قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إنه كن فيما أمرك الله جلَّ جلاله به من تزكية النفس، وعمارة الأرض، وعبادته وحده لا شريك له، واجعل الله هو وجهتك ومقصدك، ولو سرت وحدك، ولو لم يكن معك أحد.
الحق لا يعرف بكثرة السالكين
واضاف جمعة، في منشور له عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أن الحق لا يُعرف بكثرة السالكين، ولا تُبطل قلّةُ الأتباع صدقَ الطريق؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ رَهْطٌ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ رَجُلٌ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ».
وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل، وقد مات قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مُسندٌ ظهره إلى الكعبة، يقول: «ما منكم اليوم أحدٌ على دين إبراهيم غيري». وكان يقول: «إلهي إلهُ إبراهيم، وديني دينُ إبراهيم». وقد ذُكر للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «يُبعث يوم القيامة أمةً وحده، بيني وبين عيسى».
فعاملِ الله، وثِقْ بالله، ولا تستوحش من قلّة السالكين.
وليس معنى «لا حول ولا قوة إلا بالله» أن يعتزل الإنسان الحياة، أو يترك الأسباب التي أمره الله تعالى أن يقوم بها، وإنما معناها أن يرى الله في كل شيء: خلقًا، وفعلًا، وتدبيرًا، ومواقف؛ فلا قوة مستقلة بالتأثير في هذا الكون إلا قوة الإله الحق سبحانه وتعالى، فهو المحرِّك لكل متحرك، والمُسْكِن لكل ساكن.
قال الله تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} [الذاريات: 50]؛ أي: التجئوا إليه، وأقبلوا عليه، ولا تعبدوا غيره. فأمر سبحانه وتعالى بالإقبال عليه، والإعراض عمن سواه.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «فروا إلى الله»؛ أي: بالتوبة من ذنوبكم. وقال أيضًا: «فروا منه إليه، فاعملوا بطاعته».
وقال الحسين بن الفضل رضي الله عنه: «احترزوا من كل شيء دون الله؛ فمن فرَّ إلى غيره سبحانه، فإن الله قادرٌ على أن يعيده ويستولي عليه»؛ إذ كيف يخرج العبد من سمائه أو أرضه؟
وقال أبو بكر الورَّاق: «فروا إلى الله»؛ أي: فروا من طاعة الشيطان إلى طاعة الرحمن.
وقال الإمام الجنيد، سيد الطائفة من أهل الله: «الشيطان داعٍ إلى الباطل؛ ففروا إلى الله حتى يمنعكم من كيد الشيطان. وفروا من الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى الشكر».
وقال عمرو بن عثمان: «فروا من أنفسكم إلى ربكم»؛ أي: توكلوا على الله سبحانه وتعالى، وفروا مما سوى الله إلى الله.
فهذا كله داخلٌ في معنى الفرار إلى الله: الفرار من النفس إلى الله، ومن الشيطان إلى الرحمن، ومن الجهل إلى العلم، ومن الافتقار إلى الناس إلى الغنى بالله سبحانه وتعالى. كل هذه المعاني تجتمع في قوله تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ}.
والسؤال: متى يسهل على العبد أن يفرَّ إلى الله؟
تأتي الإجابة في مفتتح القرآن: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1]؛ لأن من آمن أن ربه هو الله، الرحمن، الرحيم، سهل عليه أن يفر إليه، وكيف لا يفر إلى من بدأه بالرحمة، وأحاطه بالجمال، وفتح له باب الرجوع؟
ففِرَّ إلى الله الجميل؛ فهو الذي يحميك ابتداءً، ويسترك انتهاءً.
