ليس المهم فقط ما قاله الملك عبد الله الثاني، أو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أو الرئيس التركي أردوغان، أو غيرهما من قادة العالم عن الظلم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني. الأهم هو السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا نحن الفلسطينيين بعد انتهاء الخطابات وانفضاض اجتماعات الجمعية العامة: كيف نستثمر هذا الكلام؟ فالسياسة لا تُقاس بحرارة التصفيق داخل القاعات الدولية، وإنما بما يبقى بعد أن تغادر الوفود تلك القاعات. ومع ذلك، سيكون من الخطأ أيضًا التقليل من أهمية التحول الذي يجري في الخطاب الدولي تجاه القضية الفلسطينية. فحين يتحدث قادة دول مؤثرة بصورة أكثر وضوحًا عن الاحتلال والاستيطان والتهجير وحقوق الفلسطينيين، وحين تنتقل دول من مجرد المطالبة بحل الدولتين إلى الاعتراف بدولة فلسطين، ثم تبدأ أخرى في البحث عن إجراءات عملية ضد الاستيطان، فإننا لا نكون أمام نهاية الطريق، لكننا بالتأكيد أمام تغير في البيئة التي تتحرك فيها القضية الفلسطينية.
فقد اعتاد الفلسطيني، تحت وطأة الحروب والانقسام والاحتلال واختلال موازين القوة، أن ينظر إلى واقعه الراهن وكأنه قدره السياسي الدائم. وما يحدث في غزة اليوم يعمق هذا الشعور؛ ويدفعه إلى الاعتقاد بأن السؤال الوحيد المتبقي هو: كيف ننجو؟لكن الشعوب رغم شدة الوجع، لا تبني مستقبلها بإدارة البقاء فقط.وهذا الواقع، مهما بدا قاسيًا ومستقرًا، ليس قدرًا أبديًا. الحكومات تتغير، والتحالفات الدولية تتحول، والمصالح يعاد تعريفها، والرأي العام يتبدل، وما يبدو اليوم مستحيلًا قد يصبح بعد سنوات جزءًا من السياسة الدولية المقبولة. من هنا يجب قراءة الخطابات الدولية الأخيرة، ليس بوصفها انتصارًا فلسطينيًا مكتملًا، ولا باعتبارها كلمات بلا قيمة، وإنما باعتبارها رصيدًا سياسيًا يجب البناء عليه.فالفرق كبير بين أن يقول العالم إن الفلسطينيين يعانون، وبين أن يقول إن هناك حقوقًا فلسطينية يجري انتهاكها. والفرق أكبر بين إدانة الانتهاكات وبين الاعتراف بدولة فلسطين، ثم الانتقال من الاعتراف إلى اتخاذ إجراءات مرتبطة بالاستيطان والضم والتهجير.هذه التحولات لا تغير ميزان القوة بين ليلة وضحاها، لكنها قد تغير البيئة التي يعمل داخلها ميزان القوة نفسه. و هذا تحديدًا ما نحن الفلسطينيين بحاجة إلى استثماره. نحن بحاجة إلى استراتيجية لا تتعامل مع كل خطاب دولي بوصفه حدثًا إعلاميًا منفصلًا، وإنما تربط هذه المواقف ببعضها وتحوّلها إلى مسار تراكمي:
الاعتراف بالدولة، حماية إمكانية قيامها على الأرض، مواجهة الاستيطان والضم، تعزيز المكانة القانونية لفلسطين، توسيع التحالفات الدولية، وتحويل التأييد السياسي إلى سياسات وإجراءات ومصالح تجعل التراجع عنها أكثر كلفة. لكن ذلك يتطلب أيضًا مراجعة فلسطينية داخلية. فلا يمكن مطالبة العالم بالتعامل مع فلسطين باعتبارها دولة بينما يستمر الفلسطينيون في إدارة واقعهم بمنطق الفصائل والانقسام والمؤسسات المتآكلة. ولا يمكن استثمار تحول دولي بهذا الحجم دون مشروع سياسي فلسطيني يعرف ماذا يريد بعد الحرب، وكيف يريد إدارة غزة والضفة، وما شكل النظام السياسي الذي يريد تقديمه للعالم وللفلسطينيين أنفسهم. إن أهم ما يمكن استخلاصه من اللحظة الحالية هو أن القضية الفلسطينية، رغم كل ما أصابها، لم تنتهِ. بل ربما تكون المفارقة أن حجم المأساة التي كان يُخشى أن تدفع فلسطين إلى هامش النظام الدولي أعاد طرح أسئلة حاول العالم تأجيلها لعقود: الاحتلال، والدولة الفلسطينية، والاستيطان، والحدود، والحقوق، والقانون الدولي، ومستقبل الصراع نفسه. وهنا ينبغي ألا نكون مجرد متلقين لما يقوله الآخرون عنا.
