برزت في الآونة الأخيرة ظاهرة لافتة في المجتمع الفلسطيني، وفي الضفة الغربية على وجه الخصوص، وهي أن مسؤولين بارزين تبوؤوا فيما مضى مناصب مهمة ومفصلية في السلطة الوطنية الفلسطينية، كوزراء سابقين أو رؤساء هيئات أو مدراء عامين، يظهرون على وسائل الإعلام لينتقدوا السلطة، بحيث يتراوح هذا النقد من اللوم العادي مروراً بتسجيل المآخذ السياسية، وصولاً إلى التخوين الصريح، بل الدعوة أحياناً بشكل ضمني أو علني لنزع الشرعية عنها.
لو كان هذا النقد يتعلق بالعقد الاجتماعي كالمطالبة بانتخابات دورية، أو احترام مبدأ فصل السلطات، أو التأكيد على ضرورة تداول السلطة داخل المؤسسات التنفيذية، لأمكن وضعه تحت بند حرية التعبير المطلوبة بل والمُصانة.
ولو كان موجهاً لمكامن الفساد السياسي والإداري الواضحة والكثيرة، أو لحصة السلطة من إدارة الانقسام الفلسطيني الفلسطيني، أو للقيود على الحريات العامة، أو لطريقة إدارة الملفات الاقتصادية والمالية، لأمكننا وضعه تحت بند الحرص الوطني والرغبة في التطوير أو النهوض بالحالة المتردية نحو نموذج أفضل يتحلى بالكفاءة ويحقق مصالح الغالبية العظمى من المواطنين، بدل أن تحتكره فئة قليلة أو فصيل بعينه.
ولو كان هذا النقد يفنّد حالة غير ناجحة وغير كفؤة، أو حتى حالة خارجة عن الإجماع الوطني، وفي نفس الوقت يطرح بديلاً معقولاً، أو مشروعاً مختلفاً يحمل في طياته عوامل النجاح، أي أن يقول بصراحة وجرأة: لا نريد هذا الشكل من السلطة بل نريد هذا، ونحن نرى أن البديل الذي نحمله مضمونٌ تماماً للأسباب كذا وكذا. 
لو فعل ذلك لاستطعنا وضعه تحت مظلة الخلاف في الرأي والذي تحكم فيه الأكثرية وتفرضه عبر الصندوق أو الاستفتاء إن اقتنعت به، ولا مجال ساعتها أمام أصحاب المشروع الفاشل إلا الرضوخ.
وأخيراً، لو كان هذا النقد، حتى في صورته الأقسى التي تبغي نزع الشرعية، موجهاً لكل عناصر السلطة ومؤسساتها، وليس كما نرى منذ أن أُنشئت هذه السلطة من تخوين للأجهزة الأمنية مثلاً، واتخاذها حجة لرفض المشروع بأكمله، وفي نفس الوقت التظاهر من أجل زيادة رواتب وزارة التربية والتعليم. أو تسديد السهام نحو دائرة شؤون المفاوضات وحصر مشروع السلطة بأكمله فيها واتخاذها حجة لرفضه وتخوينه، وفي الوقت ذاته كيل المديح لوزارة الثقافة وقبول جوائزها أو سفرياتها. 
لو حصل هذا النقد الشامل بشكل حاد ومبدئي ورافض لكل المشروع دفعة واحدة، لاستطعنا وضعه تحت بند الرؤى الوطنية المتباينة، لا تحت بند الجهل الناجم عن عدم التفريق بين الحكومة والنظام.
لكن شيئاً من كل ما سبق لم يحدث، بل على العكس تماماً، فإننا نجد عضواً في المجلس التشريعي المنحل، وما زال يقبض راتبه (المستحق إن شئنا العدل) يعتبر السلطة خائنة ويجب إسقاطها لصالح مشروع قادم من خارجها. أو مسؤولاً سابقاً فيها يقول لك إنها أُنشئت بإرادة إسرائيلية، ولهدف إسرائيلي.
