تتحدث الأخبار المتداولة عن أن ملف موظفي حماس ما زال أحد أبرز البنود العالقة في المفاوضات الجارية، وأنه لا يزال يشكل نقطة خلاف تؤخر التوصل إلى تفاهمات بشأن ترتيبات اليوم التالي في غزة. وبغض النظر عن دقة ما يُنشر أو تفاصيل المفاوضات، فإن مجرد بقاء هذا الملف في صدارة القضايا بوصفه عقدة سياسية يفرض سؤالًا لا يمكن تجاهله: كيف أصبح مصير أكثر من مليوني فلسطيني، ووقف الحرب، وإعادة الإعمار، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية، مرتبطًا بملف موظفين؟ وهل يجوز لحركة تقول إنها تقود مشروعًا وطنيًا أن تجعل بقاء بنيتها الإدارية أولوية تتقدم على حق المجتمع في الخروج من واحدة من أكبر المآسي في تاريخه؟ إن هذا السؤال لا يستهدف حقوق الموظفين بوصفهم أفرادًا، فهذه حقوق يجب أن تُعالج وفق القانون والعدالة، وإنما يستهدف المنطق السياسي الذي يحول ملفًا إداريًا إلى عقدةً تؤخر إنقاذ مجتمع يعيش واحدة من أكبر الكوارث في تاريخه.

لكن السؤال الأعمق هو: لماذا يُطلب التعامل مع هذا الملف وكأنه قدر لا بديل عنه؟ ففي معظم تجارب ما بعد النزاعات، كانت إعادة بناء الدولة تبدأ بإعادة هيكلة المؤسسات العامة ودمج العاملين فيها وفق معايير القانون والكفاءة والاحتياج، لا بتحويل البنية التي أنشأها أي طرف سياسي إلى شرط مسبق لا يقبل النقاش. فلماذا يبدو أن حماس تدافع اليوم عن استمرار النموذج الإداري الذي نشأ بعد عام 2007 أكثر مما تدافع عن حق غزة في الخروج من الحرب؟ إن من يتابع خطاب الحركة يلاحظ أن ملف موظفيها لا يُقدَّم باعتباره قضية إدارية قابلة للحل، بل باعتباره أحد الخطوط الحمراء التي لا يجوز تجاوزها. وهنا تنتقل القضية من نقاش حول الحقوق الوظيفية إلى نقاش حول طبيعة المشروع السياسي نفسه: هل الأولوية لحماية المجتمع، أم لحماية البنية التي صنعت نفوذ الحركة خلال سنوات حكمها؟

أليست هذه الحركة نفسها التي أطاحت، بعد أحداث الانقسام عام 2007، بالمؤسسات التي كانت تمثل نواة السلطة الفلسطينية في قطاع غزة؟ ألم تُنشئ مؤسسات موازية، وتعيد تشكيل الجهاز الإداري وفق رؤيتها السياسية؟ وإذا كان ذلك قد حدث باسم الضرورة في حينه، فلماذا يُطلب من الفلسطينيين اليوم أن يدفعوا ثمن استمرار هذه البنية، حتى بعد كل ما شهدته غزة من حرب ودمار غير مسبوقين؟  والسؤال الذي لا يقل أهمية: ما الذي قدمته هذه البنية الإدارية للمجتمع الفلسطيني طوال سنوات حكمها حتى تصبح اليوم أولوية تتقدم على إنهاء الحرب؟ هل أصبحت معيار الشرعية هو الحفاظ على الوظيفة، أم حماية المجتمع؟ وهل يُطلب من شعب دفع أثمان الحرب والجوع والتهجير أن يدفع أيضاً ثمن الإبقاء على نموذج إداري ارتبط بمرحلة الانقسام؟