المطلوب دبلوماسية فلسطينية تجمع هذه المواقف وتبني عليها، ونخبة سياسية وفكرية تقرأ اتجاهات التحول الدولي لا أحداث اليوم فقط، ومشروع وطني يستطيع مخاطبة العالم بلغة المصالح والقانون والسياسة، لا بلغة المأساة وحدها. فالمأساة قد تجلب التعاطف، لكنها وحدها لا تصنع المستقبل. وإذا كان ميزان القوة اليوم لا يعمل لمصلحة الفلسطينيين، فإن السياسة لا تعني الاستسلام لهذا الميزان، وإنما العمل على تغيير العناصر المحيطة به تدريجيًا: الشرعية، والتحالفات، والرأي العام، والقانون، والاعتراف الدولي، والكلفة السياسية لاستمرار الاحتلال.
لقد دفع الفلسطينيون ثمنًا يفوق قدرة الكلمات على وصفه. ولذلك فإن أسوأ ما يمكن أن يحدث بعد كل هذه التضحيات هو أن تتحول المواقف الدولية الحالية إلى مجرد خطابات أخرى تُحفظ في أرشيف الأمم المتحدة. المطلوب أن تتحول الكلمات إلى مواقف، والمواقف إلى التزامات، والالتزامات إلى سياسات، والسياسات إلى واقع جديد.لكن ذلك يعيد السؤال إلينا نحن الفلسطينيين: هل نملك مشروعًا سياسيًا قادرًا على التقاط هذه اللحظة وتحويلها إلى فرصة للمستقبل؟ فالمشكلة لم تعد فقط في مدى استعداد العالم للتحرك، وإنما أيضًا في مدى استعداد النظام السياسي الفلسطيني لاستثمار ما يتغير في العالم. وهذا يتطلب أكثر من دبلوماسية تتحرك من مؤتمر إلى آخر؛ يتطلب رؤية تحدد ماذا نريد، وقيادة قادرة على بناء التوافق حوله، ومؤسسات تستعيد ثقة الفلسطينيين قبل أن تطالب بثقة العالم، وقدرة على تحويل الاعتراف المتزايد بالحقوق الفلسطينية إلى مكاسب سياسية وقانونية متراكمة.
وهنا تحديدًا تكمن المعضلة. فالمشهد الفلسطيني الراهن، بما يحمله من انقسام وضعف مؤسسي وغياب التوافق على استراتيجية وطنية جامعة، يثير شكوكًا جدية حول قدرة البنية السياسية الحالية على استثمار هذه اللحظة. وهذه ليست دعوة إلى اليأس منها، بل إلى إدراك أن تغيير الواقع الخارجي يحتاج أيضًا إلى تغيير في أدوات الفعل الفلسطيني نفسه. لأن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نتصرف وكأن حاضرنا هو مستقبلنا، وأن موازين القوة القائمة قدر لا يتغير. التاريخ لا يقول ذلك، والسياسة لا تعمل بهذه الطريقة. ما يبدو ثابتًا اليوم قد يتغير غدًا، لكن المستقبل لا يأتي وحده، ولا تكفي عدالة القضية لصناعته.
فلسطين ليست محكومة بأن تبقى أسيرة حاضرها؛ لكن الخروج من أسر الحاضر يحتاج إلى مشروع يعرف كيف يحوّل التحول في خطاب العالم إلى قوة، والقوة إلى سياسة، والسياسة إلى مستقبل مختلف.