والجملة الأخيرة لا تعني، كما هو واضح في صيغة الماضي المبني للمجهول، أن السلطة كانت في عهده وطنية ثم تغيرت، بل إنها «أُنشئت» منذ البداية، أي منذ كان المُنتقِد جزءاً منها، كفكرة خيانية. وهنا نحن إزاء ثلاثة احتمالات لتفسير هذه الظاهرة: الاحتمال الأول، هو الثأر الشخصي، وهو احتمال غير مهم في الحقيقة، ولا يستدعي نقاشاً أو تفنيداً، لكنني سأضرب له مثلاً أعرفه ويعرفه الكثيرون من جيلي: قبل تشكيل إحدى الحكومات الفلسطينية، في زمن مضى، طلب أحد المثقفين من رئيس مجلس الوزراء المكلّف بأن يأخذه كوزير في حكومته. كان هذا المثقف، على الأقل بشهادتي المتواضعة، يستحق أن يكون وزيراً، لكن ولأسباب بائسة تحكم السلطة، وأشدد على كلمة السلطة هنا وليس الحكومة فقط، من قبيل التوزيع المناطقي والعائلي والمحسوبيات المقيتة، تم رفض هذا الشخص لصالح شخص آخر لا يتحلى بربع إمكانياته.
المنطق يقول إن هذا الرجل كان بإمكانه لو أراد أن يفضح رئيس الحكومة، أن يعرض مظلوميته على المجتمع، أن يخاطب الرئيس، أو أن يقبل بنصيبه ويسكت. لكنه اختار مغادرة البلاد، ولم يترك مناسبة بعد ذلك إلا واتهم فيها السلطة بالخيانة والتفريط، وبكل ما تتسع له هذه الأسطوانة من مصطلحات.
الاحتمال الثاني، وهو الأهم من وجهة نظري، هو الخطاب الشعبوي الذي يبيع عند العامة، أي المزايدة للكسب. 
وهذا الخطاب يجد ضالته عادة في أجواء الحرب، أو أن الحرب هي التي تستدعيه في صيغته الأكثر حدة… لا أعرف يقيناً، لكنني أظن أن للحرب علاقة وطيدة بهذا الخطاب، وليس لكونها حدثاً عسكرياً، بل لأنها حالة نفسية اجتماعية تشمل المجتمع برمته.
في الحرب يصبح الاستقطاب بين مكونات المجتمع حاداً، وتمتاز المواقف الفردية والجمعية بالصرامة والسرعة، ويستميت السياسيون أو من يطمعون بمناصب سياسية في البحث عن أدوات تفرزهم بوضوح. ففي مجتمع يعاني من الصدمة والغضب والخوف، لا مكان للخطاب الهادئ أو الذي ينشغل بالتحليل، فكل ما يريده الناس هو أن يروه بينهم، وإن لم تستطع فأن تصرخ معهم، وذلك أضعف الإيمان.
لهذا فإن المسؤول السابق يريد أن ينفي التهمة الجاهزة الموجهة سلفاً له، بأنه ابن السلطة، وذلك بتبني خطاب براءة تامة انسجاماً مع إيقاع اللحظة الراهنة، وخوفاً من العزلة السياسية.
الاحتمال الثالث يتعلق أيضاً بالحرب، وتحديداً في خاتمتها إن كانت خاتمتها الهزيمة، أو وعوداً بالنصر لم تتحقق. ففي هذه الحالة يبدأ من خاض الحرب وأعطى الوعود، ومن خلفه كل من صدقوه أو آمنوا به وتبنوا قناعاته، يبدأ هؤلاء في البحث عن مذنب داخلي لتحميله جزءاً من الهزيمة. 
وفي وضع كهذا تصبح المؤسسات القائمة هدفاً سهلاً للغضب العام، خصوصاً إن كانت هذه المؤسسات تعاني أصلاً من أزمة ثقة مع من تمثلهم، تماماً كما تعاني السلطة الفلسطينية.

شاركها.