في خطوة عاجلة ومفصلية بعد إقرار الكنيست الإسرائيلي في ٣٠ آذار/مارس ٢٠٢٦ قانونًا يسمح للمحاكم العسكرية بإصدار حكم إلزامي بالإعدام على الفلسطينيين المعتقلين، وهذا يعني أن عقوبة الإعدام هي الخيار الافتراضي وتُطبق فقط على الفلسطينيين في الضفة الغربية، بينما يخضع المستوطنون الإسرائيليون المتهمون بنفس الجرائم للقانون المدني الإسرائيلي الذي لا يتضمن عقوبة الإعدام، حيث سيتم تنفيذ الحكم خلال ٩٠ يومًا من تاريخ صدوره مع تقييد شديد لسبل الاستئناف أو العفو، قدَّم فريق المحامين الدولي المناب عن الشعب الفلسطيني لدى مكتب المدعي الدولي والمحكمة الجنائية الدولية، برئاسة الكويتي الدكتور فيصل خزعل، وعضوية التونسيين شوقي الطبيب (الأمين العام المساعد لاتحاد المحامين العرب) وأكرم الزريبي (المتحدث باسم الفريق)، إلى جانب الفلسطيني سهيل عاشور (نقيب المحامين الفلسطينيين السابق)، مذكرة عاجلة من ٧٩٠ صفحة، تحت عنوان “تقديم عاجل بشأن اعتماد قانون عقوبة الإعدام للمعتقلين الفلسطينيين من قبل الكنيست الإسرائيلي؛ طلب إصدار أوامر اعتقال بحق أعضاء الكنيست والقادة العسكريين والمسؤولين القضائيين؛ وطلب عاجل لإجراء تحقيق واتخاذ تدابير احترازية”.
وقد ضم الفريق هذه المذكرة لملف الشكوى الخاصة بالضفة الفلسطينية المحتلة لدى مكتب المدعي الدولي في المحكمة الجنائية الدولية عن الجرائم التي تُرتكب حاليًا بحق الشعب الفلسطيني في جميع مدنها وضواحيها، في وقت حرج ودقيق للغاية يواجه فيه الفلسطينيون مصادقة الكنيست الإسرائيلي على مشروع وصفته السلطة الفلسطينية بأنه “جريمة حرب” و”إعدامات خارج القانون”. كما أعربت فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي عن قلقهم الشديد من الموضوع، كما حذرت منظمات حقوقية مثل هيومن رايتس ووتش من أن القانون يعزز نظام “أبارتهايد” (الفصل العنصري).
وقال الدكتور فيصل خزعل، رئيس فريق المحامين الدولي: “قدم فريق المحامين الدولي مذكرة عاجلة للمحكمة الجنائية الدولية بشأن قانون أصدره الكنيست الإسرائيلي مساء الإثنين الماضي، يفرض على المحاكم العسكرية في الضفة الغربية الحكم بالإعدام على المعتقلين الفلسطينيين، مع تطبيق تمييزي حصري على الفلسطينيين دون المستوطنين. وتضمنت المذكرة خمسة مطالب رئيسية أبرزها: إصدار مذكرات اعتقال بحق ٢٣ مسؤولًا إسرائيليًا من قادة السياسة والجيش، وتحذير القضاة العسكريين من أن أي حكم بالإعدام سيقابل بطلب اعتقال فوري، وفتح تحقيق عاجل مع اتخاذ تدابير احترازية لمنع تنفيذ أول حكم”.
وقد أوضحت المذكرة أن القانون الذي أقره الكنيست الإسرائيلي في ٣٠ آذار ٢٠٢٦ يفرض على المحاكم العسكرية في الضفة الغربية الحكم بالإعدام على المعتقلين الفلسطينيين خلال ٩٠ يومًا، مع تقييد شديد لسبل الاستئناف، ويُطبق بشكل تمييزي حصري على الفلسطينيين دون المستوطنين. ووصف الفريق القانوني القانون بأنه “بيئة قسرية من الإرهاب القضائي”، مشيرًا إلى أن محاكم الاحتلال العسكرية تتمتع بمعدل إدانة يتجاوز ٩٩٪، مما يحوّل المحاكمة إلى تصفية ممنهجة. وأكدت المذكرة أن القانون يأتي تتويجًا لسياسات “الضم الصامت” وهدم المنازل، في تحدٍ صارخ للمؤسسات الدولية، وسط تحذيرات أوروبية من طابعه التمييزي.
وأكمل الدكتور خزعل: “صنّفت المذكرة القانونية قانون الإعدام الجديد ضمن أشد الجرائم خطورة وفق نظام روما الأساسي، حيث يشكل جرائم حرب تتمثل في القتل العمد وإصدار أحكام دون محاكمة عادلة، إضافة إلى جرائم ضد الإنسانية تشمل الاضطهاد والقتل الممنهج ضمن هجوم واسع النطاق ضد السكان المدنيين. كما أكدت المذكرة أن القانون يحمل كافة سمات جريمة الفصل العنصري (الأبارتهايد)، حيث يفرض نظامًا تمييزيًا مؤسسًا من القمع والهيمنة على مجموعة سكانية بأكملها، مستندة في ذلك إلى أحكام سابقة للمحكمة الجنائية الدولية ومحاكم يوغوسلافيا ورواندا الدولية، إضافة إلى رأي محكمة العدل الدولية الاستشاري بشأن الاحتلال الإسرائيلي”.
