انتهى المؤتمر الثامن لحركة فتح وسط اهتمام واسع، ليس فقط لأنه مؤتمر الحركة الأكبر في الساحة الفلسطينية، بل لأنه انعقد في لحظة استثنائية تمرّ بها القضية الفلسطينية والمنطقة. ولذلك، لا ينبغي أن يقتصر تقييم المؤتمر على نتائجه التنظيمية أو أسماء الفائزين والخاسرين، فهم ليسوا أصحاب القرار الفعلي، بل يجب أن ينطلق من سؤال أعمق: هل نجح المؤتمر في تقديم إجابات جديدة عن أسباب (وجذور) المأزق العميق والمركّب الذي تعيشه الحركة والنظام السياسي الفلسطيني وكيفية تجاوزه؟
من الناحية التنظيمية، يمكن القول إن المؤتمر نجح في الانعقاد وإعادة إنتاج المؤسّسات القيادية للحركة، لكن القديم السياسي بقي على قدمه رغم التجديد الكبير في بعض الأسماء، فتغيير الأشخاص لم يترافق مع تغيير المسار السياسي والأداء، ولا مع حلول أشخاصٍ يتبنّون بديلا عما هو قائم مستعدّين للكفاح من أجله، بل معظم الجدد قدامى. وحقيقةً إن المؤتمر أكد، في تبنّيه خطاب الرئيس محمود عباس الذي أُلقي في افتتاحه، الاستمرار في الطريق نفسه الذي أوصلنا إلى الكارثة التي نعيشها. فلم يشهد المؤتمر أي حوارٍ بشأن البرنامج السياسي أو أي قضية، خلافا لتلك المتعلقة بالتنافس على المواقع والنفوذ والفوز في عضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري، ولم يشهد مراجعة عميقة ولا غير عميقة لمسيرة الحركة منذ المؤتمر السابق، ولم يتوقف أمام الفرص الضائعة، ولا أمام حقيقة أين تقف القضية الفلسطينية اليوم، وما يحيط بها من تحدّيات ومخاطر وجودية وفرص متاحة.
مال مؤتمر “فتح” إلى إعادة ترتيب التوازنات الداخلية أكثر من إحداث تحول سياسي أو فكري حقيقي، فلم يقدّم حلاً للمأزق، وإنما كشفه وعمّقه أكثر
ويتجلى هذا بصورة خاصة في ما يجري في قطاع غزّة، الذي يعيش نكبة جديدة وحرباً عدوانيةً مستمرّة حتى في أثناء الهدنة، وسط محاولات فرض وصاية استعمارية عليه تسمّى زوراً مجلس سلام، بغطاء فلسطيني وعربي ودولي. وفي الضفة الغربية، يتسارع الضم الفعلي وفرض السيادة الإسرائيلية، في ظل صمت دولي وعربي، واعتماد استراتيجية فلسطينية عقيمة تقوم على البقاء والانتظار وسحب الذرائع والنأي بالنفس، رغم أنها لم تحقق أهدافها. وفي الداخل الفلسطيني، تتغوّل الجريمة المنظّمة وتتعمّق السياسات العنصرية.
لذلك، لا مغزى كبيراً لسقوط رموزٍ من الحرس القديم، أو لعدم ترشح بعض القيادات التاريخية، إذا لم يُطرح بديل قادر على تجاوز المأزق من خلال بلورة رؤية شاملة واستراتيجيات جديدة وقيادة ترتقي إلى مستوى اللحظة التاريخية، فلا قيمة لأشخاصٍ جدد مع أهمية البعد النضالي والرمزي الذي يعكس استمرارا لبعض ما كانت تشكله “فتح”، لكن من دون رؤية وأداء جديدين، ومن دون تمكينهم فعليّاً من القيادة بتوفير المتطلبات والمهارات المطلوبة لقيادات المرحلة الجديدة التي تشكل أخطر مرحلة تمر بها القضية الفلسطينية.
