حملت كلمة لويجي دي مايو، الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي لمنطقة الخليج، في منتدى هيلي بأبوظبي ,رسالة سياسية واضحة: أمن الخليج، واستقرار الشرق الأوسط، ومستقبل العلاقات الدولية في المنطقة، كلها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بضرورة معالجة القضية الفلسطينية وإحياء حل الدولتين.

وفي المنتدى جمع نخبة من صناع القرار والدبلوماسيين والخبراء من مختلف أنحاء العالم، جاءت مداخلة دي مايو لتؤكد أن أوروبا باتت تنظر إلى أمن الخليج باعتباره جزءاً من أمنها الاستراتيجي، وأن التعامل مع الأزمات الإقليمية لا يمكن أن يقتصر على حماية الممرات البحرية أو احتواء التهديدات العسكرية، وإنما يجب أن يمتد إلى معالجة جذور عدم الاستقرار السياسي ..

وهنا تكمن أهمية حديثه عن حل الدولتين , فهو دعا إلى العمل على حل القضية الفلسطينية في إطار حل الدولتين، في إشارة بالغة الأهمية إلى أن أي هندسة جديدة للأمن الإقليمي لن تكون مكتملة ما لم تتضمن مساراً سياسياً جدياً ينهي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ويمنح الشعب الفلسطيني أفقاً واضحاً نحو الدولة والاستقلال.

رسالة أوروبية من أبوظبي

ما يجعل حديث دي مايو مهماً هو أنه صدر في العاصمة الإماراتيةابوظبي، وفي منتدى حمل عنواناً بالغ الدلالة: «الخليج عند مفترق طرق: الصراع، والتداعيات، وتصحيح المسار».

فالمنطقة بالفعل عند مفترق طرق.هناك صراعات مفتوحة، وتوترات متصاعدة، وتهديدات للأمن البحري والطاقة، وملف نووي إيراني، وحرب مستمرة في غزة، وتداعيات إنسانية وسياسية وأمنية تجاوزت حدود الشرق الأوسط.

وفي مواجهة هذه البيئة المضطربة، يبدو أن أوروبا تريد إعادة تعريف شراكتها مع الخليج العربي على أساس أوسع من النفط والغاز والتجارة.

وقد أكد دي مايو أن الشراكة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي تجاوزت نطاق الطاقة لتشمل الدبلوماسية والدفاع والأمن والتجارة والتكنولوجيا والربط الاستراتيجي.

لكن الرسالة الأهم هي أن الاستقرار لا يمكن أن يكون أمنياً فقط.فحتى لو تم تأمين الملاحة في مضيق هرمز، وحتى لو جرى احتواء التصعيد العسكري مع إيران، وحتى لو أعيد ترتيب منظومات الردع الإقليمية، فإن الشرق الأوسط سيظل معرضاً للأزمات إذا بقيت القضية الفلسطينية من دون حل سياسي.

حل الدولتين ليس شعاراً دبلوماسياً

لأكثر من ثلاثة عقود، ظل حل الدولتين هو الإطار الدولي الأكثر تداولاً لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

لكن السنوات الأخيرة كشفت أن الخطر الأكبر لا يتمثل فقط في غياب الاتفاق، بل في تآكل إمكانية تطبيق الحل نفسه على الأرض.الاستيطان الاسرائيلي، والتوسع في بناء المستوطنات في الضفة الغربية، وتغير الحقائق الجغرافية، والانقسام الفلسطيني، والحروب المتكررة في غزة، والتوتر في الضفة الغربية، كلها عوامل تجعل الوصول إلى حل الدولتين أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

ولذلك فإن حديث دي مايو من أبوظبي عن حل الدولتين لم يكن منفصلاً عن البيئة السياسية التي احتضنت المنتدى.إنه يعكس، إلى حد كبير، إدراكاً أوروبياً متزايداً بأن دول الخليج ليست مجرد أطراف متلقية للسياسات الدولية، وإنما أصبحت شريكاً أساسياً في صياغة النظام الإقليمي الجديد.وهذا التحول مهم للغاية .

أوروبا أمام مسؤولية جديدة

أوروبا تمتلك أدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية كبيرة، لكنها تحتاج إلى تحويل هذه الأدوات إلى استراتيجية أكثر وضوحاً تجاه الشرق الأوسط.

فالاتحاد الأوروبي يستطيع أن يكون أحد أهم الأطراف الداعمة لمسار سياسي جديد، خصوصاً إذا عمل بالتنسيق مع الولايات المتحدة والدول العربية الرئيسية.

لكن نجاح أوروبا يتطلب تجاوز مرحلة البيانات الدبلوماسية إلى مرحلة الانخراط السياسي المباشر.

فالحديث عن حل الدولتين يجب أن يترافق مع خطوات عملية: دعم إعادة إعمار غزة، تقوية المؤسسات الفلسطينية، دعم السلطة الفلسطينية، وقف التوسع الاستيطاني، حماية المدنيين، خلق أفق سياسي واضح، وتوفير ضمانات دولية لأي تسوية مستقبلية . 

الفرصة الأخيرة

ربما تكون الرسالة الأهم التي خرجت من منتدى هيلي هي أن المنطقة أمام فرصة، لكنها أيضاً أمام خطر فقدان هذه الفرصة.

فإذا نجح المجتمع الدولي في تحويل مرحلة ما بعد حرب غزة إلى بداية لمسار سياسي جديد، يمكن أن تصبح إعادة إعمار غزة نقطة انطلاق لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وفتح الطريق أمام حل الدولتين.

أما إذا عاد العالم إلى إدارة الأزمة بدلاً من حلها، فإن السنوات المقبلة قد تشهد مزيداً من الحروب والانقسامات والتطرف.

ولهذا فإن كلمة لويجي دي مايو من أبوظبي تستحق التوقف عندها.

إنها تقول، بصورة مباشرة وغير مباشرة، إن الأمن لا يصنع السلام وحده، وإن الردع لا يمكن أن يكون بديلاً عن السياسة، وإن استقرار الخليج والشرق الأوسط سيظل ناقصاً ما لم يتم وضع القضية الفلسطينية على طريق الحل.

وفي النهاية، فإن حل الدولتين لم يعد مجرد خيار سياسي بين خيارات عديدة، بل أصبح ــ كما عكست كلمات المشاركين في منتدى هيلي ــ اختباراً لقدرة المجتمع الدولي على منع الشرق الأوسط من الدخول في دائرة جديدة من الحروب وعدم الاستقرار.

شاركها.