المقال الخامس من سلسلة كيف نفكر سياسيًا؟، وهي سلسلة تحاول، في زمن الأزمات، أن تعيد التفكير في الطريقة التي نقرأ بها السياسة، ونبني بها مواقفنا وأحكامنا.

كثيرًا ما نبدأ قراءة السياسة من سؤال يبدو بديهيًا: ماذا يريد هذا الطرف؟ نبحث عن نواياه، ونستمع إلى خطاباته، ونقرأ بياناته، ثم نبني على ذلك تقديرنا لما سيفعله وما يمكن أن يحدث. لكن السياسة أكثر تعقيدًا من أن تُفهم بالنوايا وحدها؛ فما يريده الفاعل السياسي ليس بالضرورة ما يستطيع فعله، وما يستطيع فعله ليس بالضرورة ما سينجح في تحقيقه. وهنا يظهر أحد أهم الفروق في التفكير السياسي: الفرق بين النية، والهدف، والقدرة، والنتيجة. قد تكون الغاية عادلة، والنوايا صادقة، والهدف مشروعًا، ومع ذلك يقود القرار إلى نتائج مختلفة تمامًا عما أراده أصحابه. ليس لأن النوايا تغيرت بالضرورة، بل لأن السياسة لا تجري في فراغ، ولا يتحكم طرف واحد في مسارها.

فكل فعل سياسي كبير يدخل إلى بيئة فيها أطراف أخرى، ولكل طرف مصالحه وقدراته ومخاوفه وحساباته. وما إن يبدأ الفعل حتى تبدأ ردود الأفعال، ويتغير المشهد، وتظهر متغيرات لم تكن محسوبة، وقد يصبح القرار الذي بدا عقلانيًا عند اتخاذه أقل عقلانية عندما تبدأ نتائجه بالتشكل. ولهذا لا يكفي أن نسأل: ماذا يريد الفاعل السياسي؟

علينا أن نسأل أيضًا: ماذا يستطيع؟ ماذا يستطيع خصمه؟ كيف يُتوقع أن يرد؟ ما الكلفة المحتملة؟ وما الذي يحدث إذا جاءت استجابة الآخرين مختلفة عما بُنيت عليه الخطة؟ وهنا يمكن أن تساعدنا تجربتنا منذ السابع من أكتوبر 2023 على فهم هذه المسافة بين الهدف والنتيجة. فحين اتخذت حركة حماس قرارها بالهجوم، كانت تتحرك، وفق خطابها ورؤيتها الأيديولوجية وتفسيرات قياداتها اللاحقة، المتمثلة بمجموعة من الأهداف والحسابات: إعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام، وكسر حالة بدت فيها إسرائيل قادرة على إدارة الصراع من دون تقديم حل سياسي، وإعادة قضية الأسرى إلى الواجهة، والتأثير في البيئة الإقليمية التي كانت تتجه نحو مزيد من التطبيع مع إسرائيل، وإحداث تحول في قواعد الصراع.

وقد حدث جدل عام حول مدى تحقق جانب من ذلك بالفعل. فهناك من أدعى أن السابع من أكتوبر قد أعاد القضية الفلسطينية بقوة إلى مركز الاهتمام الدولي، وتعرضت إسرائيل لصدمة أمنية وعسكرية غير مسبوقة، وتغيرت كثير من النقاشات الإقليمية والدولية التي كانت قائمة عشية الحرب. بينما آخرين رأوا عكس ذلك تماماً. ولكن وبغض النظر من كان على صواب، دعونا نرى ماذا تقول السياسية في هذا السياق. حيث أن السياسة لا تتوقف عند نجاح الفعل الأول. فالقدرة على تنفيذ عملية كبيرة لا تعني بالضرورة القدرة على إدارة النتائج التي تطلقها. وهنا يظهر السؤال الاستراتيجي الأصعب: ماذا عن اليوم التالي؟

لم يكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق قرارًا بهذا الحجم فقط: هل نستطيع تنفيذ العملية؟ بل أيضًا: كيف سترد إسرائيل؟ إلى أي مدى يمكن أن تذهب في استخدام القوة؟ ما حجم الدعم الأمريكي والغربي الذي يمكن أن تحصل عليه؟ هل ستتحول المواجهة إلى حرب إقليمية أوسع؟ كيف ستتصرف القوى التي يُفترض أنها حليفة أو داعمة؟ وما قدرة المجتمع في غزة على تحمل حرب طويلة إذا اختار الخصم الذهاب إلى أقصى درجات القوة؟

هذه ليست أسئلة نطرحها اليوم لأننا نعرف ما حدث فقط. فالتحليل العادل يقتضي ألا نحاكم قرار الأمس بمعلومات اليوم وحدها. السؤال الأكثر دقة هو: أي من هذه السيناريوهات كان يمكن توقعه، بدرجة معقولة، لحظة اتخاذ القرار؟ وأي افتراضات بُنيت عليها الخطة ثم أثبت الواقع عدم دقتها؟ وهنا يكمن الفرق بين النقد السياسي والمحاسبة بأثر رجعي. فالقول إن النتائج كانت كارثية لا يكفي وحده لإثبات أن القرار كان يمكن توقع كل نتائجه مسبقًا. لكن، في المقابل، لا يجوز استخدام عدم القدرة على التنبؤ بكل شيء لإعفاء صانع القرار من مسؤولية تقدير السيناريوهات الأكثر احتمالًا والأكثر خطورة. فالاستراتيجية لا تعني معرفة المستقبل، وإنما الاستعداد لمستقبل لا نتحكم فيه بالكامل.