صحيح أن عقد المؤتمر بحد ذاته ليس أمراً بسيطاً في الظروف السياسية والأمنية والداخلية المعقدة، كما أنه أظهر استمرار قدرة “فتح” على الحفاظ على تماسكها النسبي، رغم حالة التراجع التي تعاني منها منذ توقيع اتفاق أوسلو، الذي دشّن مسيرة تحوّلها من حركة تحرر وطني إلى حزب سلطة تحت الاحتلال. وقد وصلت هذه المسيرة إلى مرحلة إدارة السكان تحت الاحتلال، من دون إرادة و رؤية أو مقاومة مناسبة للمرحلة الحالية أو خطة عملية لإنهاء الاحتلال وتجسيد استقلال دولة فلسطين، أو حتى تبني خيار بديل.
لقد أصبح بقاء السلطة، وبقاء القيادة تحديداً، الهدف الفعلي، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً. وهذا رغم التباينات والخلافات الداخلية المرشّحة للتفاقم بعد المؤتمر، خصوصاً في ظل ما جرى منذ المؤتمر السابق من تهميش للحركة، واختيار اللجنة التحضيرية (ضمت كثيرين من المرشّحين أنفسهم) أعضاء المؤتمر الذين سينتخبونها لاحقاً، بما يمسّ بمصداقية المؤتمر وشرعيته.
وعكس المؤتمر استمرار مركزية فتح داخل النظام السياسي الفلسطيني، وأنها لا تزال الإطار الأكثر تأثيراً داخل السلطة ومنظّمة التحرير، مع تغير واضح في موازين القوى الداخلية. فمثلاً، فاز ماجد فرج في المرتبة الثانية بعد الأسير القائد مروان البرغوثي، وفي المرتبة الثالثة جبريل الرجوب والرابعة حسين الشيخ نائب الرئيس، والخامسة ليلى غانم والسادسة محمود العالول نائب رئيس الحركة. وهذه النتائج زائداً سقوط أعضاء، منهم رئيس المجلس الوطني وأمين سر اللجنة التنفيذية وعضو فيها، ما قد يعيد النظر في تمثيلهم ومواقعهم داخل “فتح” والسلطة والمنظّمة، ولم يفز أي مرشح من خارج فلسطين رغم أن نصف الشعب الفلسطيني في الشتات، ما يعكس سطوة مراكز القوة والنفوذ والمال والأمن داخل السلطة وجهازها البيروقراطي على الحركة. كذلك لوحظ اختلال واضح في تمثيل المحافظات، حيث نالت رام الله الحصّة الأكبر، تلتها نابلس، بينما حصلت الخليل، وهي أكبر المحافظات، على تمثيل محدود، وكذلك الحال بالنسبة إلى قطاع غزّة قياساً بحجمه ودوره.
لكن “النجاح التنظيمي” لا يكفي للحكم على نجاح المؤتمر سياسيّاً أو وطنيّاً. فالأزمة الأساسية التي تواجه الحركة ليست أزمة انتخابات داخلية فقط، بل أزمة مشروع وطني ودور ووظيفة، وأزمة منظّمة مغيبة وسلطة على حافة الانهيار.
ولذلك السؤال الحقيقي: لماذا لم يُجر المؤتمر مراجعة سياسية عميقة للتجربة السابقة؟ والجواب، لأن المراجعة الجادّة ستقود إلى تغيير المسار، وهذا يعني مواجهة مع الاحتلال، وما تتطلبه من أثمان، مع أن بالإمكان وضروري انتهاج مقاومة بتكلفة معقولة. ولماذا لم يطرح رؤية جديدة تتناسب مع التحولات الجارية رغم الطريق المسدود الذي وصلنا إليه، تعطي الوحدة الوطنية على الهدف أو الأهداف الممكن الاتفاق عليها، وكيفية تحقيقها الأهمية التي تستحقها، ولا تفسير لعدم الاستجابة لذلك إلا تغليب المصالح الفردية على المصلحة العامة؟ وهو السبب الذي يفسّر عدم وجود نية فعلية لتحقيق أوسع قدر من المشاركة السياسية من خلال تغيير آلية اتخاذ القرار داخل فتح، وبالتالي داخل السلطة والمنظّمة، حيث تتركز السلطة والقرار عمليّاً بيد الرئيس وعدد محدود من المساعدين، بعيداً عن المؤسّسات، ومن دون تغيير آلية صنع القرار فلا تقدّم يمكن أن يحدث؟
