لا يقتصر ترشيح دولة الإمارات العربية المتحدة للسيدة لانا زكي نسيبة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة على طرح اسم دبلوماسية إماراتية لقيادة المنظمة الدولية، بل يحمل دلالات أوسع تتصل بمكانة الإمارات في النظام الدولي، ومستقبل الدبلوماسية متعددة الأطراف، والحاجة إلى قيادة أممية قادرة على استعادة الثقة في العمل الدولي.
ويأتي الترشيح الرسمي، الذي أعلنته الإمارات في 21 أكتوبر 2026، في مرحلة تواجه فيها الأمم المتحدة تحديات متزايدة، من النزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية إلى تعثر التوافقات الدولية وتراجع قدرة المنظمة على تحويل مبادئها وقراراتها إلى نتائج ملموسة. 
تمتلك لانا نسيبة رصيداً مهنياً في العمل الدولي، اكتسبته خصوصاً خلال توليها منصب المندوبة الدائمة للإمارات لدى الأمم المتحدة بين عامي 2013 و2024. وشملت تجربتها رئاسة مجلس الأمن مرتين خلال عضوية الإمارات فيه، إلى جانب مسؤوليات في الجمعية العامة وهيئة الأمم المتحدة للمرأة.
وتكتسب هذه الخبرة أهميتها من طبيعة المنصب نفسه؛ فالأمين العام لا يدير مؤسسة دولية فحسب، بل يتولى مسؤولية دبلوماسية تتطلب التواصل مع أطراف متعارضة، وبناء التوافقات، والدفاع عن دور المنظمة في منع النزاعات وتسوية الخلافات، مع الحفاظ على استقلالية الأمانة العامة ومصداقيتها.

لكن الخبرة وحدها لا تكفي. فالتحدي الحقيقي أمام أي أمين عام جديد هو ترجمة المبادئ إلى عمل، وتقليص الفجوة بين التعهدات الدولية واحتياجات الشعوب، ولا سيما في مناطق النزاع والأزمات الإنسانية.
يعكس الترشيح تطور دور الإمارات من المشاركة الفاعلة في المؤسسات الدولية إلى السعي للمساهمة في قيادتها. وهو امتداد لنهج يقوم على بناء الشراكات، وتعزيز الحوار، وتوسيع التعاون في قضايا السلام والتنمية والعمل الإنساني.
وقد اكتسبت الخطوة زخماً إقليمياً بإعلان دول مجلس التعاون الخليجي دعمها بالإجماع ترشيح نسيبة، في مؤشر إلى أهمية التنسيق الخليجي في تعزيز الحضور الدولي للمنطقة. 
ومن هنا، فإن قيمة الترشيح لا تتوقف على النتيجة النهائية، بل تشمل أيضاً إتاحة المجال أمام طرح رؤى بشأن إصلاح المؤسسات الدولية، وتعزيز فاعلية الدبلوماسية، وتطوير آليات الاستجابة للأزمات.
المرأة والقيادة الأممية
يحمل ترشيح نسيبة بُعداً آخر يتعلق بمشاركة المرأة في قيادة المؤسسات الدولية. فمنذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، لم تتولَّ امرأة منصب الأمين العام، رغم اتساع مشاركة النساء في الدبلوماسية وصنع القرار.
ويعيد هذا الترشيح طرح سؤال الاستحقاق والتمثيل في المناصب الدولية العليا، حيث ينبغي أن تتكامل الكفاءة والخبرة مع إتاحة الفرص بصورة عادلة، بعيداً عن اختزال المسألة في الرمزية وحدها.

تحتاج الأمم المتحدة اليوم إلى قيادة تعزز قدرتها على التحرك المبكر لمنع النزاعات، وتدعم الحلول السلمية، وتحافظ على اتساق تطبيق القانون الدولي، وتستجيب للتحديات الجديدة، من تغير المناخ إلى الذكاء الاصطناعي.
ومن هذا المنطلق، فإن ترشيح لانا نسيبة يفتح نقاشاً يتجاوز شخص المرشح إلى جوهر الدور الذي ينبغي أن تضطلع به المنظمة في السنوات المقبلة: هل تستطيع استعادة ثقة الدول والشعوب، وتحويل التوافقات الدبلوماسية إلى نتائج ملموسة؟
إن ترشيح الإمارات لانا نسيبة يعكس طموحاً للمشاركة في صياغة مستقبل العمل الدولي، ويضع الخبرة الدبلوماسية الإماراتية أمام استحقاق عالمي بالغ الأهمية. أما القيمة الأعمق لهذه الخطوة، فتتمثل في تعزيز النقاش حول قيادة أممية أكثر فاعلية، ودبلوماسية أكثر قدرة على بناء التوافق، ونظام دولي يمنح السلام والتعاون فرصاً أوسع من الصراع والانقسام .

شاركها.