تضمنت المذكرة بندًا قانونيًا غير مسبوق، حيث اعتبرت أن أي قاضٍ عسكري إسرائيلي يصدر حكمًا بالإعدام بموجب القانون الجديد يتحمل مسؤولية جنائية فردية بصفته شريكًا أو مساهمًا في ارتكاب جريمة حرب، وذلك بموجب المادتين ٢٥ و٢٨ من نظام روما الأساسي. واستند الفريق في ذلك إلى أحكام سابقة للمحاكم الجنائية الدولية التي أكدت أن القضاة لا يتمتعون بحصانة عند إصدارهم أحكامًا تمييزية أو غير قانونية، وأن دفاع “الأوامر العليا” أو “المنصب الرسمي” لا يعفي أحدًا من المساءلة الجنائية الدولية.
واختتم رئيس فريق المحامين الدولي تصريحاته: “طالبت المذكرة بإصدار مذكرات اعتقال بحق ٢٣ مسؤولًا إسرائيليًا، بينهم الرئيس إسحاق هرتسوغ ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (المطلوب سلفًا للجنائية الدولية) ووزراء الأمن والقضاء والمالية ورئيس الكنيست وقادة الجيش ورؤساء الأجهزة الأمنية، وذلك لدورهم في تصميم القانون والتصويت عليه والدفع به وإصدار التوجيهات بتنفيذه، كما شملت المذكرة طلبًا باعتقال جميع أعضاء الكنيست الذين صوتوا لصالح القانون فور نشر الأسماء رسميًا، بالإضافة إلى تحذير مسبق للقضاة العسكريين في الضفة الغربية من أن أي حكم بالإعدام سيواجه بمذكرة اعتقال فورية، حيث أكدنا أن تغيير المناصب بين المسؤولين لا يعفي أحدًا من المساءلة، في إطار ما وصفناه في مذكرتنا بـ’الباب الدوار للإفلات من العقاب'”.
كما طالب فريق المحامين الدولي المحكمة الجنائية الدولية بفتح تحقيق عاجل فوري في قانون الإعدام، مشيرًا إلى أن القانون ينص على التنفيذ خلال ٩٠ يومًا فقط من تاريخ الحكم، وأن محكمة عسكرية إسرائيلية حددت بالفعل ١٥ نيسان ٢٠٢٦ موعدًا لأول محاكمة قد تنتهي بحكم إعدام. وطلب الفريق اتخاذ تدابير احترازية عاجلة، تشمل إصدار أمر من المحكمة التمهيدية بتفويض المدعي العام باعتقال أي قاضٍ عسكري يصدر حكمًا بالإعدام فور صدوره، إلى جانب إخطار جميع الدول الأعضاء بالاستعداد لتنفيذ أوامر الاعتقال، وإصدار أمر لإسرائيل بتعليق تنفيذ القانون لحين البت في قانونيته، محذرًا من خطر وقوع ضرر لا يمكن إصلاحه.
وأكَّد المتحدث الرسمي باسم الفريق أن فريق المحامين الدولي تقدم في مذكرته بعشرة مطالب رسمية للمحكمة الجنائية الدولية، أبرزها: تسجيل المذكرة كملحق رابع للشكوى المقدمة في شباط ٢٠٢٥، والاعتراف بأن قانون الإعدام يشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفصلًا عنصريًا، وفتح تحقيق عاجل ذي أولوية، وإصدار مذكرات اعتقال بحق ٢٣ مسؤولًا سياسيًا وعسكريًا، وإصدار مذكرات تكميلية بحق أعضاء الكنيست الذين صوتوا لصالح القانون فور نشر أسمائهم. كما طلب الفريق تحذير القضاة العسكريين من أن أي حكم بالإعدام سيواجه باعتقال فوري، وإصدار أمر لإسرائيل بتعليق تنفيذ القانون، وإلزام الدول الأعضاء بعدم التعاون مع أي مسؤول إسرائيلي متورط في تنفيذه.
واختتم فريق المحامين الدولي، الذي يؤدي مهامه منذ تشرين الأول ٢٠٢٣ في الإنابة عن الشعب الفلسطيني لدى مكتب المدعي الدولي والمحكمة الجنائية الدولية وخاض معارك قانونية وسياسية معقدة لصالح القضية الفلسطينية العادلة والشعب الفلسطيني أدت إلى إصدار مذكرات الاعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الحرب السابق يوآف غالانت، مذكرته بتأكيد أن قانون الإعدام الإسرائيلي ليس عدلًا ولا أمنًا، بل “ترخيص تشريعي للقتل” وآلة دولة للتصفية القضائية تهدف إلى ترويع سكان محتلين وتكريس نظام الفصل العنصري. وشدد الفريق على أن جميع المسؤولين عن هذا القانون، من رئيس الدولة ورئيس الوزراء والوزراء وأعضاء الكنيست إلى القادة العسكريين والقضاة، يجب أن يحاسبوا، مؤكدًا أن “الرداء القضائي والشارة العسكرية والمنصب الرسمي لا يمنح حصانة” أمام قواعد القانون الدولي الآمرة، حيث وجهوا دعوة عاجلة للمحكمة بالتحرك فورًا “قبل صدور أول حكم وقبل أن يُقاد أول معتقل فلسطيني إلى حبل المشنقة”.