التزاحم الكبير على عضوية المؤتمر والترشّح لعضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري لا يدل على الحيوية وإنما على فقدان الثقة في القيادة وانخفاض المعايير
فبعد الانقسام الفلسطيني، تفاقم المأزق السياسي بشدّة، فقد جرى حل المجلس التشريعي، وجُمعت السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بيد شخص واحد، وليس فصيلاً واحداً، بحيث أصبح من الصعب القول إن “فتح” هي التي تقود السلطة؛ إذ بات الرئيس يدير السلطة عبر شبكة من الأفراد، بعضهم من “فتح” وآخرون من خارجها، باسم الحركة وتوظيفاً لثقلها الشعبي وتاريخها النضالي. ولو كان الحوار والتنافس داخل المؤتمر يدوران فعلاً حول الأفكار والبرامج والخطط، لما كانت الجهة الجغرافية التي ينتمي إليها الفائزون ذات أهمية كبرى، لأن المفترض أنهم جميعاً ينفذون مهمات مرتبطة بالمشروع الوطني ومشتقاته، لا بخدمة مناطقهم أو محاسيبهم أو “السحيجة”. أما عدم مشاركة ما يُعرف بالتيار الإصلاحي في المؤتمر، فيرتبط على الأرجح ليس بالخلاف حول الخيارات، وإنما على المراكز والنفوذ، وبوزنه الداخلي وعلاقاته الإقليمية، وما يمكن أن تسبّبه مشاركته من تغيير في التوازنات، خصوصاً في سياق الصراع على الخلافة والخلفاء.
من أبرز التحوّلات التي شهدتها “فتح” انتقالها من حركة واسعة منفتحة تشبه الشعب الفلسطيني، وتضم اتجاهات فكرية وسياسية متعدّدة، يجمعها الهدف الوطني والمرونة الواقعية، إلى حزب سلطةٍ لا يتّسع للخلافات وصراع البرامج والأفكار بحيث بات هناك توجّه سياسي واحد، يُسمح بالخلاف فقط على هوامشه، لا معه أو مع بديله. ويبدو أن هذا النموذج يُراد تعميمه على مجمل الحياة السياسية الفلسطينية، عبر قوانين وإجراءات تحدّ من التعدّدية والمشاركة السياسية، وتفرض الالتزام ببرنامج القيادة والتزاماتها، رغم أن المجلسين، الوطني والمركزي، اتّخذا سابقاً قرارات بإعادة النظر في هذه الالتزامات.
إذا استمرّ هذا المسار، فإنه يهدّد الحياة السياسية الفلسطينية، ويخفّض سقف الاهتمام العام إلى القضايا الخدماتية والمحلية، ويقضي على التعدّدية التي شكلت دائماً مصدر قوة ومناعة وتطور واستمرارية القضية الفلسطينية.
ولعل أكثر ما عكس هذا المنحى “االمبايعة” التي حصل عليها الرئيس في بداية المؤتمر، عبر تزكية رئاسته بالتصفيق لا بالاقتراع السري، ومن دون تقديم كشف حساب عن المرحلة السابقة، أو فتح باب المنافسة. وكان يفترض، سياسيّاً وتنظيميّاً، أن يتم ذلك في نهاية المؤتمر لا في بدايته، بعد تقييم التجربة السابقة وما حملته من إخفاقات سياسية واقتصادية وديمقراطية ومؤسساتية. وما جرى يمثل إعادة إنتاج لأسوأ نماذج الأنظمة والأحزاب الفردية.
ومن مظاهر التدهور التزاحم الكبير على عضوية المؤتمر والترشّح لعضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري، فهذا لا يدل على الحيوية وانما فقدان الثقة بالقيادة وانخفاض المعايير والمستوى، بحيث يجد كثيرون أنهم جديرون بتبوؤ أعلى المناصب التي كانت تكليفاً ومسؤولية كبيرة، وليست تشريفاً ومغانم ومزايا كبيرة.
