحكومة الشهر الماضي حظرا على الكحول في الأماكن العامة والفعاليات الرسمية، وألغت عددًا من المهرجانات والفعاليات الرياضية في الهواء الطلق.

وتكشف هذه التطورات مجتمعة أن الأزمة المناخية لم تعد شأنا بيئيا بحتا، بل قضية اقتصادية واجتماعية وصحية متشابكة، تستدعي من الحكومات الأوروبية إعادة النظر في سياساتها الزراعية والمائية بما يواكب تصاعد الظواهر المناخية المتطرفة عامًا بعد عام.

شاركها.