ومن هنا تكشف حالة السابع من أكتوبر عن قاعدة أوسع بكثير من الحالة الفلسطينية نفسها: يمكنك أن تبدأ الفعل، لكنك لا تملك بالضرورة التحكم في سلسلة الأفعال التي يطلقها. حماس استطاعت اختيار توقيت فعلها الأول وطبيعته، لكنها لم تكن تملك وحدها تحديد حجم الرد الإسرائيلي، ولا حدود الدعم الدولي لإسرائيل، ولا درجة انخراط الأطراف الإقليمية، ولا المدة التي ستستغرقها الحرب، ولا المسار الذي ستأخذه بعد ذلك.

وبعد ما تعرض له قطاع غزة من قتل ودمار ونزوح وانهيار واسع في مقومات الحياة، يصبح من المشروع، بل من الضروري، العودة إلى الحسابات الأولى وطرح أسئلة المراجعة: ما السيناريو الذي كان متوقعًا؟ ما الذي كان يُفترض أن تفعله إسرائيل؟ ما الدور المتوقع من الحلفاء والقوى الإقليمية؟ ما تصور نهاية المواجهة؟ وما حدود الكلفة التي كان يُعتقد أن المجتمع الفلسطيني قادر على تحملها؟ فطرح هذه الأسئلة لا يعني إنكار الاحتلال، ولا نزع عدالة القضية الفلسطينية، ولا إلغاء حق الفلسطينيين في مقاومة واقعهم. لكنه يعني شيئًا مختلفًا: أن عدالة القضية لا تعفي القيادة السياسية من مسؤولية الحساب الاستراتيجي لقراراتها.

وهذه نقطة جوهرية في التفكير السياسي. فقد تكون القضية عادلة، بينما تكون السياسة التي تُدار بها قابلة للنقد. وقد تكون الغاية مشروعة، بينما تكون الوسيلة غير متناسبة مع ميزان القوى. وقد يمتلك الفاعل القدرة على بدء المواجهة، لكنه لا يمتلك القدرة على تحديد نهايتها. والخلط بين هذه المستويات يجعل أي مراجعة مستحيلة. فإذا اعتبرنا نقد القرار طعنًا في القضية، ونقد الوسيلة اعتراضًا على الغاية، والسؤال عن الكلفة تشكيكًا في الحق، فإننا نحرم السياسة من أهم وظائفها: التعلم من النتائج. والسياسة الجادة لا تسأل فقط: هل كانت نوايانا صادقة؟ بل تسأل أيضًا: هل كانت تقديراتنا صحيحة؟ هل عرفنا قدراتنا وحدودها؟ هل قرأنا خصمنا جيدًا؟ هل توقعنا أسوأ السيناريوهات الممكنة؟ هل امتلكنا بدائل إذا فشلت الخطة الأولى؟ وهل كانت هناك علاقة معقولة بين ما أردنا تحقيقه والثمن المتوقع للوصول إليه؟

هذه الأسئلة لا تخص حماس وحدها. إنها أسئلة ينبغي أن تواجه كل قيادة تتخذ قرارًا قد تدفع المجتمعات ثمنه؛ دولة كانت، أو حركة، أو حزبًا، أو تنظيمًا. فالقيادة لا تُختبر فقط بقدرتها على اتخاذ القرارات الصعبة، وإنما بقدرتها على تقدير نتائجها، والاستعداد لاحتمالات فشلها، ثم امتلاك شجاعة مراجعتها عندما لا يسير الواقع كما خُطط له. وهنا نعود إلى السؤال الذي بدأنا منه:

هل تكفي النوايا لفهم السياسة؟ بالتأكيد لا. فبين النية والنتيجة تقع السياسة كلها تقريبًا: القدرة، وموازين القوى، ورد فعل الخصم، والبدائل، والتوقيت، والكلفة، والسيناريوهات التي لم تسر كما توقعنا. ولهذا، ربما لا يكون السؤال الأهم عند تقييم أي قرار سياسي: ماذا أراد أصحابه؟ بل: ماذا كان يمكنهم أن يعرفوا؟ ماذا توقعوا؟ ماذا أعدّوا لاحتمال الخطأ؟ وماذا فعلوا عندما جاءت النتائج مختلفة عما أرادوا؟ فالسياسة لا تختبر صدق النوايا فقط، بل تختبر قبل ذلك وبعده جودة التقدير ومسؤولية القرار.

شاركها.