لقد حكمت حماس قطاع غزة لما يقارب عقدين من الزمن، وأدارت الوزارات والمؤسسات، وجبت الضرائب والرسوم، وسيطرت على الموارد العامة باعتبارها سلطة الأمر الواقع. ومن حق الفلسطينيين اليوم أن يسألوا: ماذا كانت حصيلة هذه التجربة؟ هل أُنشئت مؤسسات وطنية جامعة، أم ترسخت بنية إدارية ارتبطت ببقاء الحركة في الحكم؟ والأهم من ذلك، لماذا يُطلب من المجتمع الفلسطيني اليوم أن يتحمل كلفة استمرار هذه البنية؟ فإذا كانت الحرب قد غيرت كل المعادلات، وإذا كانت غزة تواجه تحديات وجودية غير مسبوقة، أليس من الطبيعي أن تخضع جميع الملفات، بما فيها ملف الموظفين، لمعيار واحد هو: ما الذي يخدم مصلحة المجتمع أولًا؟

إن الدول لا تُبنى على أساس حماية الأجهزة الحزبية، وإنما على أساس بناء مؤسسات مهنية تخدم جميع المواطنين، وتحفظ الحقوق وفق القانون، بعيدًا عن الولاءات التنظيمية. ولذلك، فإن معالجة ملف الموظفين يجب أن تكون جزءًا من عملية شاملة لإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية، لا شرطًا يسبقها ولا عقبة تحول دونها. إن القضية، في جوهرها، ليست قضية موظفين، بل قضية ترتيب للأولويات. فهل تكون الأولوية لإنقاذ غزة، ووقف الحرب، وإعادة الإعمار، واستعادة وحدة المؤسسات الوطنية؟ أم للحفاظ على بنية إدارية ارتبطت بمرحلة سياسية محددة؟

في التاريخ، لا تُقاس شرعية الحركات الوطنية بقدرتها على الاحتفاظ بمواقع النفوذ، ولا بعدد موظفيها، وإنما بقدرتها على اتخاذ القرارات الصعبة التي تحمي شعبها عندما يصل إلى حافة الهاوية. أما حين يصبح بقاء التنظيم هدفًا بحد ذاته، وحين تُقدَّم حماية البنية الحزبية على حماية المجتمع، فإن الحركة تخاطر بفقدان المبرر الأخلاقي والسياسي الذي قامت عليه. إن غزة اليوم لا تحتاج إلى معركة جديدة حول الوظائف، بل إلى قرار وطني يعيد ترتيب الأولويات، ويضع الإنسان الفلسطيني فوق كل اعتبار، ويجعل وقف الحرب، وإنقاذ المجتمع، وإعادة الإعمار، واستعادة وحدة المؤسسات الوطنية أهدافًا تتقدم على أي حسابات تنظيمية. ويبقى هنا سؤال لا يقل أهمية، وربما لم يُطرح بما يكفي: أين آلاف موظفي السلطة الوطنية الفلسطينية الذين شكّلوا النواة الأولى للمؤسسات الفلسطينية قبل عام 2007؟ أليسوا أيضًا موظفين لهم حقوق؟ وإذا كان الحديث اليوم يدور حول العدالة والحقوق الوظيفية، فلماذا يُختزل النقاش في موظفي حماس وحدهم، بينما يغيب الحديث عن الموظفين الشرعيين الذين أُقصوا بعد الانقسام، وكانوا جزءًا من المشروع الوطني ومؤسسات الكيانية الفلسطينية؟

إن العدالة لا تتجزأ، ولا يمكن أن تكون انتقائية. أما إذا كان المطلوب هو حماية بنية تنظيمية بعينها، لا بناء مؤسسات وطنية تستوعب الجميع وفق القانون، فإن القضية لم تعد قضية موظفين، بل قضية مشروع سياسي كامل. وهنا يبقى السؤال الذي سيكتبه التاريخ قبل أن يجيب عنه السياسيون: هل كان الهدف إنقاذ غزة، أم إنقاذ البنية التي حكمت غزة؟

شاركها.