وفي هذا السياق، يبرُز موضوع ترشّح نجل الرئيس، الذي لا يمتلك تاريخاً سياسيّاً أو جماهيريّاً أو نضاليّاً يبرّر صعوده. وقد اعتمد بصورة أساسية على نفوذ والده، كما أظهرت الحملة الانتخابية والاستقبالات الرسمية ودعم بعض الأجهزة والمؤسّسات والأقاليم له. وهذا يفتح الباب أمام مخاوف جدّية من التوريث السياسي، وهي ظاهرة دفعت أثمانها الباهظة دول عربية عديدة. صحيح أن هناك معارضة داخلية وخارجية لهذا التوجه نحو التوريث، ما يعكس أن طريقه ليست سهلة، لكن مجرّد طرحه يعكس طبيعة المأزق البنيوي العميق الذي وصلت إليها الحركة والنظام السياسي. ولا يكفي هنا الحديث عن غياب الفساد كما جاء في خطاب الرئيس، بينما مظاهره واضحة في مجالات عديدة.
لقد مال المؤتمر، في جوهره، إلى إعادة ترتيب التوازنات الداخلية أكثر من إحداث تحول سياسي أو فكري حقيقي، وهذا أدّى إلى أن المؤتمر لم يقدّم حلا للمأزق، وإنما كشفه وعمّقه أكثر. صحيح أن الخطابات والوثائق أكدت الثوابت الوطنية وضرورة مواجهة الاحتلال، لكن هذا لا يكفي من دون توضيح كيف سيتم، خصوصاً بعد انهيار عملي لمسار التسوية من دون تبنّي مسار آخر، واستمرار مخطّط الضم والتهجير والإبادة والفصل العنصري والاستيطان، وفصل القدس عن محيطها، وتعميق فصل الضفة الغربية عن قطاع غزّة، وتقويض أي دور سياسي للسلطة في الضفة وتدمير السلطة في غزّة.
آن الأوان لمغادرة الأوهام من كل الأنواع، والكفّ عن التنازلات السياسية، وعن المغامرات العسكرية، لمصلحة خيار وطني واقعي وطني ثوري مقاوم
لقد آن الأوان لمغادرة الأوهام من كل الأنواع، والكفّ عن التنازلات السياسية، وعن المغامرات العسكرية، لمصلحة خيار وطني واقعي وطني ثوري مقاوم، يجمع بين التمسّك بالحقوق ورؤية الواقع والقدرة على الفعل والتأثير، بعيداً عن الإمعان في الواقعية بعيداً عن الخيال والطموح والنضال، وعن التحليق بالخيال والمغامرة بعيداً عن الواقع.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن مجرّد انعقاد المؤتمر في هذه المرحلة يحمل دلالة مهمة، لأن حركة فتح تدرك أن استمرار الجمود لم يعد ممكناً، وأنها تواجه تحدّيات وجودية حقيقية بفعل التحوّلات الإقليمية والدولية والتغيرات داخل المجتمع الفلسطيني نفسه، ولكنها لا تملك الوعي والإرادة لبلورة البديل القادر على مواجهتها والانتصار عليها. لذلك يمكن النظر إلى المؤتمر باعتباره محاولة فاشلة لاحتواء المأزق وتأجيل الانفجار، أكثر منه نقطة تحوّل حاسمة.
في المحصلة، نجح المؤتمر في الحفاظ على استمرارية الحركة ومؤسساتها، لكنه لم ينجح في استعادة ألقها ووحدتها ودورها النضالي، ووقف النزيف والتراجع والشرذمة وإقصاء الكفاءات والمناضلين والابتعاد عن الشعب والانفصال عن الواقع، ولم يقدّم بديلاً أو اختراقاً سياسيّاً أو فكريّاً حقيقيّاً. وبقيت الأسئلة الكبرى مفتوحة: كيف تستعيد “فتح” دورها حركة تحرّر؟ وهل ما زال هذا ممكناً أم أن الوقت أصبح متأخراً؟ وكيف يمكن إحياء منظّمة التحرير التي تعيش في غرفة العناية المشدّدة؟ وكيف يمكن إعادة بناء العلاقة مع المجتمع، وتوفير مقوّمات الصمود الفاعل والبقاء على أرض الوطن، وتعزيز وحدة الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه وإحياء المنظمة، وتحقيق التوازن بين متطلبات الحركة والسلطة والمنظّمة ومتطلبات المشروع الوطني؟
لم تُطرح هذه الأسئلة داخل المؤتمر، وبالتالي لم تُحسم، لكن طرحها وتقديم الجواب المناسب عليها سيظلّان العامل الحاسم في تحديد مستقبل الحركة، وربما مستقبل النظام السياسي الفلسطيني كله خلال السنوات المقبلة.
 

شاركها.